; موضوع الغلاف: العراق بين وخز الإبر.. والقصف الكبير | مجلة المجتمع

العنوان موضوع الغلاف: العراق بين وخز الإبر.. والقصف الكبير

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1998

مشاهدات 102

نشر في العدد 1287

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 10-فبراير-1998

المجتمع: خاص

بعد انتهاء إجازة عيد الفطر المبارك تسارعت التحركات الدبلوماسية والعسكرية في صراع محموم تهيئة لتوجيه ضربة عسكرية للعراق بسبب قراره عرقلة عمل لجان التنسيق الدولية.

وجاءت جولة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية لدول المنطقة لوضع الترتيبات النهائية للعملية العسكرية فيما كانت روسيا وفرنسا تتسابقان لإنجاح مبادرة تعيق الضربة العسكرية، وتواجه الولايات المتحدة معارضة داخل مجلس الأمن بشأن الضربة العسكرية.

وأعربت أولبرايت عن ثقتها في تعاون دول الخليج مع الولايات المتحدة في حال حصول هجوم أمريكي على العراق يستهدف فتح جميع المواقع أمام مفتشي الأمم المتحدة الذين يبحثون عن أسلحة الدمار الشامل ووسائل إنتاجها، وقد سميت العملية باسم «القصف الكبير».

وقالت مصادر القاهرة إن الرئيس مبارك اتفق بعد سلسلة من المشاورات مع القادة العرب بوصفه الرئيس الحالي للقمة العربية على تحديد مهلة 3 أسابيع كحل وسط وتجنبًا للخيار العسكري الأمريكي، وأضافت أن مبارك حصل على تفويض عربي بإبلاغ واشنطن باقتراح المهلة للبحث في الحلول السلمية قبل أي عمل عسكري أمريكي وقد أوفد الرئيس مبارك د. عصمت عبد المجيد الأمين العام للجامعة العربية إلى بغداد محملاً برسالة تتعلق بعدد من الاقتراحات من بينها:

١- ضم خبراء عرب وفرنسيين وصينيين إلى لجان التفتيش.

٢- تعديل صيغة النفط مقابل الغذاء والسماح للعراق ببيع بترول بقيمة 7 مليارات دولار بدلًا من 3 مليارات.

وذكرت مصادر صحفية أن الاتصالات التي أجراها الرئيس مبارك مع الزعماء العرب قبيل استقباله لأولبرايت تناولت فكرة عقد قمة عربية يحضرها العراق... وفي الاتجاه نفسه أكد عصمت عبد المجيد ضرورة عقد هذه القمة بصفة عاجلة لكنه لم يطرح مشاركة العراق فيها.

وعلى الصعيد الخارجي... وفي تركيا التقى نائب رئيس الأركان العامة الأمريكي جوزيف رالستون برئيس الأركان العامة التركي الفريق أول إسماعيل حقي وقد رفض المسؤول الأمريكي الإجابة عن أسئلة الصحفيين.

وفي هذه الأثناء نشطت حركة الطائرات في قاعدة إينجرليك التركية الأمريكية المشتركة قرب مدينة أضنة جنوبي تركيا قد حلقت في سماء المدينة لمدة ثلاث ساعات على فترات متتالية، كما شوهد فتح عدد من عنابر ومهاجع الطائرات في القاعدة بعد أن ظلت مغلقة طيلة أيام عيد الفطر المبارك، كما شوهد تحليق سرب مكون من طائرات تورنادو وإف ١٥ وإف ١٦ مع ناقلتين جويتين للوقود، وأفادت الأنباء الواردة من المناطق الحدودية بين تركيا والعراق أن هناك تعزيزات أمنية تركية على الحدود بين البلدين.

يأتي ذلك في الوقت الذي أشار فيه بيان تركي رسمي إلى مبادرة تركية لتوحيد جهود الدول المجاورة من أجل التوصل إلى حل عاجل للأزمة، كما دعت تركيا في بيانها العراق للامتثال لقرارات مجلس الأمن الدولي.

وكان إسماعيل جيم وزير الخارجية التركي قد زار بغداد الأسبوع الماضي في إطار هذه المبادرة وذلك في محاولة لإقناع العراق باحترام قرارات الأمم المتحدة في وقت دعا فيه مسعود يلماظ السلطات العراقية للتجاوب مع الجهود المبذولة للتوصل لحل سلمي مشدداً على أن نتائج تعنت العراق ستكون خطيرة جداً ومدمرة بالنسبة للعراق في حال حدوث عملية عسكرية.

وفي لندن أعلنت بريطانيا تأييدها للضربة العسكرية مؤكدة استعدادها للمشاركة، لكن الصين وإيران عارضنا هذه الضربة ودعت روسيا وفرنسا للتريث، فبينما أكدت روسيا أن القرارات الدولية لا تقر استخدام القوة، قالت فرنسا إنها مع أي مسعى دبلوماسي يوقف هذه الضربة مع قبول العراق السماح لفرق التفتيش بممارسة مهامها، وقد وصل المبعوث الفرنسي برتران دوفوك إلى بغداد الأسبوع الماضي حاملًا رسالة من الرئيس الفرنسي جاك شيراك لرئيس النظام العراقي بهذا الخصوص، ومعروف أن مبعوثًا روسيًا زار بغداد مؤخرًا.

وفي الوقت نفسه أجرى طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي اتصالًا هاتفيًا بكوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة وصفه عزيز بأنه بناء جدًا وتركز على المشكلة الراهنة، كما أطلق عليها عنان الوصف نفسه، وقال الناطق باسم عنان إنه تم الاتفاق خلال هذه المكالمة على ضرورة تسريع البحث في الحل السياسي للأزمة الراهنة.

وفي انتظار ما ستسفر عنه الاتصالات يظل العالم مترقبًا ما يمكن أن يحدث مع العراق بعد ان تفاوتت تقديرات الضربة العسكرية بين مجرد وخز بالإبر إلى «القصف الكبير».

تأكل الحصار..

استراتيجية العراق في المواجهة مع أمريكا

كان أحد أهم الأهداف التي سعت القيادة العراقية إلى تحقيقها في الأزمة الحالية مع الأمم المتحدة، هو إمكان أن تسهم الأجواء التي خلفها التصعيد واحتمالات مواجهة عسكرية جديدة مع الولايات المتحدة في بلورة موقف عربي مساند للعراق، طمعًا في أن تساعد هذه الخطوة على طي صفحة الماضي التي ترتبت على الغزو الغاشم للكويت إذا ارتأى العراق أن هناك ظروفًا مناسبة تسمح بإثارة تلك الأزمة من جديد مع الولايات المتحدة وتتمثل في:

 ١– ازدياد الشعور بالنقمة في العالم العربي إزاء سياسات "إسرائيل" وتعنتها في التسوية.

۲ – مشاعر الإحباط الناتجة من الشعور بعجز الولايات المتحدة عن أن تفعل شيئًا لإقناع أو إجبار "إسرائيل" على الالتزام بالاتفاقات التي وقعتها مع الفلسطينيين ويضرب العراق باستمرار على وتيرة الربط بين الوضع العراقي وتطورات الصراع العربي- "الإسرائيلي" وفي هذا الاتجاه جاء الخطاب العراقي بخصوص الموقف العربي.

ولكن يثار التساؤل: إلى أي مدى يمكن اعتبار هذا التحليل منطقيًا ومنسجمًا مع واقع السياسة العربية تجاه الوضع العراقي، إذا جاز القول بوجود مثل هذه السياسة؟ وهل أسلوب العراق مع الولايات المتحدة سيؤدي في محصلته النهائية إلى بلورة موقف عربي موحد يمكن أن يؤدي - من بين وسائل أخرى- إلى مصالحة عربية، وبالتالي يساعد على انهيار نظام العقوبات على العراق.... يمكن القول إن الاستراتيجية العراقية تقوم على فكرة تأكل الحصار ومؤداها أن مجلس الأمن لن يرفع العقوبات في وقت قريب بسبب الرفض الأمريكي القائم على رؤية تستبعد ذلك قبل تحقيق شروط معينة.

وهناك عدة مؤشرات تدعم فكرة تآكل الحصار هي:

١- على الصعيد الأمريكي يعتقد العراق أن واشنطن أصيبت بخيبة أمل كبيرة من حلفائها في مجلس الأمن خصوصًا فرنسا وروسيا اللتين لم تناصراها في استخدام الضربة العسكرية، وما يعزز من قناعتها في ذلك الصدد، أن الخيبة أصبحت تنعكس على شكل شروخ ومصاعب جديدة في طريق الأمريكيين وتعبر عن نفسها في مسالك وأشكال أخرى ليس أقلها تزايد الخلافات الأمريكية الأوروبية بالنسبة إلى الموقف من "إسرائيل" وإيران وعملية التفاوض بين دول الشرق الأوسط. 

٢– على الصعيد العربي والذي يكتسب أهمية كبيرة في هذا الموضوع فإن حكومة بغداد فسرت -خطأ- مواقف الدول العربية في الأزمة الماضية وفي مقدمتها دول الخليج بما فيها الكويت على أنها رافضة لفكرة الخيار العسكري.

وهنا يكمن جوهر الاستراتيجية العراقية في استخدام الأزمات الدورية مع الأمم المتحدة في الدفع باتجاه موقف عربي مساند يعول على تنامي المشاعر المتعاطفة مع مأساة الشعب العراقي وإدراك المخاطر الخارجية التي من الممكن أن يتعرض لها العراق في حالة استمرار الحصار وتكرار المواجهات مع الولايات المتحدة ولكن التساؤل هو: إلى أي مدى نجح العراق في دفع الدول العربية في تبني هذه القناعة ومد يد العون إليه في الدائبة لإنهاء الحصار؟

من الواضح أن المحاولات العراقية اصطدمت ولا تزال بجدار سميك من الرفض الصريح من البعض واللامبالاة من الآخرين أو تفضيل حالة الترقب والانتظار من قبل الأغلبية على الرغم من وجود اقتناع ظاهر بأن هناك مشكلة إنسانية تستدعي حلًا، فالموقف الذي تلتزم به جميع الدول العربية رسميًا وعمليًا هو أن على العراق أن ينفذ كل قرارات الأمم المتحدة وينصاع لإرادة مفتشي الأسلحة الدوليين حتى يقرروا هم متى يمكن أن ترفع العقوبات ويعود العراق عضوًا كامل الأهلية في المجموعة الدولية، إن استمرار كل دولة عربية بالالتزام بهذه القرارات يعني ببساطة رفضها للمنطق العراقي الداعي لتحدي الحصار ومحاولة كسره بل على العكس من ذلك إصرارها على أن ينفذ العراق كل القرارات الدولية.

وهناك أيضًا عدة مؤشرات بهذا الصدد هي:

1– إن موقف الدول الخليجية بدا في قمة الكويت الأخيرة ناجحًا تجاه الحكومة العراقية التي تصورت أن التراخي أصبح في طريقه إلى موقف الخليجيين بفعل أزمة أكتوبر الماضي ۱۹۹۷م، وكان ذلك التصور الخاطئ هو ما حدا بالبعض إلى القول إن نتائج القمة كانت ستتمخض عن قرارات مختلفة بالنسبة إلى الموقف من العراق لولا رسالة الرئيس الأمريكي العاجلة إلى قادة مجلس التعاون والتي حثهم فيها على عدم معارضة الخيار العسكري ضد العراق.

٢- كذلك يعول العراق على التقارب مع سورية، ولكن الأخيرة تعاني من ضغوط تركية "إسرائيلية" ومن هنا يأتي إلحاحها على ضرورة استخدام العراق وسيلة لتقوية موقفها في وجه تلك الضغوط خاصة في جولات مسؤوليها وعلاقاتها الثنائية مع البلدان العربية إضافة إلى موقفها من العراق في مؤتمر القمة الإسلامية بطهران وخطواتها التطبيعية السريعة معه.

٣- إن معظم الزيارات التي قامت بها وفود من دول عربية إلى العراق جاءت على المستوى الشعبي وليس الرسمي وقامت بها جمعيات أهلية ونقابات لتقديم الأدوية والمواد الغذائية للأطفال الذين يعانون من المرض والجوع، ولم تكن هناك زيارة واحدة على المستوى الرسمي من قبل دولة عربية وإن كان العراق قد بدأ يتقارب مع إيران والبحرين للتباحث حول مسألة رفع الحصار ومحاولته تكتيل موقف عربي موحد يقف بجانبه في حالة لجوء الولايات المتحدة إلى الخيار العسكري.

وخلاصة القول: إن تعويل العراق على الموقف العربي والدولي الذي يقف حائلًا دون لجوء أمريكا إلى الخيار العسكري أمر مشكوك فيه لأن الولايات المتحدة إذا عزمت على توجيه ضربة عسكرية خاطفة للعراق فإن موقف الدول العربية لن يمنعها من تنفيذ ذلك وكذلك الموقف الدولي المتمثل في موقف روسيا وفرنسا والصين لأن أدوارهم محددة ومحكومة باعتبارات سياسية معينة لا يمكن تجاوزها، وهنا يتطلب الأمر أن تصارح الدول العربية القيادة العراقية بأنها إذا استمرت في عنادها مع الولايات المتحدة فستكون العواقب وخيمة، لأن ذلك سيجر المنطقة بأكملها إلى أتون حرب جديدة، وأن الدول العربية غير مستعدة الآن للدخول فيها في ظل الغليان الواضح في منطقة الشرق الأوسط والتكتلات السياسية والعسكرية والأحلاف التي بدأت بوادرها تلوح في الأفق وأقلها التحالف التركي "الإسرائيلي".

جوهر الأمر إذًا أن هناك مواجهات أخرى بين العراق والولايات المتحدة قادمة بسبب اعتقاد القيادة العراقية أن هذا هو الأسلوب الوحيد المتاح أمامها للفت الأنظار بين الحين والآخر للحصار.

الرابط المختصر :