العنوان رسالة «ابن قزمان» في استهلال شهر رمضان
الكاتب عيسي الدودي
تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2007
مشاهدات 79
نشر في العدد 1769
نشر في الصفحة 40
السبت 15-سبتمبر-2007
■ ينتظم المتقون في ديوانك انتظام السلك.. ويكون خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك.
■ فنشط الصالحون بك صوما، وهجر المتهجدون في ليلك نَوْمًا، وَأَكْمَلْنَاكَ إِنْ أَذِنَ الله ثلاثين يوما.
ما أجمل أن تتصفح كتابًا يترجم لأعلام الأدب، ويورد صنوفًا من الشعر والنثر، وتقف فيه على نص أدبي حول شهر رمضان المعظم، والمسلمون يستقبلون أيامه الأولى بشوق ولهف.. تلك هي رسالة ابن قزمان الواردة في كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة، لابن سعيد المغربي..
ويعود تاريخ تلك الرسالة إلى القرن السادس الهجري، وهي رسالة عظيمة في مضمونها وأسلوبها وشكلها الفني، حاول فيها صاحبها إظهار مدى ما يكنه الأندلسيون لهذا الشهر من التقدير والإجلال والتعظيم وإبراز التقاليد الرمضانية التي اشتهر بها المجتمع الأندلسي. وهي في الحقيقة تقاليد اشتركت فيها المجتمعات الإسلامية قاطبة، على تباين مكنتها، وتعاقب أزمنتها.. ولأهميتها الدينية والتاريخية أثرنا أن نوردها هنا كاملة..
نص الرسالة
سلام على أنس المجتهدين، وراحة المتهجدين، وقرة أعين المهتدين، والذي زين الله به الدنيا، وأعز به الدين. شرف الله به الإسلام، وجعل أيامه رقومًا في عوائق الأيام. وشهوره غررًا في جباه الأعلام، وحل به عن رقاب الأمة قلائد الآثام، ونزه فيه الأسماع
عن المكاره، وصان الأفواه من رفت الكلام.
أشهد أن الله أثنى عليك، وأدخل من شاء الجنة على يديك، وخصك من الفضائل بما يمشي فيه التفسير حتى يكل، ويسأم ذلك اللسان ويمل، وأبادت ذنوب الأمة بمثل ما. أبادت الشمس الظل، ذلك الذي يتهلل للسماء هلاله، ويهتز العرش لجلاله، وترتج الملائكة في حين إقباله، وتدخل الحور العين في زينتها تكريمًا، وتلتزم إجلاله وتعظيمًا، ويهتدي فيها نيه الناس إلى دينهم صراطًا مستقيمًا، وتُغَلُّ الشياطين على ما خُیلت وتذوق وبال ما كادت به وتَخَيَّلَت، ويُشَمرُ التقي لعبادة ربه ذيلًا، وتهبط الملائكة إلى سماء الدنيا ليلا، وينتظم المتقون في ديوانه انتظام السلك، ويكون خَلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح أبوابا، ويُغفرُ المسك، وتُفتح الجنة لمن صامه إيمانًا واحتسابا جزاء من ربك عطاء حسابا، وبما فضلك الله على سائر الشهور، وقضى لك بالشرف والفضل المشهور.
فرضك في كتابه، ومدحك في خطابه حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ﴾ (البقرة: 185) يعني تكبير الناس عليك وتقليب أحداقهم بالنظر إليك، حيث أُثِمَتَ بالسحاب، ونظرت من تحت ذلك النقاب وقد يمتاز الشيب وإن استتر بالخضاب، حتى إذا وقف الأئمة منك على الصحيح، وصرحوا برؤيتك كل التصريح، نظرت كل جماعة في اجتماعها، وتأهبت القُرَّاء لإشفاعها واندفعت الأصوات باختلاف أنواعها وتضرعت الألباب، وطلبت المواقف أواخر الأعشار والأحزاب، وابتديت ﴿آلم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾(سورة البقرة: 1-2)، عندما أوقدت قناديل كأنما قد بدت في الصباح، وتمايلت عند هبوب الرياح.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (النور:٣٥)، فأملك المسلمون في سر وجهر، وحطت اثقال السيئات عن كل ظهر، والتمست الليلة التي هي خير من ألف شهر فنشط الصالحون بك صوما، وهجر المتهجدون في ليلك نَوْمًا، وَأَكْمَلْنَاكَ إِنْ أَذِنَ الله ثلاثين يوما.
فيا أيها الذي رحل بعد مقامه، وقام للسفر من مقامه، ورأى من قضى حقه ومن قصر في صيامه، فمشى الناس إلى تشييعه وبكوا لفراقه وتوديعه، وندم المضيع على ما كان من تضييعه، ولم يثق بدوام العيش إلى وقت رجوعه، فعض على كفه ندما، وبكت عينه ماء وكبده دما.
رويدًا حتى أمرح في ميدان فراقك وأتضرع إلى حنانك وإشفاقك، واتشفى من تقبيلك وعناقك، وأسأل منك حاجة إن أراد الله قضاها، وشاء نفوذها وأمضاها، إذا أنت وقفت لرب العالمين، فقبلك من قوم وردك في وجه آخرين، فعلم الله أني نويت التوبة أولاً وآخرا، وأملت الأداء باطنًا وظاهرًا، وكنت على ذلك لو هدى الله قادرًت. وإنما علم من تقصير الإنسان ما علم وللمرء ما قضى عليه به وحكم، وإن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم، فإن غفر فبطوله وإحسانه، وإن عاقب فيما قدمت يد العبد من عصيانه، فيا وحشة لهذه الفرقة، ويا أسفا على بعد الشقة، ويا شد ما خلفته لنا بفراقك من الجهد والمشقة، ولطالما هجر الإنسان بك ذنبه، وراقب إعظاماً لكربه وشرحت إلى أعمال البر قلبه، ومع هذا أتراك ترجع وترى، أم تضم علينا دونك أطباق الثرى، فيا ويلنا إن حل الأجل ولم اقض دينك، ورجعت وقد حال الموت بيني وبينك..
صاحب الرسالة
هو أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان.. ولد في قرطبة عام « ٤٨٠ هـ / ١٠٨٧م» وعاش أصداء ما تبقى من عهد ملوك الطوائف، وكامل العهد المرابطي، وصدر العهد الموحدي بالأندلس، وتوفي عام «٥٥٥هـ / ١١٦٠م» ينتمي لأسرة حازت المجد والشرف في الثقافة والسياسة والدين.
توزع إنتاجه الأدبي بين الشعر والنثر والموشح والزجل، وبرع في الأخير إلى حد وصفه بأنه زعيم الزجالين وإمامهم، وأن منزلته بين الزجالين بمنزلة المتنبي بين الشعراء.. وله ديوان ضخم سماه إصابة الأغراض في ذكر الأعراض .…
نال اهتمام المستشرقين والمستعربين الذين اعتبروه جسرًا بين الشرق والغرب، واصدروا بهذا الصدد عدة نشرات أهمها:
.نشرة المستشرق النرويجي جونز بورج Gunzberg، ونشرها ببرلين ١٨٩٦م.
. نشرة المستشرق التشيكي نيكل Nykl ۱۹۳۳م
۱۹۳۳م Colin . نشرة المستشرق الفرنسي كولان
. نشرة المستشرق الإسباني إميليو غرسيه غومس ، Emilio ۱۹۷۲م Garcia Gomez ۱۹۷۲م
.نشرة المستعرب الإسباني فيديريكو كورينتي - Federico Cor riente ۱۹۸۰م.
وبالإضافة إلى الزجل« له موشحة واحدة ذكرها صفي الدين الحلي في كتابه العاطل الحالي والمرخص الغالي»، ومقطوعات شعرية وردت في مصادر مختلفة، وكتابات نثرية أهمها مقدمة الديوان .. ورسالتان وردتا في كتاب الذخيرة في محاسن الجزيرة لابن بسام الأولى خاطب بها بعض الوزراء الكتاب، والثانية خاطب بها عروساً.. ورسالتان في الإحاطة في أخبار غرناطة الأولى في استهلال شهر رمضان، والثانية في استهلال شوال والفرحة بقدوم عيد الفطر.
---------------------------
المصادر
رمضان في الذاكرة الأندلسية، خالد عبد الكريم البكر، الفيصل: مجلة ثقافية شهرية، العدد : ۲۹۱، رمضان ١٤٢١هـ.
نوفمبر / ديسمبر ٢٠٠٠، ص : ۱۲
الإحاطة في أخبار غرناطة لسان الدين ابن الخطيب حقق نصه ووضع مقدمته وحواشيه محمد عبد الله عنان الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٤هـ / ١٩٧٤م.
المجلد الثاني ص: ٤٩٨
المغرب في حلى المغرب أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد الأندلسي، حققه وعلق عليه: الدكتور شوقي ضيف طبعة ثانية منقحة
١٩٦٤م، الجزء الأول ص: ٩٩
مصادر شعره تحفة القادم ص ٥٧.٥٦ كتاب الوافي بالوفيات، ج ۱، ص ۲۰۱۰۳۰۰ المغرب في حلي المغرب ، ج ۱، ص: ۱۰۱۰۱۰۰ ، رايات المبرزين وغايات المميزين، ص ۱۲۷ الإحاطة في أخبار غرناطة، المجلد الثاني، ص: من ٤٩٤ إلى ٤٩٨ نفح الطيب، ج٦، ص ٦٨٠٦٧