; السلام العربي – الإسرائيلي في منظور المرحلية اليهودية | مجلة المجتمع

العنوان السلام العربي – الإسرائيلي في منظور المرحلية اليهودية

الكاتب محمد عبدالهادى

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1982

مشاهدات 55

نشر في العدد 558

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 26-يناير-1982

لفهم المرحلية الصهيونية وأبعادها ضمن الإستراتيجية في السلام مع الأنظمة العربية الحاكمة لابد من نظرة تاريخية؛ حيث إن مثل هذه النظرة هي الطريق الأمثل لفهم الواقع وفهم الأحداث.

ولعل اليهودية في حقبة التاريخ المعاصر التي يمكن أن تحدد بدايتها بعام (۱۸۹۷) أي العام الذي عقد فيه مؤتمر بال، وهو المؤتمر الصهيوني الأول مرت بمراحل متتابعة من الإجراءات السياسية والعسكرية على شكل الخطط العشرية.

• فبعد عشر سنوات من مؤتمر بال اليهودي تمكن اليهود من الضربة الأولى في العالم الإسلامي؛ وذلك بإسقاط رجل الخلافة الإسلامية السلطان عبد الحميد بالتآمر عليه مع الماسونية التركية وحزب الاتحاد والترقي.

• وفي عام (۱۹۱۷) وجدت بريطانيا ذريعة لإعلان قرار منبثق عن المؤتمر اليهودي الأول القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وكان مؤتمر سايكس بيكو نص على إنشاء إدارة دولية لفلسطين، يبين شكلها بالاتفاق مع روسيا وبقية الحلفاء وممثلي شريف مكة.

• أما السنوات العشر التالية فقد تحقق لليهود لغاية ۱۹۲۷ مكاسب كثيرة بواسطة بريطانيا التي عينت يهوديًّا هو روبرت صموئيل مندوبًا ساميًا لها في فلسطين.

وشجعت الهجرة اليهودية وتوظيف اليهود في مرافق الدولة؛ حتى صار عددهم (٦٧٨) موظفًا بينما الموظفون المسلمون في خدمة الدولة كانوا (٦٣٢) موظفًا.

• تاريخ اليهود يكشف عن اتباع اليهود خطة مرحلية عشرية ذات أهداف إستراتيجية توسعية.

• وثائق يهودية تكشف للعيان عن الأطماع المرحلية الجديدة ضمن خارطة السلام مع العرب.

• الأحزاب والحكومات اليهودية المتعاقبة تعتبر السلام مع العرب تكريسًا لنظرية الأمن الصهيونية.

وفي عام «١٩٧٣» قدم مشروع التقسيم الأول لفلسطين بحيث تصبح ثلاث دول: الأولى يهودية في الشمال الغربي، والثانية عربية تنتظم سائر البلاد، والثالثة وهي جزء من فلسطين يبقى خاضعًا للانتداب البريطاني على أن يضم القدس وبيت لحم والناصرة.

وبعد سنوات عشر وصل اليهود إلى مرحلة المجابهة المسلحة، فحصلت حروب متتابعة بين اليهود والعرب عامي «١٩٤٧» «١٩٤٨»، ثم أعلن قرار التقسيم الثاني؛ ليأخذ اليهود ما يزيد على نصف فلسطين. وتتابعت بعد إعلان الوطن القومي كدولة تلك الخطة المرحلية العشرية الخبيثة، فحدثت حرب السويس عام ١٩٥٦، تلتها حرب ١٩٦٧ التوسعية؛ لتقطف إسرائيل بدءًا من عام ۱۹۷۷ نحو المشاورات العربية اليهودية بشأن سلام دائم في المنطقة، وقد ظفرت وهي في منتصف المرحلة العشرية الأخيرة بالصلح مع النظام المصري في عهد السادات.

المرحلية وخارطة السلام:

منذ عام ١٩٧٥ وقبل البدء بمشوار السلام مع الأنظمة العربية وضعت الحكومة اليهودية «وكان حزب العمل هو الحزب الحاكم آنذاك» خارطة جغرافية تعين حدود إسرائيل في المرحلة العشرية القادمة، وبملاحظة خطوط هذه الخارطة يتضح للمراقب أمران:

الأول: لابد قبل ترسيخ الحل السلمي على الحدود العربية من فرض أمر واقع يتعلق بحدود إسرائيل.

الثاني: المرحلة الجديدة خطوة نحو التوسعية قبل مرحلة دولة إسرائيل الكبرى.

أما حدود المرحلة فهي كما أعلنها آنذاك الأمين العام لحزب العمل اليهودي «منير زامي» وأطلق عليها اسم حدود إسرائيل السلمية النهائية فهي كما يلي:

١ - ضم مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل ١٩٦٧ إلى دولة إسرائيل. ويلاحظ أن موعد تنفيذ هذا البند من الخارطة كان ميعاده «الشهر الماضي» ديسمبر ۱۹۸٢.

٢- ضم قطاع غزة الذي احتُل أيضًا في الحرب نفسها.

٣- جعل نهر الأردن خط الحدود لإسرائيل.

٤- ترك الباب مفتوحًا لإجراء مفاوضات في المستقبل حول السيادة على الضفة الغربية. 

ه - أما القدس فيقول عنها: إن قضية القدس من وجهة نظرنا قد حلت، لقد ضمت إلى إسرائيل نهائيًّا، ولا مجال للتساؤل بشأنها.

٦ - منح الأردن حق الإشراف على الأماكن الدينية الإسلامية، ومنح الفاتيكان حق الإشراف على الأماكن الدينية المسيحية.

ويبدو أن هذه الخارطة المرحلية صارت فيما بعد صلب السياسة اليهودية في عهد تجمع «ليكود» الذي أفرز حكومة مناحيم بيغن.

السلام ونظرية الأمن الصهيونية:

ومن ملاحظة توجه حكومة العدو نحو إجراء صلح مع العرب نقف على حقيقة، هي أن السلام يجب أولًا وأخيرًا أن يكون في خدمة الهدف الصهيوني الذي قامت حرب (١٩٦٧) من أجله، وهو الحاجة إلى إيجاد حال من الأمن ترافق هذا السلام. وقد حددت الوثائق اليهودية منذ حرب (١٩٤٨) مفاهيم إسرائيل ورؤيتها على هذا الصعيد، بل إن إحدى وثائقهم القديمة والتي نشرت عام (١٩٧٥) تحدد الإستراتيجية المرحلية المرافقة لعملية السلام بالخطوط التالية:

  • المطالبة بحدود آمنة يسهل الدفاع عنها ورفض العودة إلى حدود ما قبل (5) حزيران.

  • حفظ الطابع اليهودي لدولة إسرائيل.

  • رفض قيام دولة فلسطينية غربي نهر الأردن.

  • مواصفة إقامة المستوطنات من خلال أسبقية اعتبارات الأمن.

هذه الخطوط تلخص (١٤) بندًا ضمن الوثيقة المسماة بـ «وثيقة الأربعة عشر بندًا» والتي كانت قد أقرتها إحدى الحكومات اليهودية السابقة، ولولا وضعنا ما تضمنته اتفاقات كامب ديفيد من تحقيق لهذه البنود لوقفنا على حقيقة مؤداها أن السلام الذي عقد مع مصر جاء في خدمة نظرية الأمن الصهيونية، فقد منح كامب ديفيد دولة إسرائيل حدودًا آمنة مع مصر. 

وأكد على حفظ الطابع اليهودي لفلسطين المحتلة، وأعطى حكومة اليهود مشروعية دولية، تفعل من خلالها ما تشاء داخل الأرض المحتلة في هذه المرحلة الأخيرة التي يمكن أن نسميها مرحلة (السلام). 

ولكي يعي المرء مدى خطر السلام مع اليهود إلى جانب نظرية الأمن وبند (الحدود الأمنة) لا بأس أن يقف على التصور الإسرائيلي لهذه القضية.

الصلح على حدود آمنة:

لابد أننا نتذكر أن العدو اليهودي بدأ سلامه مع الحاكم المصري الأسبق بإعلان رغبة في إقامة شبكة إنذار إلكترونية في جبال سيناء، ويعلل الإسرائيليون إصرارهم على اتخاذ جميع الضمانات الأمنية التي يرونها بضعف الطاقة البشرية التي يحكمها الحدود الطبيعية. ومن أجل ذلك كان سلام إسرائيل لا يحصل وفق موضوع «الحدود الأمنة» إلا إذا توفرت الفواصل الجغرافية المانعة كالجولان، وقسم من صحراء سيناء، وموانع طبيعية أخرى، ولعل ما نراه يحدث اليوم موجود في وثيقة أخرى وزعت في إسرائيل في نهاية عام ۱۹۷۳، وضمن كراس بعنوان «معنى الحدود الأمنة» أما بنود الوثيقة الأساسية فهي:

١ - فيما يتعلق بمصر:

ترفض إسرائيل أي وجود عسكري في سيناء، وتطلب فرض رقابة على جميع المنشآت والمطارات المصرية التي من الممكن استخدامها كقاعدة هجومية، كما تطلب إسرائيل أيضًا حرية التحرك على حدود سيناء الشمالية والشرقية في البر والبحر.

وهذا الشكل للحدود الآمنة على الجبهة المصرية والذي وافق عليه الحكم المصري في عهد السادات وخليفته مبارك ما هو إلا تحقيق للسلام في المفهوم اليهودي؛ بحيث يكون ذلك سلامًا وصلحًا «جبريًّا» من طرف واحد هو الطرف العربي؛ لتبقى إسرائيل مستعدة لدخول مرحلة جديدة، هي مرحلة التوسع فيما بعد مرحلة السلام.

٢ - فيما يتعلق بالأردن:

أما معنى الحدود الأمنة بالنسبة للأردن كما حددت الوثيقة- فهو رفض أي وجود عسكري غرب نهر الأردن، بحيث يكون النهر هو الفاصل الطبيعي بين إسرائيل والأردن، ويقتضي التصور الإسرائيلي للأمن على هذه الجبهة ضمان عدم قيام رجال المقاومة الفلسطينية بنشاط مسلح، مع حرية الوصول والاستيطان في الضفة الغربية؛ نظرًا للخلفية التي ينظر اليهود منها إلى الضفة «عاطفيًا وتاريخيًا» فبعض المناطق في تصوراتهم ذات ارتباط روحي بوجودهم، يجعل من المستحيل منع الإسرائيليين من التواجد في الخليل أو نابلس.

٣ - فيما يتعلق بسوريا:

حددت الوثيقة أيضًا مفهوم الحدود الآمنة بالنسبة لسورية، وذلك بالبقاء في الجولان، وقد اعتبرت إسرائيل هذه المسألة مسألة حياة أو موت. ولن تقبل بعقد سلام مع نظام دمشق إلا إذا اعترف هذا النظام بكون الجولان جزء من دولة إسرائيل، وهو الحد الطبيعي الذي يفصلها عن سورية.

على هذه المفاهيم للحدود الآمنة تقيم حكومة إسرائيل دعوتها للسلام؛ ليكون بعد ذلك السلام والصلح مع الأنظمة مرحلة جديدة، تستعد فيه دولة إسرائيل لتوسع جديد. على أن لدولة اليهود برنامجًا موسعًا خلال مرحلة السلام، ولعل كثيرًا من خطوط هذا البرنامج قد تضمنت بعد عملية السلام الأولى مع مصر. ويمكن وضع ما تفهم من ذلك البرنامج في النقاط التالية:

  •  ضرب الحركة الإسلامية، وقد بوشر بضربها داخل مصر بعد عملية السلام مباشرة، كما يمارس ضربها في أمكنة لها تأثير مباشر على عملية السلام المفترضة.

  • الغزو الثقافي والاجتماعي من خلال «التطبيع بين اليهود والعرب».

  • تحويل الأسلحة العربية من الحدود مع فلسطين المحتلة إلى الداخل العربي؛ لفرض الأمر اليهودي الواقع على شعوب الأمة.

  • إيجاد الدويلات الطائفية إلى جانب الدولة اليهودية وقد أوجدت بالفعل نواة الدولة الصليبية المارونية في الجنوب اللبناني.

  • وماذا يبقى بعد هذا؟؟ أن اللعبة اليهودية مازالت تدور.. وعملية السلام اليوم هي أخطر مرحلة يعيشها مع حكومة العدو اليهودي اللدود، فهي المرحلة التي لابد وأن اليهود قد خططوا من أجلها مائة سنة أو يزيد؛ لتكون من ثم هي المنطلق إلى دولة إسرائيل الكبرى.. من الفرات إلى النيل!!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل