; لغز الجدري.. وحرب الدمار الشامل | مجلة المجتمع

العنوان لغز الجدري.. وحرب الدمار الشامل

الكاتب د. ماهر البسيوني حسين

تاريخ النشر السبت 29-مارس-2003

مشاهدات 74

نشر في العدد 1544

نشر في الصفحة 33

السبت 29-مارس-2003

منذ أكثر من ربع قرن لم تظهر حالة إصابة واحدة بالجدري ولا يوجد الفيروس إلا في معامل عدد قليل من الدول من بينها الكيان الصهيوني

على خطورته الشديدة يمكن استخدامه في العلاج ... كعربة لنقل الجينات العلاجية إلى خلايا الجسم

تطالعنا أنباء كثيرة ومستمرة ومتضاربة عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل الكيميائية والنووية والجرثومية. وقد تبحث فرق التفتيش المكلفة من قبل مجلس الأمن عن هذه الأسلحة لتدميرها إن وجدت وإلا قامت الولايات المتحدة ومعها ائتلاف من الدول الحليفة بشن حرب كاسحة لغزو العراق وتغيير نظامه وربما لإعادة ترتيب جغرافية المنطقة وحدودها. ويشارك في هذه الاستعدادات جنبًا إلى جنب الكيان الصهيوني. لكن اللافت للنظر أن واشنطن وتل أبيب أظهرتا مخاوف شديدة من شن حرب جرثومية من قبل العراق باستخدامه فيروس الجدري إذ قامت الأخيرة بتحصين الجنود والسكان ضد فيروس الجدري والشيء ذاته فعلته أمريكا بتحصين جنودها المجيشين إلى الخليج استعدادًا لغزو العراق.

لقد أعلنت منظمة الصحة العالمية خلو العالم كله من مرض الجدري وتم إعدام كل مصادر الفيروس والطعوم المستخدمة ضده إذ لم تعد هناك حاجة لذلك، ومضى أكثر من ربع قرن ولم تظهر أى حالة من الجدري في كل المعمورة وبناء عليه لم يصرح بامتلاكه إلا لأمريكا وروسيا وبريطانيا وبضع دول أوروبية وذلك لأغراض بحثية في خدمة البشرية. 

وقد نبتت أفكار جهنمية، استغلالًا لهذا الوضع ولأسباب أخرى، مؤداها أن الفرصة مواتية الآن لتطوير سلاح جرثومي للدمار الشامل من فيروس الجدري يتفوق على ما عداه من كل أنواع الأسلحة الجرثومية الأخرى خاصة أنه سوف يعمل بطريقة كاسحة ضد كل الأفراد الذين يتعرضون له والذين هم في سن السابعة والعشرين وما دونها، وهي الفترة الزمنية التي لم يتم فيها تحصين أي فرد في العالم ضد فيروس الجدري؟!.

لكن ما المزايا التي يمتلكها فيروس الجدري ليتصدر أسلحة الدمار الشامل؟

1- إنه يمتلك أعلى معدل انتشار وبائي متفوقًا على أشهر الوبائيات كالإنفلونزا.

2-  قدرة عالية على إحداث العدوى.

3- كل من يصاب بالمرض حتمًا سيموت.

٤- لا يوجد أي لقاح للوقاية مسبقًا منه، إلا لدى أمريكا والكيان الصهيوني وبريطانيا وألمانيا وربما فرنسا وروسيا، أو بمعنى أصح لدى الدول التي عملت على تطوير الجدري لاستخدامه كسلاح جرثومي بل ربما يظل هذا السلاح سرًا لدى هذه الدولة أو تلك أو حلفائها.

5- لا توجد مناعة لدى أفراد الجيوش والشعوب التي سوف تتعرض لسلاح الجدري الجرثومي «60% فأكثر»، كما أن الباقين من كبار السن والعجائز والمرضى سوف تكون مناعتهم ضعيفة أو متسامحة compromised ومن ثم يكون تأثير المرض عليهم أشد قسوة وأسرع تفعيلًا.

٦- لا يوجد أي مضاد حيوي أو دواء لعلاج المرض على الإطلاق، كما لا توجد أي عقاقير يمكنها أن تمنع تطور المرض أو أن تخفف من حدته.

7- توجد من الفيروس أشكال عديدة سواء من أنواع أو سلالات تصيب الإنسان أصلًا أو تكون مهندسة وراثيًا بإدخال صفات وراثية جديدة تزيد من القدرة على الإصابة وتختصر فترة الحضانة وتزيد شراسة الفيروس بحيث يدمر آليات ووظائف الجسم المصاب في أقصر وقت ليسرع بالموت في غضون ساعات قليلة سواء ظهرت الأعراض المتعارف عليها أو أعراض أخرى مخادعة وربما من دون أن تظهر أي أعراض بالمرة.

8- أن للفيروس القدرة أثناء تكاثره داخل الشخص المصاب على تثبيط الجهاز المناعي حيث يعوق تعرف الخلايا المناعية الفعالة على الخلايا المصابة، وبذا يتمكن الفيروس المتكاثر من استنزاف الخلايا وقتلها.

9- سوف تعجز الدول المعتدى عليها بفيروسات الجدري بكل هيئاتها الطبية والعلمية مهما كانت متقدمة عن معرفة التركيب السطحي للفيروس للأنتيجينات التي يمكن على أساسها تصنيع لقاح (فاكسين) فعال ضد السلالة المسببة للمرض. فهذه الدراسة تستغرق وقتًا طويلًا، كما يحتاج تصنيع اللقاح لوقت إضافي علاوة على الوقت اللازم لتطبيق اللقاح الجديد على المواطنين، ويكون عندئذ قد فات الوقت.

ويحضرني في هذا المعنى قصة حدثت في الأعوام من ۱۹۷۷ - ۱۹۷۹ م عندما هاجم فيروس حمى الوادي المتصدع مصر لأول مرة، وكانت الإصابات في الأغنام والماشية، لكن اللافت للنظر أن الفيروس هاجم الناس وأحدث فيهم وفيات بدرجة خطيرة، وكان تأثيره الأساسي على المخ على حين أن الفيروس يهاجم -في الحيوانات- الأحشاء فقط الأهم من ذلك أن مصر استوردت لقاحًا ضد المرض من جنوب إفريقيا ولكن لم ينجح اللقاح، لا ضد الحيوانات، ولا ضد الإنسان.. وساعتها كانت المعامل الأمريكية ومحطة أبحاث البحرية الأمريكية رقم 3 بالقاهرة قد أماطت اللثام عن وجود سلالة متغايرة - Vari ant من الفيروس لها خواصها التركيبية والإمراضية الخاصة بها، ولا ينفع ضد هذا المرض إلا عمل لقاح خاص وبتقنيات عالية، وبعد سنوات وفي العام ۱۹۸۲ طلب مني دكتور فرس Faras من جامعة مينيسوتا تقديمه لوكيل وزارة الصحة المصرية للوبائيات لأنهم «أي الأمريكان» قد توصلوا إلى لقاح فعال ضد فيروس حمى الوادي المتصدع والشيء بالشيء يذكر. فعندما حدث وباء حمى الوادي المتصدع عامي ۲۰۰۰- ۲۰۰۱ في اليمن لم يتوافر أي لقاح لحماية المواطنين والحيوانات لأن اللقاح الفعال لا يوجد إلا في حوزة الجيش الأمريكي وهو سر من أسرار الحروب وبالتالي لا يسمح بتداوله!

يمكن بالهندسة الوراثية تغيير كثير من المادة الوراثية، وهي عديدة في فيروس الجدري حيث تشفر لأكثر من مائة جين أو منتج وراثي، وهو نموذج ممتاز لوضع جينات جديدة يمكن أن تتكاثر مع الفروس داخل أنسجة الإنسان ومن ثم تظهر آثار هذه الجينات المهندسة وراثيًا. وقد بزغ أمل عظيم في السنوات العشر الماضية في استخدام فيروس الجدري المستخدم في صناعة اللقاح، والمسمى فاكسينا Vaccinia كناقل Vetor يقوم بتوصيل جينات تستخدم في علاج الإنسان وبذا يكون ناقل فاكسينا العلاجي مجرد عربة تنقل فقط الجينات العلاجية إلى خلايا الجسم بعد أن يكون قد تم تفريغ المادة الوراثية لفيروس الجدري من خواصها الشرسة والإمراضية، على حين يبقى من المادة الوراثية النافعة ما يكفي لتشغيل هذه العربة في توصيل الجينات أو العلاج للخلايا المعطوبة.

 من هنا، فلا أحد يعرف أو يتنبأ على وجه اليقين بما يخبئه فيروس الجدري، ويبقى سؤال: إذا كان الكيان الصهيوني يمتلك هذا السلاح فلماذا لم يستعمله ضد الفلسطينيين خاصة وأنه يمارس الإبادة الجماعية التدريجية وسياسة الأرض المحروقة في فلسطين؟ الأمر في غاية البساطة لأن السلاح الجرثومي هذا يمكنه أن يتوطن أي يبقى إلى الأبد في المنطقة التي يستخدم فيها، ومن مصلحة الصهاينة أن تبقى الأرض المحروقة نظيفة وصالحة لمواطنيهم ومستعمراتهم. 

هل هذا هو كل شيء عن فيروس الجدري والحرب الجرثومية؟

هناك أشياء كثيرة وكثيرة بعضها معروف والبعض الآخر في طي الغيب أو رهن الأقدار.

الرابط المختصر :