; رد على مقال.. موقع الفكر الإسلامي الحديث من الاتجاه الليبرالي | مجلة المجتمع

العنوان رد على مقال.. موقع الفكر الإسلامي الحديث من الاتجاه الليبرالي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1972

مشاهدات 71

نشر في العدد 113

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 15-أغسطس-1972

نشر في الطليعة «المصرية» والسياسة «الكويتية»

تحديد المصطلحات هو أبرز الخطوات العلمية التي يهتم بمعالجتها المنهج الحديث في البحث، ومن غير تحديــد المصطلحات تتوه المناقشة وسط ضباب من التصورات الذاتية التي قلما ترسو على شاطئ الاتفاق والالتقاء.

وأخطر ما يواجه العقل الحديث هو استغلال مصطلحات معينة رائجة، وتصنيف أنشطة الحياة وتطورات الفكر تحت هذه المصطلحات، دون وضوح رؤية في المدى التاريخي المحدد للمصطلح، ودون وضوح رؤية كذلك في المكان والزمـان التاريخيين المجسدين للدلالة الاصطلاحية.

لطالما أحسست بهـذا الإحساس وأنا أقرأ أو أكتب لهؤلاء أو عن هؤلاء، الذين تزخر جعبتهم بمجموعة مصطلحات هي وحدها المنظار الذي ينظرون منه إلى كل حركة الفكر وحركة التاريخ واتجـاه المجتمعات والأفراد.

ولعل القارئ في غنى عن أن أسوق له بعضًا من المصطلحات الرائجة والتي تستعمل بسخاء سواء في أماكنها أو في غير أماكنها، والتي أصبحت تعتبر بحق حاجزًا بين عقولنا وبين التفكير، وبين إرادتنا وبين الانطلاق، وبين الأمزجة الاجتماعية والثقافية التي كان من الممكن أن تلتقي عند حوار هادف بناء غير مسبق بهذه الجوامد أو المُسَلَّمات الصخرية.

لقد خالجني الإحساس بمزيد من خطر استعمال المصطلحات وأنا أقرأ مقال الأستاذ محمد عمارة، الذي نشر في الطليعة المصرية، لسان حال الماركسيين المصريين، ونقلته «السياسة» الكويتية يوم ۹-٨-۱۹۷۲ دون أن تعطي نفسها حق الوقوف عند النقاط التي تحتاج إلى هذا الوقوف، بل دون مناقشة بالمرة !!

·     وفي البداية يحدد الكاتب فهمه لمعنى الفكر الإسلامي الحديث فيرى أن «حركة البعث والإحياء كان طليعتها ورائدها جمال الدين الأفغاني» ومن حق الكاتب أن يفهم الأمور على النحو الذي يريد، وأن يحدد المصطلحات وفق هذا الفهم، لكن الذي نريد الإلماع إليه هنا أن هذا التحديد تحديد مجازي أو تحدید ذاتي، فمن الصعب عند الدراسة الموضوعية القول بأن شخصًا ما قد قاد منعطفًا من منعطفات التاريخ وحده، ما لم يكن هذا الشخص نبيًّا يحمل بين يديه معجزة سماوية.

أما الأشخاص العاديون؛ الذين لا يحملون شيئًا خارج نطاق البشرية وقدرتها، فمن الصعب القول بأنهم يمثلون بداية مرحلة ما، وما يمكن قوله هو أنهم ترجموا أو كانوا أبرز الدعاة، إلى التحول إلى مرحلة من المراحل، فجمال الدين ومحمد عبده وابن باديس والبشير الإبراهيمي والحركات الإسلامية المختلفة؛ التي تعاصرت في كثير من الأحيان، هذه كلها لا يمكن إعطاء إحداها حق فتح باب التاريخ في مرحلة من المراحل وحدها، وإنما يمكن القول فيها بما ذكرنا سابقًا من أنها مثلت أو ترجمت عن مرحلة من التطور.

·     وفي البداية كذلك أشير إلى أن المصطلح الآخر الموجود في العنوان «الليبرالي» هـذا المصطلح ينتمي إلى ترابِ وإلى حركةِ تاريخٍ وإلى تصورات ثقافية واجتماعية مختلفة تمامًا عن التطور والتراب والتصورات الثقافية والاجتماعية الموجودة فوق الأرض الإسلامية.

إن هذا المصطلح استعمل كثورة مضادة لأوضاع طبقية وكنائسية محددة سادت أوربا قبل الثورة الليبرالية، التى تجسدت في غير حركة من حركات النهوض الأوربي؛ كحركة الإصلاح الديني بمختلف صورها على يد لودر وكالفن وغيرهما، وكحركة الثورة البرلمانية التي ظهرت في إنجلترا أو ألمانيا وغيرهمـا وكالثورة الفرنسية التى اعتبرها بعضهم القمة الممثلة لهذا الاتجاه، لا سيما في منظومتها ثلاثية الإيقاع «الحرية والإخاء والمساواة» وما سبقها أو صحبها من أفكار جان جاك روسو وفولتير وحركة الطبيعيين بعامة.

وكان للثورة الصناعية أثرها في أن تُحدث هذه التطورات ردَّ فعل تاريخيًّا حاسمًا، كان أكبر عامل في خلق الأوضاع التي تسود أوربا في العصر الحديث، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.

فهل من المنهجية العلمية، ومن وضع المصطلحات في مكانها المناسب؛ أن نستعمل كلمة «الليبرالية» ونحن نتحدث عن حرکات تمرد على الأوضاع التي كانت سائدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في المشرق العربي..؟ هل ثمة تطابق تاريخي أو ثورة صناعية أو اضطهاد كنسي أو فلاسفة مهَّدوا لهذه الثورة على النحو «الليبرالي» فعلًا؛ الذي مهَّد به فولتير وروسو وغيرهما؟ هل كانت ثمة قيود كنائسية على حركة الفكر الإسلامي إذا هو أراد التحرر؟ وهل حفل الشرق الإسلامي، في ظل الإسلام الواضح ابتداءً؛ بطبقة تمنح صكوك الغفران، وتوجب «الاعتراف» وتحرم البحث العلمي، وتجعل من نفسها الواسطة الوحيدة بين السماء والأرض؟.

أليس من التجاوز العجيب استعمال مصطلحات من هذا اللون ونحن نتكلم عن تطورين مختلفي الملامح تمامًا؟!.

·     ويكاد الكاتب يحس بهذا التباين، وإن لم يشر إليه من قريب أو بعيد، لكنه يورد عرضًا أن الواقع المصري في هذه الفترة التاريخية كان يتشابه مع الواقع الأوربي؛ الذي ظهرت فيه الحركة الليبرالية على أساس أن الأتراك العثمانيين كانوا يمثلون -مع المماليك- ظاهرة إقطاعية، لكن هل كان الأتراك يمثلون ظاهـرة إقطاعية كما يقول؟ هل كان الأتراك الذين لا يملكون في مصر وغيرها حق تعيين الوالي، وإنما كان يتم اختيار الوالي من قبل الإرادة الشعبية؛ ثم يرسل السلطان العثماني بعد ذلك؛ وليس قبلُ، مرسومًا بالتعيين، وإذا قام السلطان بتعيين والٍ، ولم يحظ بقبول «المشايخ أو التجار» أو اعتدى على قوانين البلد.. قام  الشعب بتغييره حالًا، هل كان هؤلاء يمثلون ظاهرة إقطاعية؟ هل كان العثمانيون الذيـن أصبحوا على امتداد القرن التاسع عشر، يُدعَون بالرجل المريض وتتنافس على بلادهم التي لا يملكون القدرة على الدفاع عنها كلُّ الدول الأوربية، هل كان هؤلاء الممزقون المعرَّضون لحرب صليبية وماسونية عالمية، هـل كانوا يمثلون طبقة مسيطرة إقطاعية؟ أليس من المنهجية العلمية أن نذهب إلى أبسـط التحديدات لمعنى مصطلـح «إقطاعي» ومصطلـح «سيطرة» قبل أن نلوك كلمات فارغة المضمون؟

·     ويحاول الكاتب أن يتلمس أي أوجه شبه، ما دام يشعر بأنه يتكلف المواقف ويفتقد الأرض الصلبة، فيذهب إلى أن ثمة قسمات ليبرالية تجمع  بين التطورين كثمرة للعناصر المتشابهة في الواقع الطبقي، وللاحتكاك الذي حدث بين الشرق والغرب منذ حملة نابليون ۱۷۹۸م.. ومحاولات بناء الدولة الحديثة (!!) على يد محمد علي الفرنسي النزعة.

والسؤال الذي يطرح نفسه على الكاتب لو لم تكن القضية قضية تلاعب بالألفاظ: ما هي العناصر المتشابهة بين الواقعين المصري والأوربي خلال فترة الحديث؟.. ما هي هذه العناصر في ظل مجتمعين مختلفي التركيب تمامًا؟ هذا يعيش فترة انتقال من مجتمع إلى مجتمع صناعي، ويعيش تناقضات ثورة صناعية حقيقية، وتظهر فيه قوى جديدة ومظاهر جديدة تهز البناء الاجتماعي كله، وذاك المجتمع الأخير، يعيش حياة لا تكتنفها أي مظاهر تطور حقيقي، ولا أي ثورة حقيقية، وهل تكفي -وهي خطيئة الفكرِ الذي يزعم الثورة كلِّه- هل يكفي لوك كلمات معينة أو رفع شعارات معينة، على الرغم من افتقاد الواقع نفسه كلَّ مظاهر التغير، هل يكفي هذا الزعم بأن هناك تشابهًا بين مجتمعين؟!! هل وجود تغير حضاري حقيقي يساوي تمامًا إطلاق ألفاظ التغير على مجتمع آخر ليقال إنهما متشابهان؟ وهل كان محمد علي إلا حلقة واهنة وحلًّا خاطئًا من تلك الحلول التي لم تحاول تغيير الواقع والانطلاق من التراب والزمان المحددين، وإنما ذهبت تتسول الحضارة أو تشتريها متجاوزة الواقع كله والإنسان نفسه، ومتجاوزة الوجود المصري المعاصر لها.

وكانت النتيجة؛ كما هو طبيعي؛ أن أعادت الدول الاستعمارية الوضع  بقرار إلى طبيعته، ولو كان الأمر طبيعيًّا لما انتهى بقرار مؤتمر لندن إطلاقًا، فالظواهر الطبيعية لا تنتهي بقرار !!

·     ويعمد الكاتب إلى الاعتداء على التاريخ كي يبرر أفكاره المسبقة، ويزعم أن المعتزلة حين رفضوا فكريات الهند وفارس واليونان تسلحوا بأسلحة اليونان، وعندما أخذت أوربا تستيقظ وتقاوم الكنيسة استعارت أسلحة الإمام الغزالي؛ التي حارب بها الفلاسفة، لتحارب بها الرشديين اللاتين.

 ولكن السؤال هنا.. لماذا المعتزلة بالذات هم الذين قاوموا أفكار الهند وفارس؟ هل لأنهم «ليبراليون»؟ وهل كان المعتزلة حقيقةً خارجَ نطاق الفكر الإسلامي والعقل الإسلامي الدائر في فلك مصدري التشريع والتصور في الإسلام؛ وهما القرآن والسنة؟.

ثم هل استعارت أوربا فلسفة الغزالي لتقاوم الرشديين اللاتين؟ أم أن أوربا بواسطة توماس الإكويني قد استعارت فلسفة ابن رشد، لتجد المبرر العقلي لعقائدها الشديدة التناقض والعسيرة الانسجام مع العقل البشري؟ إنني أُحيل الكاتب هنا إلى كتاب واحد هو کتاب «مناهج الأدلة في عقائد أهل الملة» بتحقيق الدكتور محمود قاسم؛ أكبر المهتمين بابن رشد وتوماس الإكويني في مصر، ليعرف من أين كانت الكنيسة تسرق أفكارها في الدرجة الأولى، وإن كانت قد استعانت بالغزالي وغيره!!

·     ولنفس الغاية تتكرر عملية الاعتداء على التاريخ؛ يزعم الكاتب أنه في التاريخ الإسلامي ظهرت نظرية «الحق الإلهي»، والأمر لا يختلف عن تصورين :

إما أن يكون الكاتب غيرَ مُلِمٍّ بنظرية الحق الإلهي كما هي، وإما أن يكون غيرَ مُلِمٍّ بالتاريخ الإسلامي، فنظرية الحق الإلهي لم تظهر إطلاقًا في التاريخ الإسلامي، فاغتصاب السلطة وفرضها على الناس؛ وإخضاع الناس؛ الذين يلعنون ظلم الحكام وجورهم؛ هذه العملية ليست هي الحق الإلهي إطلاقًا، ولم يتصور مسلم ما؛ في أى يوم كئيب من أيام التاريخ الإسلامي، أن هناك إنسانًا؛ يقف في الدرجة الثانية بعد الله، يأخذ منه حق التحكم في الناس بعيدًا عن سلطة القرآن والسنة.

لقد كان القرآن والسنة الصحيحة في التاريخ الإسلامي كله فوق كل سلطة، وليس من حق أي حاكم كان أن يقرر حذف آية من القرآن، حتى لو كان هذا الحاكم أكبر مستبد في التاريخ، فأين هو الحق الإلهي: هل هو فرض السكوت على الناس؟.

ويتحدث الكاتب عن المواقف «الليبرالية» في رأيه، والتي وقفها جمال الديـن الأفغاني رغبة منه في إشراك الشعب المصري في الحكم، كما يتحدث عن رفضه لفكرة المستبد العادل التي طلع بها تلميذه محمد عبده، ويحيل الكاتب هذا وذاك إلى تأثر جمال الدين بالفكر الليبرالي.

والحق أن هذه قضية من قضايا الظلم الكبيرة في تناول تاريخنا ورجالنا، فكل شيء في نظر بعض الدائرين في فلك الفكرة الغربية بشقيهـا الرأسمالي أو الشيوعي لا بد أن يكون تابعًا لظاهرة في التاريخ الأوربي، هل المسلم الذي يجد في القرآن سورة كاملة عن «الشورى» بحاجة إلى شعار ليبرالي كاذب دموي يحدثه عن الحريـة والإخاء والمساواة؟ هل صور الديموقراطية العجيبة في تاريخنا الإسلامي تعوزنا إلى أن نستعير أساليب تطورنا من نظرية ثورية متهافتة صنعها رجال مشكوك في سلوكهم في الغرب، هل كان أحمد عرابي؛ الذي قال لتوفيق أمام قصر عابدين: لقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا وعقارًا، هل كان هذا «الأزهري» المسلم متأثرًا بشعار الثورة الليبرالية التي تحارب الأديان؟ أم كان متأثرًا بالإسلام وبكلمة عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا..؟!!

لماذا يرجح بعض المنتمين إلى أفكار أخرى مستوردة دائمًا نظرية التأثر بأوربا وبتطورها الدموي؟ أليست هذه مغالطة تاريخية كبرى؟

·     والموقف نفسه يتخذه الكاتب حين يتحدث عن تطور أفكار جمال الدين في تصوره، ويرى أنه انتهى اشتراكيًّا، هل إذا نادى أي داعية إسلامي بوجوب الإصلاح الاجتماعي وإعطاء الكادحين حقهم، هل لا بد أن يكون بالضرورة اشتراكيًّا، هل كان الرسول عليه الصلاة والسلام نبي اشتراكية (وأستغفر الله)، أم كان نبي دعوة دينية إنسانية شاملة فوق الاقتصاد وفوق التطور الاجتماعي المحدود وهو يدعو إلى إعطاء الأجير حقَّه قبل أن يجف عرقه، وهو يتحدث عن الأشعريين الذين يقتسمون ما معهم إذا أرملوا في الغزو إلى آخره؟ وهل كان عمر اشتراكيًّا حين فعل ما فعل؟ وهل كان أبو ذر اشتراكيًّا؟.. هل كان هؤلاء جميعًا إلا الممثلين لكلمة الله، وللكلمة القرآنية في الأرض؟. أما حان أن تحترموا ونحترم جميعًا عقولنا بدل هذه المغالطات الساذجة، وهل كان سيد قطب اشتراكيًّا وهو يكتب عن «معركة الإسلام والرأسمالية»، وعن «العدالة الاجتماعية في الإسلام»؟ وهل كان الشيخ محمد الغزالي اشتراكيًّا وهو يكتب عن «الإسلام والمناهج الاشتراكية، والإسلام المفترى عليه»؟.. أليس من احترامنا لعقولنا أن نضع هؤلاء فـي مكانهم الطبيعي من الفكـرة الإسلامية النابعة من كلمة الله، بدل أن نتسول مصطلحات زائفة نصنف الناس فيها بما يخالف الحقيقة؟ أما جاء اليوم الذي نحترم فيه أنفسنا وعقولنا ليحترمنا غيرنا، وليأخذ الفكر العربي والإسلامي مكانه كفكر محترم ومستقل في ميدان السباق الفكري العالمي؟!! أليست لنا هُوِّيَّة مستقلة؟!.

الرابط المختصر :