العنوان فكر وثقافة (1997)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الجمعة 13-أبريل-2012
مشاهدات 56
نشر في العدد 1997
نشر في الصفحة 46
الجمعة 13-أبريل-2012
ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (٢)
مأساة شقيقي أحمد
يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف - مهما كان صغيرًا- يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزًا من الزمن.
أمره أبي بالزواج من ابنة عمتي على غير رغبة منه
ليلة الزفاف كانت على وجه أحمد غلالة من الحزن فالفرح الذي غص ب «العوالم»، والأغاني كان مثل المأتم
وفي هذه الحلقات، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرًا منها قد مضى على وقائعها سبعون عامًا، وربما أكثر من ذلك.
وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق أو إسراف.
بعد أشهٍر من مرض شقيقي أحمد وعجز أمامه الطب ومات عام 1942م.
مأساة أخي
عمي الأكـبـر «مـحـمـد» توفاه الله، وكنت أنا في عالم الغيب, مات وترك غلامين: هما «محمد»، و«حامد»، وبنتًا واحدة هي أمينة وعلى عادة الأسر في الريف تزوج أبي أرملة عمي، وأنجب منها ثلاث بنات: بالترتيب التنازلي «سنية، وأم هاشم، ونبوية»، ومن الذكور اثنين أحمد، وجابر، فأنا أصغر الجميع سنًا؛ لذلك كانوا يطلقون عليَّ «آخر العنقود».
ولما بلغ أحمد الثامنة عشرة من عمره أصر أبي على أن يزوجه من بنت عمته «كامليا»، ولكن أحمد كان هواه مع أخرى يذوب فيها حبًا، وانهزم شقيقي الوحيد أمام إصرار أبي في زمن كانت طاعة الآباء فرضًا لا ينقض، ولا يناقش.
زف أحمد لبنت عمتي، وليلة الزفاف كان على وجهه غلالة من الحزن، فالفرح الذي غص بـ«العوالم» والأغاني، كليلة مأتم لا ليلة زفاف، وبعد أشهر مرض أحمد وعجز عنه العلاج، وتوفاه الله سنة ١٩٤٢م، ورأيت الدموع الصامتة في عيني أبي، أما أمي فقد اشتد بها الحزن، ولم تخلع السواد إلى أن توفاها الله، وكانت كلما سمعت اسم أحمد فزعت فزعًا شديدًا كمن لدغه ثعبان، حتى أن الجيران الذين لهم أبناء بهذا الاسم - حرصًا على شعور أمي - كانوا يطلقون على أبنائهم أسماء أخرى مثل «حمادة، أو حمودة»، وظلت شقته في الدور العلوي من المنزل مغلقة سنوات عديدة.
أما عن الملامح الأخرى في شخصية أحمد، فهى أنه كان ذا قوة جسدية خارقة، حتى كان كثيرون يطلقون عليه «فتوة الأمايحة»؛ أي «فتوة آل قميحة»، وكان جريئًا في الحق، فلم يستعمل فتوته إلا في الانتصار للحق متنزهًا عن الباطل، وهناك أمثلة متعددة تدل على ذلك منها: «أن أحد أغنياء المنزلة أمسك بعامل في المقهى الذي يجلس فيه أحمد وضربه ضربًا مبرحًا ، فطلب منه أحمد في هدوء أن يتركه؛ فهو غلبان مالوش ضهر»، فسب هذا الثري شقيقي أحمد، فما كان من أحمد إلا ورفع أحد أكواب الشاي وضربه في وجهه وجرحه جرحًا غائرًا .
ومن مواقفه أن أحد «المراكبية» شتم خالي، فقرر أحمد أن يضربه، ويضرب كل من معه، وكان هذا المراكبي يقضي سهرته في مقهى بمنطقة تسمى «حى العزبة»، وصحب أحمد شلة يتزعمها، وهاجمت القهوة وانفرد أحمد بالمراكبي، وأمر شلته بأن تضرب كل من في المقهى، انتقامًا لخالي يرحمه الله.
على قبر أخي
ظللت أتمثله في كل مواقفه، ولاحقتني ذكراه؛ فنظمت قصيدة عنوانها «على قبر أخي » ختمتها بالأبيات الآتية:
يا شقيقي
لست أنسى يا شقيقي
ذلك الحكم المريد..
ذلك القيد الحديد.
ابنة العمة في البيت الجديد
زوج أحمد
لست أنسى
صوت هاتيك الطبول
في غناء كالعويل
تطلق البشرى سرورا كالمأتم
كشرور ومآثم
زفت الغادة في ليل طويل..
وثقيل...
أحكم القيد على قلب كسير
لست أنسى الدمعة الحرى تقول:
أنكروا الحب المتين
والذي أبدع هذا الكون
يعلم في يقين
أن هذا الحب في القلب مكين
يا شقيقي لست أنسى
آخر المأساة..
آخر الملهاة..
كيف أنسى كل هاتيك الحياة..
بعد شهر وهي تهوي وهي تذوي ..
تنهب الخطو إلى ساحة قبر
وبكى الأب بحرقة
وبکی كل بعيد وقريب
عندما لمسوا المغيب
عند ذاك الموت للصمت العجيب
عند ذاك الرأس..
إذ يغدو تريب..
كنتُ ذاك اليوم طفلًا صغيرًا
ألمح الدمع يخط
وأرى الكرب يحط
لست أنسى يا شقيقي..
جرح أمي..
تلطم الخد صديعة.
وهي تهوي صريعة
للمصيبات المريعة
للفجيعة..
فقد أحمد ..
ذاك أحمد ..
مات أحمد ..
لن يعود اليوم أحمد..
صاحب القلب الكبير.. الكسير
وعلى مر السنين لن يعود
خلف اليوم الأنين
خلف الهم الدفين
يحرق القلب الحزين
لست أنسى يا شقيقي..
صوت أمي كالحريق
أصبح اليوم خنيق.
إذ يهيم في الفضاء
في الصباح والمساء
كيف يغدو اليوم أحمد ؟
غائبًا في الترب أحمد
كان بالأمس حياة..
ثم يغدو في التراب كالتراب..
تخطف الأقدار ابني
ووحيدي..
وطريفي ..
وتليدي ..
وظهيري وسنيدي
ثم يغدو في التراب
غائبا في جوف أكوام التراب
كالتراب.
وهي لا تعلم أنهم قد قتلوك...
قبل أن تغدو دفين..
من عهود
إذ تمزق ذلك القلب الكبير
بعد أن أضحى كسير
بعد أن أضحى أسير
في القيود ..
في الحديد..
بابنة العمة في البيت الجديد
وتوليت شقيقي
وتركت الهم خدني وشقيقي
ونظرت الساحة الكبرى.. المنارة
موكب الأرواح..
فإذا الموكب يصعد ..
وإذا الروح الكبير..
روح أحمد ..
ينطوي في الأفق.. يبعد
فترحمت عليه ..
وتمعنت إليه ..
وبعثت الحنين شوقا إليه..
ونثرت الدموع زهرا عليه
وتركت الساحة الكبرى وحيدًا ..
وشريدًا ..
مثل قبر سائر..
مثل دمع مائر..
مثل قلب الحائر.. قلبي
بعد أن غادرت قلبي..
فوق قبر بين هاتيك القبور
راويا قصة أحمد ..
بين كل الناس..
قصة المأساة..
قصة الملهاة..
قصة القلب الكبير...
إذ حطموه.. إذ دفنوه
بعد أن أضحى كسير..
بعد أن أضحى أسير..