العنوان صلاح الدين.. المفترى عليه
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1497
نشر في الصفحة 47
السبت 20-أبريل-2002
فرق كبير بين الرجال وأشباه الرجال بين القادة العظام والمهازيل الأقزام بين الشجعان والجبناء بين أصحاب العزائم وأرباب الشهوات وبين أهل الإيمان وأتباع الشيطان بين ذوي البصائر والعقول والصم البكم الذين لا يعقلون وبين المخلصين المخلصين والمنافقين المخادعين.. لا يستوون، لا يستوون، وصدق الله ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ١٠٠) ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُوَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ (فاطر:۲۲) ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود:٢٤) ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل:76) ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾ (التوبة: ١٩) ولا عند الناس في أي ميزان أو ميدان.
إن ظهور الأبطال يسبقه مخاض وإرهاصات وأحداث، فإذا أردنا أن نتحدث عن المخاضات التي أخرجت صلاح الدين الأيوبي فأولها: كانت تلك الفواجع الصليبية التي أيقظت المسلمين من نومهم وسباتهم، وكان أرزؤها وأشدها وقعًا، كارثة بيت المقدس والاجتياح الصليبي لديار المسلمين حتى فتك الوحوش الهمج من الصليبيين بالعزل الآمنين من النساء والأطفال في بيت المقدس في مذبحة لم يعرف لها التاريخ مثيلًا.
يقول المؤرخ الفرنسي ميشوا دخل الصليبيون بیت المقدس فذبحوا المسلمين في الطرقات وفي المنازل، ولم يعد في بيت المقدس ملجأ للمسلمين فبعض الذين فروا من الموت القوا بأنفسهم من فوق الأسوار، والآخرون جروا جماعات يختبئون في القصور والأبراج وبخاصة المساجد وذبحوا ذبح الشياه، وكنت لا تسمع إلا الحشرجات والأنين وصيحات الموت، وارتفعت الدماء إلى ركب الخيل وأعنتها في المساجد، ومن بقي أجبرهم الصليبيون أن يقتلوا أنفسهم وأولادهم بأن يلقوا بأنفسهم من أعالى الأبراج. وقد نقل عن ابن الأثير قوله: «قتل الفرنجة بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا، منهم جماعات كثيرة من علماء المسلمين وأئمتهم، ثم زحف الصليبيون على بلاد المسلمين بهذا الهول فبدأ المسلمون بنبذ خمولهم وإعداد رجالهم وقيادتهم..»
الأمر الثاني: منبت طيب، حيث كان صلاح الدين من قوم جبلوا على الشجاعة والبأس والحرية والحمية رجالًا ونساء كانوا يتمتعون بالصراحة والوفاء، وكان جد صلاح الدين بطلًا باسلًا.
الأمر الثالث: وجد صلاح الدين من زرع فيه الإيمان والتقوى والخوف من الله، وقد استغل فيه موهبته، وعرف كيف يوظف طاقاته من أمثال عماد الدين زنكي، ونور الدين زنكي.
الأمر الرابع: شعوب مؤمنة متحرقة للدفاع عن إيمانها وديارها وأعراضها بعد كوارث عدة وقادة نذروا أنفسهم لنصرة دين الله، وكانوا بحق في مستوى المعركة إخلاصًا واحتسابًا وشجاعة وبأسًا، حتى قال قائلهم:
جرد السيف فالحسام دواء |
| لا شفاء دون أن تراق دماء |
فصلاح الدين إذن رجل رضع لبان دينه وطعم شهد عقيدته وشرب من كؤوس البطولة والمجد وعاف أساليب النفاق والعمالة والاستنواق، حتى كان ذلك له طبيعة نفس، وهمة قلب، فقابل الحوادث التي تندك منها الجبال وتشيب لها الولدان برجولة خارقة وعزيمة ساحقة وثبات فريد، حيث اجتمعت عليه الأهوال من الخارج والداخل، من أعداء اتصفوا بكل أنواع الخسة والدموية تساندهم أوروبا كلها ومن حكام للمسلمين في حال دفعت البعض منهم إلى الاستعانة بالفرنجة على إخوانهم وعلى صلاح الدين وانتصر الرجل وأخرج الغزاة وجمع الأمة ورد لها كرامتها وحرر مقدساتهافقلت ما أشبه الليلة بالبارحة غير أنه لا صلاح الدين بيننا.
وقد عشنا زمنًا نادى فيه منافقو السلاطين البعض بصلاح الدين فقلت أخزاكم الله!! صلاح الدين ولا إيمان ولا نصر، ولا إخلاص ولا طهر ولا خوض المعركة ولكن زرع للهزائم ولله در القائل:
وفي الهيجاء ما جربت نفسي |
| ولكن في الهزيمة كالغزال |
كم تتحسر النفس من تلك الأسماء المكذوبةكما تتحسر النبوات من مسيلمة وسجاح، وكم تكثر منا الآهات في أزمان لا نملك فيها إلا الذكريات
في فيك يا ليل أهات أرددها |
| في فيك يا ليل أهات أرددها |
كان صلاح الدين بشعبه، فبالله عليكم أين أكثر الشعوب من قادتها اليوم، في وطنيتها، في أفكارها وأرزاقها ومستقبلها ورجولتها وحريتها وأمنها؟
كان صلاح الدين بإيمانه، وأين نحن اليوم ممن يعادون أهل الإيمان واليقين حتى إن البعض يقدم المجاهدين المؤمنين والدعاة المخلصين قربانًا للأعداء وعربونًا للعمالة والاستجداء.
كان صلاح الدين بشرفه، فأين الشرف ولا شرف في انتخاب ولا في مال ولا في عهود أو مواثيق، أو حتى في معاملة الأبطال المخلصين.
لو كنت ماء لم تكن طهورا |
| أو كنت غيمًا لم تكن مطيرا |
كان صلاح الدين باستعداده فأين العدة يا عباد الله؟ كيف نامت الأمة عن صنع سلاحها؟ وكيف سمحت للأعداء أن يمنعوها من التصنيع الحربي والمدني لتظل فريسة سهلة لا ترفع رأسها أو ترد غازيًا أو تحمي عرضًا؟
كان صلاح الدين شجاعًا مقدامًا لا يهاب الموت ولا يرهب النزال، فكيف يريد الجبناء أن يكونوا صلاح الدين بغير جهاد أو كد وجهد أو عون لإخوانهم.
لا تحسب المجد تمرًا أنت أكله |
| لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا |
كيف وهم لم يجمعوا الزمار أو يكشفوا الغمة أو يمحوا العار، والناس تستجيرهم ولا مجير؟
كان لا بد في هذه الأيام أن يعرف القاصي والداني وأصحاب الأفهام أنهم قد ضيعوا واستبيحوا، وأنهم قد شاركوا في صنع هذ الهزائم بكثير من الغباء وفيض من البله، ولا أظن أن ذلك سيستمر.