العنوان ذكرى الإسراء وذكرى تحرير فلسطين
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
مشاهدات 73
نشر في العدد 1374
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
كان ذلك في السابع والعشرين من رجب الفرد.
وكانت الإسراء تلك الرحلة التي استضاف فيها جبريل سيد الملائكة محمداً -صلى الله عليه وسلم- سيد ولد آدم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أيقظه من نومه، وهو لا يدري سر ذلك الإيقاظ وجاء كله، وحدثنا عن هذه الرحلة الخالدة:
«بينما أنا نائم في الحجر، إذ جاءني جبريل فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئًا فعدت إلى مضجعي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئًا، فعدت إلى مضجعي فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه، فجلست فأخذ بعضدي، فقمت معه، فخرج بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض بين البغل والحمار، في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع يديه في منتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج معي لا يفوتني ولا افوته».
قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله ﷺ ومضى جبريل عليه السلام - معه حتى انتهى به إلى بيت المقدس فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، فأمهم رسول الله ﷺ فصلى بهم، ثم أتي بإناءين، في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن فأخذ رسول الله كله إناء اللبن فشرب منه، وترك إناء الخمر فقال له جبريل: هديت للفطرة وهديت أمتك يا محمد، وحُرمت عليكم الخمر، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة.
فلما أصبح غدًا على قريش فأخبرهم الخبر فقال أكثر الناس: هذا والله لأمر (1) البين والله إن العير لتطرد شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرًا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبك يزعم أنه جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة، فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه فقالوا: بلى، ها هو في المسجد يحدث به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن قاله لقد صدق.. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء القوم أنك جنت بيت المقدس هذه الليلة قال: نعم، قال: يا نبي الله، فصفه لي فإني قد جئته قال "الحسن": فقال رسول الله له فرفع لي حتى نظرت إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبي بكر، ويقول أبو بكر صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئًا، قال: صدقت أشهد أنك رسول الله حتى إذا انتهى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وأنت يا أبا بكر الصديق، فيومئذ سماه الصديق (۲)
وخلد الله تعالى، هذه الرحلة الفضائية بقوله عز وجل ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء:1 ).
ومنذ ذلك الوقت، دخل المسجد الأقصى في حمى المسلمين في الأرض إلى قيام الساعة وصارت فلسطين المباركة حول المسجد مقدسة عند المسلمين، فقد أسري برسولهم إليها بمعجزة ربانية، وأم إخوانه من الأنبياء فيها، وعرج من الصخرة إلى السماوات العلا وربط رسول الله ﷺ له بينه وبين الحرمين الشريفين بقوله عليه الصلاة والسلام: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (۳)، ثم كان استلام المسجد الأقصى والقدس بمفاتيحها لعمر أمير المؤمنين بعد قرابة عشرين عامًا من هذا الإسراء، وصار أولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين، ومسرى رسول الله ﷺ بيد المسلمين ومثلت فلسطين على مدى التاريخ فيما بعد حلية الصراع بين المسلمين والنصارى واليهود وجاء دور الصليبية وكان ذلك في بداية الألف الثانية للميلاد (١١١٤م)، حيث تحركت قوى الصليبية العظمى، واحتلت بيت المقدس.
ولما كان ضحى يوم الجمعة السبع بقين من شعبان سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة، أخذت الفرنج لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل وقتلوا وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين و فجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرا، وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق مستغيثين على الفرنج بالخليفة والسلطان، وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد فلم يعد ذلك شيئًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.. ومما قاله الأبيودي شعرًا:
أيرضى صناديد الأعاريب بالأذى
ويغضي على ذل كماة الأعاجم
فليتهمو إذ لم يذودوا حمية
عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم (4)
وكانت الصحوة بعد إغفاءة قرابة مائة عام فقد بقيت فلسطين، وبقي المسجد الأقصى بيد الصليبيين اثنين وتسعين عامًا، وتحت راية الإسلام وبقيادة صلاح الدين الأيوبي كانت القدس تحاصر وقاتل الفرنج دون البلد قتالًا هائلًا، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في نصرة دينهم، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين، فحنق عند ذلك كثير من الأمراء والصالحين، واجتهدوا في القتال، ونصب المنجنيق والعرادات على البلد، وغنت السيوف والرماح الخطيات والعيون تنظر إلى الصلبان منصوبة فوق الجدران وفوق قبة الصخرة صليب كبير، فزاد ذلك أهل الإيمان حنقًا وشدة للتشمير فبادر السلطان بأصحابه إلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور فنقبها، وعلقها وحشاها وأحرقها فسقط ذلك الجانب، وخر البرج برمته فلما شاهد الفرنج ذلك الحادث الفظيع والخطب المؤلم الوجيع قصد أكابرهم السلطان، وتشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان، فامتنع عن ذلك، وقال: لا أفتحها إلا عنوة كما اقتحمتموها عنوة، ولا أترك بها أحدًا من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين، ثم أجاب إلى الصلح، وأناب على أن يبذل كل رجل عن نفسه عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن كل صغير وصغيرة دينارين، ومن عجز عن ذلك كان أسيراً للمسلمين، وأن تكون الغلات والأسلحة والدور للمسلمين، وأنهم يتحولون منها إلى مأمنهم وهي مدينة صوره فكتب الصلح بذلك. (5)
وتحقق الحلم الإسلامي، وتحررت القدس ثم فلسطين بعد قرابة مائة عام، وتمثل الشاعر قائلًا:
أتُرى منامًا أم بعين تبصر
القدس تفتح والفرنجة تكسر
ومليكهم في القيد مصفود ولم
ير قبل ذلك لهم مليك يؤسر
وكان هذا في السابع والعشرين من رجب ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين من رجب قال العماد: وهي ليلة الإسراء برسول الله ﷺ له من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، قال أبو شامة: وهو أحد الأقوال في الإسراء (6)
وكان قدر الله الخالد أن أعيدت فلسطين وحررت في ذكرى ليلة الإسراء النبوي إليها. وماذا عن فلسطين اليوم فقد تكاتفت الصليبية واليهودية، وأقاموا في فلسطين دولة لليهود، وطردوا المسلمين منها، وكان هذا قبل خمسين عامًا من اليوم، واستلم الحاكمون الأرض العربية، وصمموا أن يحرروا فلسطين باسم القومية لا باسم الإسلام، وكانت نصف فلسطين بيدهم ونصفها بيد اليهود.
وصرح عبد الحكيم عامر قائد الجيش المصري قبل معركة ٦٧ بخمسة أيام: أن المعركة لن تكون أكثر من نزهة سهلة لتلك القوات الجبارة الضارية وينتهي كل شيء (۷)
وانتهى كل شيء وصارت فلسطين كلها بيد اليهود، كما صارت معهم سيناء والجولان.
وقرر سدنة القومية العربية بعد حرب الـ ٧٣ أن يحرروا فلسطين بالمفاوضات وانسحبت مصر مكتفية بسيناء تاركة فلسطين لأهلها وهي رائدة القومية العربية، وانسحبت منظمة التحرير الفلسطينية باسم الثورة الفلسطينية من الكفاح المسلح، وغيرت ميثاقها، واعترفت بإسرائيل واحتلالها لنصف فلسطين، وها هي تستجدي الفئات من الضفة الغربية، وانسحبت سورية تاركة لمنظمة التحرير الفلسطينية تحرير أرضها ومختارة سلام الشجعان إن استلمت الجولان.
وهكذا أنهى هدنة القومية العربية فلسطين مع بداية الألف الثالثة للميلاد، ولم يبق على الساحة إلا الملاحقون بصفتهم إرهابيين من المسلمين، لأنهم يؤمنون بالكفاح المسلح لتحرير فلسطين كلها من النهر إلى النهر، وتمضي الحراب في صدورهم للإجهاز عليهم، كان هذا بعد خمسين عامًا من احتلال فلسطين لا تسعين عامًا.
فماذا دهى قومي؟ أفلا تحرك ذكرى السابع والعشرين من رجب ذكرى الإسراء، وذكرى تحرير فلسطين، أما تحرك فيهم عودة الوعي، فتنبت صلاح الدين من جديد
أين الذي عند الفرنج لباسه
ذلًا ومنها أدركت ثاراته
اغلال أعناق العدا أسيافه
أطواق أجياد الورى مناته (۸)
إن بشريات رسول الله ﷺ لنا لن تغيب وإن النصر قادم « تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، ثم يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي وراثي فاقتله» (۹) ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا.
الهوامش
(1) الأمر البين العجيب المذكر
(۲) السيرة النبوية لابن هشام ۳۹۸ ۳۹۹
(3) البخاري من ٣٥٤، ١٨٦٤
(4) البداية والنهاية لابن كثير ١٦٦/١٢/٦ ١٦٧
(5) المصدر نفسه ٢٤٥٣٤٤/١٢/٦
(6) المصدر نفسه ٣٤٠
(7) المؤامرة ومعركة المصير لسعد جمعة ١٧٢
(۸) البداية والنهاية لابن كثير ٠/١٣/٧
(9) البخاري من ٦٨٧، ج ٢٥٩٣
مكانة عظيمة لأرض مباركة
د. مفيد أبو عمشة
من سنن الله تعالى أنه فاضل بين الأشياء، ففضل بعض الملائكة على بعض وبعض الناس على بعض، وبعض الأزمان على غيرها، وبعض الأماكن على الأخرى وعلى صعيد المكان جعل الله تعالى للمساجد الثلاثة المسجد الحرام والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى من الفضل ما ليس لغيرها من بقاع الأرض.
ومن سنته أنه جل وعلا جعل لكل أمة شعائرها وأعيادها وأماكنها التي تقدسها وتزورها إذ يقول تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (الحج: ٦٧)، وللأمة المسلمة شعائرها ومقدساتها التي تزورها وتتعبد الله فيها، ومن مقدسات الأمة المسجد الأقصى المبارك.
والحديث عن فضل المسجد الأقصى تجدر الإشارة إلى فضل الحيز الجغرافي الكبير الذي يحتضن الأقصى، أي بلاد الشام
بركة بلاد الشام
الأقصى قلب القدس، والقدس جوهرة فلسطين، وفلسطين درة الشام، والشام أرض مقدسة باركها (1) الله في كتابه العزيز في مواضع عديدة منها﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء:1)، ومنها: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:71). ومنها: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء:81)، ومنها: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ (سبا: ۱۸)، ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائدة: ٢١) والوعد من الله في هذه الآية لموسى - عليه السلام ومن معه خاص بذاك الجيل وذاك الزمان، وليس وعدًا في كل جيل وزمان، لأن الله تعالى فيما بعد غضب على بني إسرائيل لكفرهم وقتلهم الأنبياء، ونقل شرف الخلافة منهم إلى أمة محمد ﷺ، وهي الأمة المستخلفة التي تحمل الرسالة حتى قيام الساعة.
وقد أقسم الله بهذه الأرض باعتبارها موطن رسالة عيسى عليه السلام ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ (3) ﴾ (التين:1-3)، أي أرض التين والزيتون موطن رسالة عيسى عليه السلام. وطور سينين متنزل رسالة موسى - عليه السلام وهذا البلد الأمين موطن رسالة محمد ﷺ وإضافة لما ورد في كتاب الله من الآيات في بركة الشام وقداستها، فقد جاءت في فضلها أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ منها.
ما رواه زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا طوبي للشام يا طوبي للشام يا طوبي للشام، قالوا يا رسول الله ويم ذاك، قال تلك ملائكة الله باسطو اجنحتها على الشام» (۲).
وعن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله ﷺ «رأيت ليلة أسري بي عمودًا أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة، فقلت ما تحملون فقالوا: عمود الإسلام أمرنا أن تضعه بالشام، وبينما أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلص من تحت رأسي فظننت أن الله تعالى قد تخلى عن أهل الأرض فاتبعته بصري هذا هو نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام فقال ابن حوالة يا رسول الله خر لي"، قال عليك بالشام » (۳).
وقد دعا رسول الله ﷺ للشام واليمن بالبركة. حيث قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا » (٤)، وأرشد ﷺ إلى السكن في الشام فهي أرض الأنبياء هاجر إليها إبراهيم ولوط وسكنها إسحاق ويعقوب ويوسف، وأمر بالخروج إليها موسى وهارون، وملك فيها داود وسليمان، وبعث فيها زكريا ويحيى وعيسى، وأسري إليها بمحمد وعرج به إلى السماء منها، صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا، وهي موطن العلماء إذ خرج منها كثير من علماء الأمة وأعلامها أمثال الشافعي وابن قدامة المقدسي، وابن حجر العسقلاني، وابن مفلح الحنبلي، والرملي والمرداوي، والحجاوي، والسفاريني وغيرهم كثير.
وهي أرض الشهداء تخضب ثراها بدم المجاهدين في كل عصر، وعلى أرضها جرت معارك الإسلام الفاصلة مؤتة واليرموك، وأجنادين، وحطين، وعين جالوت، وهي الأرض التي بشر رسول الله عليه الصلاة والسلام بهلاك أعداء الإسلام اليهود، والدجال، ويأجوج ومأجوج على ثراها، ولها من الفضل ما لا يتسع هذا المقال لذكره.
هذه هي محضن الأقصى الشام ببركتها وفضلها في كتاب الله وسنة رسول الله ومكانتها في ماضي الأمة ومستقبلها.
فضل المسجد الأقصى
للمسجد الأقصى مكانة جليلة ومنزلة عظيمة في نفوس المسلمين على مدار التاريخ، وهو محل رعايتهم واهتمامهم حماية وعمارة وإحياء بالعلم والعلماء، وذلك لما له من عظيم الفضائل وسمو الشمائل، وفيما يلى عرض لأبرزها:
المسجد الأقصى ثاني مسجد بُني لعبادة الله في الأرض بعد المسجد الحرام، وبينهما أربعون سنة، عن أبي ذر رضي الله عنه
- قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولًا قال المسجد الحرام قال: ثم أي قال المسجد الأقصى، قلت كم بينهما قال أربعون سنة وأينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد (٥).
وهو قبلة المسلمين الأولى صلى إليه رسول الله ﷺ والمسلمون ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا بعد الهجرة عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال صلى رسول الله ﷺ ستة عشر أو سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس (6)
وإلى المسجد الأقصى كان الإسراء برسول الله ﷺ من مكة، ومنه كان العروج بالرسول إلى السماوات العلا وفيه أمّ الرسول الكريم الله الأنبياء في الصلاة ليلة الإسراء والمعراج، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: وحانت الصلاة فأممتهم (۷).
وهذا يدل على انتقال القيادة وأمانة التبليغ لمحمد وأمته والأقصى أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام
والمسجد الأقصى» (۸)
والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ قال: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» (۹)
ومن فضائله أن رسول الله ﷺ يرجو من الله لمن أتاه لا يريد إلا الصلاة أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما - قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن سليمان بن داود - عليه السلام لما فرغ من بنيان مسجد بيت المقدس سأل الله حكمًا يصادف حكمه وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، ولا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه فقال النبي ﷺ أما اثنتان فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة » (۱۰)، وبناء سليمان لمسجد بيت المقدس الوارد في هذا الحديث كان تجديدًا وعمارة لا إنشاء وابتداء، لأن هذا المسجد كان مبنياً قبل سليمان - عليه السلام - بعدة طويلة، وكذلك لا يعطي بناء سليمان إياه أحقية لليهود لإعادة بناء الهيكل في مكان المسجد الأقصى بعد هدمه لأنهم لا يؤمنون به نبيًا بل ملكًا، ويزعمون أنه سجد لآلهة أخرى غير الله، فلا هم ينتسبون إليه عقيدة ولا نسبًا لأن معظم اليهود الحاليين من غير سلالة إبراهيم عليه السلام، أما نحن المسلمين فنؤمن به نبيًا موحدًا معصومًا وعلى درب التوحيد الذي هو دينه ودين جميع الأنبياء، والذي انتهت رايته لمحمد ﷺ ولأمته حيث قال تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الانعام: ۹۰)
والأقصى وأكنافه موطن الطائفة القائمة على الحق إلى قيام الساعة عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: « ولاتزال طائفة من امتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا من أصابهم من الأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس » (۱۱)
ومن خصائصه أن رسول الله الله أوصى برعايته وخدمته وتهيئته لعبادة الله عن ميمونة - رضي الله عنها قالت: «يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس فقال: ائتوه فصلوا فيه . وكانت البلاد إذ ذاك حربًا - فإن لن تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله» (۱۲)
وفي الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة السالفة دلالة على عظم بركة الشام عامة، وعلى فضل المسجد الأقصى خاصة، كما تبين الارتباط الوثيق بينه وبين المسجد الحرام، مما يجعل واجب المسلمين تجاهه كواجبهم تجاه المسجد الحرام، ولأن الخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة فلن يطول الزمان حتى يدخل المسلمون الأقصى يطهرونه من دنس يهود، وقد بشرنا الله تعالى بذلك في قوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء:7)، وكذلك بشرنا الرسول الكريم - عليه أفضل الصلاة والتسليم. بقوله: « ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود» (۱۳)
الهوامش
(1) البركة كثرة الخير، وهي بركة دينية (معنوية) لأنها موطن الانبياء ومهبط الوحي ومهد الرسالات وبركة لنبوية الطيب هواتها وعذوبة مائها وخصوبة أرضها وكثرة زروعها وثمارها
(۲) أخرجه الترمذي وأحمد وغيرهما، وقال الترمذي حديث صحيح، وطوبي راحة وطيب عيش
(۳) أخرجه الطبراني
(4) أخرجه البخاري
(5) رواه البخاري ومسلم
(6) أخرجه مسلم.
(۷) رواه مسلم
(۸) رواه البخاري
(۹) حدیث حسن رواه الطبراني في الكبير.
(10) رواه أحمد والنسائي
(۱۱) رواه احمد
(۱۲) رواه أحمد وأبو داود.
(۱۳) رواه مسلم