; مغامرة أم حسابات خاطئة؟ طالبان ومصيدة الشمال | مجلة المجتمع

العنوان مغامرة أم حسابات خاطئة؟ طالبان ومصيدة الشمال

الكاتب مطيع الله تائب

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997

مشاهدات 71

نشر في العدد 1253

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 10-يونيو-1997

قبل أن يأخذ العدد الماضي من مجلة المجتمع طريقه إلى القارئ تبدلت التحالفات في أفغانستان، وتحول نصر طالبان الذي كتبت عنه المجتمع إلى هزيمة صعبة، ولا ندري ماذا يمكن أن يحدث قبل أن يصل هذا العدد إلى القارئ، هذا قدرنا مع الجماعات الأفغانية المسلحة التي تبدل تحالفاتها أكثر مما يبدل المرء ملابسه.

في خطوة مفاجئة في ١٩/٥/۱۹۹۷م تمرد الجنرال عبد الملك على قائده الجنرال عبد الرشيد دوستم في الشمال الأفغاني، وأعلن تحالفه مع حركة طالبان، وفي ٢٤/٥/٩٧ دخلت قوات هذا التحالف الجديد مدينة مزار شریف معقل دوستم، ولكن حدثت في ٢٦/٥/٩٧ المفاجأة الثانية، حينما انقلب عبد الملك على طالبان، ونشبت معارك شديدة بين الطرفين أدت إلى قتل مئات من قوات طالبان وأسر آلاف آخرين بينهم قيادات بارزة في حركة طالبان أمثال وزير الخارجية ملا محمد غوث، وملا عبد الرزاق والي هيرات وغيرهما من القيادات، ولم تقف الأمور إلى هذا الحد بل فقدت قوات طالبان مناطق أخرى شمال العاصمة كابل لصالح قوات أحمد شاه مسعود التي قطعت الطريق إلى الشمال الأفغاني؛ مما يعرض الآلاف من مقاتلي طالبان في ولاية بغلان إلى خطر الحصار الكامل.

هل ما حدث في الشمال الأفغاني كان مصيدة لحركة طالبان وتخطيطًا مسبقًا من قبل القوات المناوئة لها، أم أنها حدثت كردود أفعال؟ وهل كان تقدم طالبان نحو الشمال مغامرة غير محسوبة النتائج، أم خطأ في التخطيط والحسابات؟

المكسب السياسي الوحيد الذي أحرزته حركة طالبان من تحالفها القصير مع قوات الشمال هو اعتراف كل من باكستان والسعودية والإمارات بحكومة طالبان، الأمر الذي أضفى شرعية دولية نسبية عليها في المجتمع الدولي، ويمكن استثمارها في كسب مزيد من الاعتراف الدولي، غير أن نسبة الخسائر كانت عالية جدًا عسكريًا وسياسيًا، وهو ما يدعو حركة طالبان لترتيب أوراقها من جديد، بعد أسبوع من المعارك رجعت قوات طالبان إلى خطوطها الأولية في ولاية بادغيس في الشمال الغربي، وبالمقابل فقدت مئات القتلى وآلاف الأسرى، بالإضافة إلى القوات المتعاطفة معها من الأقليات البشتونية القاطنة في الشمال، والتي تمت تصفيتها في المنطقة بعد انسحاب طالبان من الشمال. 

وعلى الصعيد الآخر استغلت قوات أحمد شاه مسعود -وزير الدفاع السابق- هذه الحالة، وتقدمت نحو العاصمة كابل، وسيطرت على عدة مدن مهمة، منها: مدينة جبل السرابع الواقعة على طريق سالنج الاستراتيجي، الواصل بين العاصمة والشمال الأفغاني، وإذا استمرت سيطرة مسعود على هذه المدينة؛ فمعنى هذا أن الآلاف من مقاتلي طالبان بينهم وزير الإعلام أمير خان متقي يتعرضون لحصار كامل في ولاية بغلان، ومدينة بل خمري التي تقع تحت سيطرتهم حاليًا. 

وسياسيًا خسرت طالبان عديدًا من قياداتها البارزة، ولا سيما وزير الخارجية ملا محمد غوث الرجل المهم في علاقات الحركة الخارجية؛ مما يحدث إرباكًا في مركز القرار عندها، وبحد ذاته يشكل ضربة قوية في تشكيلتها القيادية، ومن جانب آخر أدى تحالف طالبان مع عبد الملك -وهو صاحب سابقة شيوعية- إلى فقدان الحركة مصداقيتها في شعاراتها القائلة بعدم إبداء المرونة تجاه الشيوعيين القدامى، في حين تأخذ موقفًا حازمًا من الأحزاب الجهادية السابقة وقياداتها. 

ويبدو أن ضغوطًا خارجية هي التي دفعت طالبان إلى الشروع في عقد تحالف مع الجنرال عبد الملك لفتح خطوط الاتصال عبر أفغانستان بين دول آسيا الوسطى إذا بدأت أحداث الشمال بعد أربعة أيام فقط من توقيع اتفاقية لمد أنابيب الغاز والنفط من تركمانستان إلى باكستان وكذلك منها إلى الأسواق الدولية.

وعلى حين يذهب بعض المراقبين إلى أن طالبان وقعت في فخ نصبته القوات المناوئة لها من أجل توجيه ضربة قاسية لها، يذهب بعض آخر إلى أن المعارك في الشمال كانت متوقعة بالنظر إلى تعامل طالبان مع الأحداث، والسير في سياساتها التي لا تقبل المرونة، وسعيها لفرض تصوراتها، وقد يكون الذي حدث هو ردة فعل تجاه سعي طالبان لنزع أسلحة قوات عبد الملك، وكذلك تعيين ملا عبد الرزاق مسئولًا عن هذه المناطق، وتعيين عبد الملك نائبًا لوزير الخارجية، وهو المنصب الذي لا يتناسب وحجم ما قدمه لطالبان من توفير مقدمات الزحف نحو الشمال، وفي رأي هؤلاء المراقبين أن عبد الملك أراد أن يركب موجة القوات المتحاربة مع طالبان للحفاظ على موقعه كقائد لقوات الشمال التي كان دوستم يقودها من قبل، وهو ما حدث فعلًا، وقد تم تعيينه رئيسًا لحركة النهضة القومية في الشمال يوم ٢٨ مايو الماضي.

أين تتجه الأحداث؟

     جاء إعلان طالبان يوم ١/٦/٩٧ عن استعدادها للتفاوض مع المعارضة حول تسوية الأزمة؛ ليوضح مدى قوة الضربة التي تلقتها الحركة في الشمال، حيث لم تكن مستعدة للتفاوض حول المستقبل بهذه الطريقة من قبل، وكانت ترى أنها تستحق الحكم دون غيرها من الأطراف، غير أن هذا الإعلان يأتي في وقت تسعى فيه الحركة لحشد أكبر قدر ممكن من مقاتلين جدد، وتعزيز خطوطها القتالية في كل من بادغيس في الشمال الغربي، وشمال العاصمة كابل، وحسب أحد قيادات الحركة وصل أكثر من (٢٠) ألف مقاتل جديد إلى قندهار معقل طالبان للتحرك نحو الجبهات.

وتسعى المعارضة المتمثلة في القائد مسعود والجنرال عبد الملك وحزب الوحدة الشيعي- لتعزيز قواتها على خطوط التماس مع طالبان، واستغلال الفوضى الموجودة في صفوف طالبان لتوجيه ضربات جديدة لها في شمال كابل، وقطع طريق سالنج الإستراتيجي، وبالتالي القضاء على بقية قوات طالبان في ولاية بغلان، ومدينة بل خمري، وتحاول طالبان حاليًا التقدم عسكريًا نحو مزار شريف من جهة الغرب عن طريق بارغيس، وعن طريق الجنوب الشرقي من بغلان وبل خمري، وقد تستميت للحفاظ على طريق سالنج مفتوحًا لإيصال المساعدات والإمدادات اللازمة إلى قواتها هناك، وهذا كله يعني المزيد من المعارك في الصيف الأفغاني دون الوصول إلى حل للازمة بعد أن كانت طالبان قاب قوسين من النصر الكامل.

 وقد أثبتت أحداث الشمال مرة أخرى صعوبة حكم أفغانستان من قبل جماعة واحدة، كما أنها عمقت الخطوط العرقية للصراع الدائر حيث تقف حاليًا طالبان ذات الأغلبية البشتونية أمام أعدائها من الطاجيك، والأوزبك، والهزار الشيعة.

 ويصعب الطالبان مستقبلًا حكم الشمال حتى وإن تمكنت من السيطرة على تلك المناطق عنوة؛ لأن أسس التفاهم العرقي قد انهارت في أحداث الشمال هذه المرة، واستطاعت المعارضة -بمختلف فصائلها- إيجاد دوافع جديدة للقتال على أسس عرقية تضمن استمرار الصراع لمدة، ولا سيما في ضوء توجه بعض الدول التي تسعى لوقف زحف طالبان نحو الشمال بأي ثمن.

الرابط المختصر :