; ماذا بعد إصدار حكـم الإعـدام على طــارق الهــاشمـي ؟! | مجلة المجتمع

العنوان ماذا بعد إصدار حكـم الإعـدام على طــارق الهــاشمـي ؟!

الكاتب محمد واني

تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012

مشاهدات 55

نشر في العدد 2020

نشر في الصفحة 38

السبت 22-سبتمبر-2012

الهاشمي: أصبحت رمزًا للمظلومين في العراق.. فسجون «المالكي» مليئة بهم. هل هو سيناريو سياسي لتحويل الأنظار عن سورية وتخفيف الضغط على نظام «بشار» البعثي؟ «القائمة العراقية» بقيادة علاوي: قضية الهاشمي نموذج للقضايا ذات الطابع الطائفي والفئوي التي تسعى حكومة «المالكي» من خلالها لتصفية خصومها.

الحكم الذي أصدرته المحكمة الجنائية المركزية العراقية يوم الأحد 9 سبتمبر غيابيًا على نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي، ومدير مكتبه وصهره أحمد قحطان بالإعدام شنقًا حتى الموت... هذا الحكم الذي صدر وسط شجب واستنكار دولي ومحلي واسع النطاقة؛ لم يكن الحكم الأول بحق زعيم سياسي سني، حيث سبقته أحكام عديدة. فقد سبق وأصدرت الحكومة العراقية في عام ٢٠٠٥م مذكرة اعتقال بحق رئيس «هيئة علماء المسلمين» حارث الضاري بتهمة الإرهاب «المادة الرابعة» وهي نفس تهمة الهاشمي، وفي العام نفسه أصدرت أمرًا باعتقال وزير الدفاع الأسبق حازم الشعلان بنفس التهمة، وكذلك الأمر بالنسبة لوزير الثقافة أسعد الهاشمي عام ٢٠٠٧م، وبحق النائبين ناصر الدين الجنابي، ومحمد الدايني اللذين هربا إلى خارج العراق خوفًا من حبل المشنقة، ورئيس «هيئة النزاهة» راضي الراضي، وغيرهم كثر، ومن الجدير بالذكر أن معظم هذه الملاحقات القضائية جرت لطيف واحد في المجتمع العراقي وهو طيف السنة.

 من هو طارق الهاشمي؟

يعتبر طارق أحمد بكر الهاشمي (مواليد ١٩٤٢م) من ألمع السياسيين والعسكريين السنة في العراق، ومن عائلة سياسية معروفة، فهو ابن أخت رئيس وزراء العراق في العهد الملكي ياسين الهاشمي في الثلاثينيات من القرن الماضي، انضم إلى الحزب الإسلامي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين عام ١٩٧٥م، تدرج في العمل الحزبي حتى أصبح أمينًا عامًا للحزب خلفًا للدكتور محسن عبد الحميد قبل أن يترشح لمنصب نائب رئيس الجمهورية عام ٢٠٠٦م. وبعد فترة انفصل عن الحزب الإسلامي وشكل حزبًا جديدًا سماه حزب «التجديد» ودخل في تحالف مع إياد علاوي وشكلا جبهة سياسية قوية «القائمة العراقية» أمام الأحزاب الشيعية، دخلت كتلته غمار الانتخابات التشريعية العامة التي جرت في البلاد عام ٢٠١٠م، وأحرزت نجاحًا سياسيًا باهرًا، حيث فازت بأغلبية مقاعد البرلمان (٩١ مقعدًا)، وانتظر العراقيون لتقوم القائمة «العراقية» الفائزة بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ولكن في خطوة مفاجئة وغير محسوبة عدها المحللون من أكبر أخطاء «القائمة العراقية» تنازلت عن حقها الدستوري للقوى والأحزاب الشيعية، وعلى رأسها «ائتلاف دولة القانون» الذي يقوده «المالكي»؛ وهو ما مهد للتحالف الشيعي الطريق لقيادة العراق للمرة الثانية. يذكر أن الهاشمي لجأ إلى إقليم کردستان بعد أن عرضت وزارة الداخلية في ۱۹ ديسمبر ۲۰۱۱م اعترافات مجموعة من أفراد حمايته بالقيام بأعمال عنف بأوامر منه، وبسببه وصلت حالة التوتر بين الحكومة المركزية التي كانت تطالب بتسليم الهاشمي لمحاكمته وبين حكومة إقليم كردستان التي رفضت طلب حكومة «المالكي» لدواع أخلاقية بالمقام الأول، حيث لا ينبغي تسليم من استجار بالأكراد، مهما كانت النتيجة، وصلت العلاقة بين الحكومتين إلى أسوأ حالاتها، ولم بعض كثيرًا حتى انتقل الهاشمي إلى تركيا، حيث منحته حكومة «أردوغان» إقامة دائمة في البلاد في ٢١ يوليو ٢٠١٣م، ورفضت تسليمه للسلطات العراقية على الرغم من إصدار قرار للشرطة الدولية «إنتربول» بالقبض عليه وتسليمه للحكومة العراقية.

استياء عراقي ودولي

ارتفعت أصوات المنددين بالقرار من جميع أنحاء العالم، من دول ومنظمات وشخصيات سياسية، وكان من أوائل الذين نددوا بالقرار وتأسفوا لإصداره في هذا الوقت بالذات رئيس الجمهورية «جلال الطالباني» وتوقع أن يكون له أبعاد سيئة على الأوضاع الداخلية في العراق، وأسرعت رئاسة إقليم كردستان إلى رفض وشجب القرار، واعتبرته قرارًا خاطئًا، وقال بيان صادر منها: إن القرار سيفاقم الأزمة التي يعاني منها العراق أصلًا، ويهيئ الصراع طائفي مرير، كما حمل الحكومة العراقية مسؤولية تصاعد وتيرة الأحداث الأمنية في البلاد، متهمًا إياها بخلق الأزمات. وبدوره شجب رئيس وزراء إقليم كردستان «نيجيرفان بارزاني» القرار، وعده قرارًا غير حكيم، وسيعيق حل المشكلات في البلد.. وفي الوقت نفسه، أدان أمين عام الاتحاد الإسلامي الكردستاني محمد فرج الحكم، واعتبره لا يخدم وحدة العراق ولا التوافقات السياسية، وتابع: إن الهاشمي نائب رئيس الجمهورية يمثل أحد المكونات الأساسية في العراق ومازال يشغل منصبه دون صدور قرار  بإعفائه، وهذا بحد ذاته دليل يعزز الشكوك حول تسييس محاكمته. كما أدانت منظمات عربية وعالمية لحقوق الإنسان الحكم الصادر بحق الهاشمي، فقد شجبت «منظمة العفو الدولية» الحكم، وطالبت السلطات العراقية بتخفيف الحكم على الهاشمي فورًا .. وبدورها أعلنت «المنظمة العربية لحقوق الإنسان» أن الحكم الذي صدر مؤخرًا على نائب الرئيس العراقي يؤكد الشكوك حول نزاهة مؤسسة القضاء بكليتها وانهيارها بالفعل، وأعلنت «رابطة الحقوقيين العراقيين» بأن الفريق القانوني المكلف بدراسة قضية نائب الرئيس العراقي أكد وجود انتهاك صارخ للمعايير القانونية. ومن جانبها، سارعت «القائمة العراقية» إلى رفض الحكم، وقالت على لسان رئيس كتلتها في البرلمان العراقي سلمان الجميلي: إنها لا تعترف بحكم الإعدام الغيابي ضد الهاشمي؛ لأن قرار الحكم سياسي بامتياز منذ البداية.. وتابع الجميلي: قضية الهاشمي نموذج للقضايا ذات الطابع الطائفي والفئوي، والتي تسعى الحكومة من خلالها لتصفية خصومها السياسيين.. وبدوره قال النائب عن «القائمة العراقية» أحمد العلواني: أن القضاء العراقي يمارس الطائفية المقيتة ضد مكون دون آخر، وتابع العلواني: إن ما يحدث من استهداف للمكون السني من قبل الحكومة والقضاء الذي يصدر حكم الإعدام بحق متهمين سنة ويبرئ آخرين شيعة هو سياسة ممنهجة وضعت من قبل المليشيات ذات استهداف طائفي ومناطقي.

الهاشمي رمز للمظلومية

يذكر أن طارق الهاشمي فور إصدار حكم الإعدام بحقه، قام بزيارة لمقر وزير الخارجية التركي «أحمد داود أوغلو» في إسطنبول، وعقب الزيارة عقد مؤتمرًا صحفيًا، أعلن فيه رفضه للحكم الصادر بحقه، واعتبر محاكمته «مسرحية» وجلساتها صورية غابت عنها العدالة، وتعرض المتهمون إلى تعذيب وحشي لإجبارهم على الإدلاء باعترافاتهم، وحرموا وحرم محاموهم من حقوقهم المدنية وفق القوانين الوطنية والدولية، وحث في مؤتمره الصحفي الشعب العراقي على معارضة رئيس الوزراء «المالكي» متهمًا إياه بإثارة التوترات الطائفية.  وتابع الهاشمي: «أصبحت رمزًا للمظلومين في العراق، وسجون «المالكي» مليئة بهم» ودعا أنصاره في مقر سكنه بمدينة إسطنبول إلى الرد على حكم الإعدام الصادر بحقه بسلوك حضاري هادئ مبني على أعلى درجات المسؤولية، مطالبًا إياهم برفع أغصان الزيتون، ووصف محاكمته بالسلوك الفاسد والمسيس، وقال: إن رئيس مجلس القضاء الأعلى، والعديد من القضاة؛ مطلوبون لهيئة النزاهة بتهمة الانتماء إلى حزب «البعث» المحظور. ويتساءل المراقبون القريبون من الأحداث في العراق: إذا كان هذا هو حال شخصية كبيرة مثل طارق الهاشمي مع القضاء العراقي المنحرف، فما بال الأشخاص العاديين الذين يساقون كل يوم إلى غرف الإعدام من دون رحمة، وبدون أدلة كافية؟! فهناك آلاف الأبرياء يقبعون في السجون العراقية دون أن يسأل فيهم أحد، أو تدافع عنهم جهة قانونية، المعاناة كبيرة وتحتاج إلى مراجعة شاملة لأسس التوافقات والتحالفات السياسية الجارية في العراق، ووقفة شجاعة وقوية لرفض الظلم الواقع على البلاد. وقد تكون هذه الضجة التي تثيرها حكومة «المالكي» بين فترة وأخرى، تارة مع السنة وتارة مع الأكراد وتارة أخرى مع الأحزاب الشيعية المناولة لسياساتها، في هذا التوقيت بالذات، سيناريو سياسيًا لتحويل الأنظار السياسية والإعلامية العربية والعالمية عن سورية، وتخفيف الضغط عن النظام السوري البعثي... كما قال أحد الكتاب البارزين في الخليج العربي.. ولم لا؟ فكل شيء جائز في هذا الزمن الأغبر.

الرابط المختصر :