; رسالة إلى كل ساخط على الحياة | مجلة المجتمع

العنوان رسالة إلى كل ساخط على الحياة

الكاتب د. يوسف القرضاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000

مشاهدات 80

نشر في العدد 1401

نشر في الصفحة 59

الثلاثاء 23-مايو-2000

• دلني -يا فضيلة الشيخ- إلى الطريق القويم: لماذا يضطهدني الزمان؟ ولماذا تحاربني الأقدار؟ ولماذا يكيد لي، ويحسدني الناس؟

الأخ العزيز... أحمد إليك الله تعالى، وأصلي وأسلم على رسوله وآله وصحبه، وأحييك بتحية الإسلام، فسلام الله عليك ورحمته وبركاته.. أما بعد: فقد قرأت رسالتك، ولم يغمر وجهي الغضب منها كما توقعت، بل عصر قلبي الألم لما احتوته، فإن المسلم الحق يذوب قلبه حسرات، إذا وجد إنسانًا أي إنسان يعذب، فكيف بأخ مسلم تربطني به عقيدة الإسلام؟! 

كل ما أريده أن تدع أنت الغضب والانفعال، وتنظر في أمر نفسك بهدوء واتزان، بدل أن تصب جام سخطك على القضاء والقدر، وعلى الأرض والسماء، وعلى الخلق والخالق.

تذكر هذه الحقائق

أريد يا أخي أن تتذكر حقائق مهمة يجب أن تضعها نصب عينيك:

الحقيقة الأولى: أن المؤمن البصير لا ينبغي أن ينظر إلى ما ينقصه ويفتقده فقط، بل يجب أن ينظر أولًا إلى ما عنده من نعم الله تعالى. وسيجد أن ما عنده كثير، ولكنه لا يراه أو يراه ولكنه يبخسه، ورضي الله عن عروة بن الزبير، فقد نزلت به مصيبتان في يوم واحد: رفست فرس ابنًا له فمات، وقطع الطبيب رجلًا له، حتى لا يسري الداء في بدنه كله، ولكنه مع هذا حمد الله تعالى، إذ نظر إلى ابنه المقتول، وإلى ابنه الآخر، فقال: «اللهم إن كنت أخذت فقد أعطيت، ونظر إلى رجله المقطوعة، ورجله الأخرى السليمة، وقال: اللهم إن كنت ابتليت فقد عافيت»!، فكان نظره إلى النعمة التي بقيت له، فرضي وشكر، ولو نظر إلى النعمة التي حرمها فقط لسخط وجزع.

وأنت لو نظرت إلى نفسك لوجدت عندك نعمًا جمة، لا تريد أن تعترف بها، أو لعلك غافل عنها. 

الحقيقة الثانية: أن الإنسان -بحكم قصوره البشري- لا يدري: أين يكون خيره وأين يكون شره، فهو يحكم بالظاهر، ولا يعلم الباطن، وينظر إلى الحاضر، ولا يعلم المستقبل، وينقاد للعواطف، ولا يعمل العقل كما ينبغي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 216).

وما يدريك يا أخي أن الله تعالى يريد أن يصهرك في بوتقة الابتلاء، ويربيك في أتون المحن، كما ربي أنبياءه، ورسله العظام، الذين ابتلوا، فصبروا وصابروا، حتى بلغوا رسالتهم، وهدى الله بهم من هدى، وأقام الحجة على من أعرض وكفر؟

هل كان يوسف الصديق -عليه السلام- يعلم أن المحن التي نزلت به طوال حياته، ستنتهي به إلى أن يصبح عزيز مصر، وأن تكون في يده خزائن الأرض المالية والزراعة والتخطيط والتموين، وأن يحل الله على يديه مشكلة القحط ويخرج به مصر وما حولها من أزمة الجوع والجفاف؟؟ 

إن علينا أن نواجه المتاعب والآلام بصبر جميل، ولا نعتقد أن البلاء الذي ينزل بنا عقوبة من الله لنا، بل كثيرًا ما يكون هدية من الله -سبحانه- لنا من حيث لا نشعر- ولولا ذلك لما كان الأنبياء أشد الناس بلاء في هذه الدنيا. 

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، وما يزال البلاء ينزل بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة».

الحقيقة الثالثة: أننا لا ينبغي أن نحمل إخفاقنا في حياتنا، وفشلنا في أمور دنيانا على القدر وحده، ونبرئ أنفسنا من كل عجز وتقصير، فإن نتيجة هذا اللون من التفكير أن يقعد المرء عن كل محاولة لإصلاح أمره، وعلاج مشكلته، ويقول: «هذا ما قدر الله لي أو علي»، ولا يتقدم خطوة إلى الأمام.

والمؤمن -الذي فقه أحكام الله في شرعه، وسنن الله في خلقه- يؤمن بالقدر، ولا يحتج به، ويرجع على نفسه باللوم، بدل أن يرجع على الدهر بالسخط، وقد قال الله تعالى للمؤمنين أصحاب رسوله الكريم بعد غزوة أحد وما أصابهم فيها: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ ( آل عمران: 165).

ويقول الشاعر محمد إقبال: «المؤمن الضعيف يحتج بقضاء الله وقدره، والمؤمن القوي يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يرد، وقدره الذي لا يغلب». 

فدع العجز يا أخي وأبحث عن سبب ما أنت فيه، لعل فيك عيبًا معينًا هو الذي يقف في طريقك، وأنت أعرف الناس بنفسك، وأقدر على معالجة ما فيها من قصور، وثغرات قد تكون مغلفة بأغلفة شتى، ولكن البصير يجب أن يكتشفها، ولا يغالط نفسه، فاصدق مع نفسك، وجاهدها، وصحح مسيرتها، والله معك، إذا صدق العزم، وصح السبيل، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

الحقيقة الرابعة: أن اليأس ليس من شيم المؤمنين، فالمؤمن لا ييأس أبدًا من روح الله، ولا يقنط من رحمة ربه يومًا، وإن ضاقت الدنيا في وجهه، وغلقت الأبواب، وتقطعت الأسباب، فإن اليأس من لوازم الكفر، والقنوط من مظاهر الضلال، كما قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: 

﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)، هذا من مع غياب يوسف عنه سنين طويلة، وانقطاع أخباره، إلا أنه ينقطع خيط الأمل في قلبه، ولم ينطفئ شعاع الرجاء في رحمة ربه. 

فلا تيأس يا أخي أن يكون يومك خيرًا من أمسك، وأن يكون غدًا خيرًا من يومك، فإن من سنن الله تعالى: مداولة الأيام بين الناس، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾  (آل عمران- ١٤٠).

وقد شاع على ألسنة الناس من قديم الدهر يومان: يوم عليك، ويوم لك، ودوام الحال من المحال. 

وكما رأينا بأعيننا أناسًا انتقلوا من حال إلى حال، من فقر إلى غنى، ومن غنى إلى فقر، ومن ذلة إلى عز، ومن عز إلى ذل، والله تعالى يقول: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 7)، ويقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ( الشرح: 5-6)، ويقول ابن مسعود: «لو دخل العسر جحرًا لتبعه اليسر حيث كان». 

ولو حكيت لك عن نفسي، لقلت لك: إني بعد أن خرجت من المعتقل سنة ١٩٥٦م رفض تعييني في معاهد الأزهر، حيث حرموا علينا -معشر الإخوان المسلمين- كل الوظائف التي

فيها اتصال بالجماهير، سواء في التدريس، أو الخطابة، والوعظ.

هذا وأنا أول دفعتي في الشهادة العالية من كلية أصول الدين، وأول دفعتني في شهادة تخصص التدريس من كليات الأزهر الثلاثة. وبدأت أبحث عن مدرسة خاصة أدرس فيها اللغة العربية، وأنا خريج أصول الدين، فيفضلون علي خريجي كلية اللغة العربية، ودار العلوم.

وسرعان ما انجلت تلك الغيوم، وصفت لنا السماء، وتوالت علينا نعم الله تعالى ظاهرة وباطنة، مادية ومعنوية، والحمد لله الذي هدانا لهذا ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (الأعراف: 43).

فاحتفظ يا أخي العزيز بإيمانك، ولا تفقد أملك في الغد لحظة واحدة وثق أن مع اليوم غدًا، وأن غدًا لناظره قريب، وردد معي قول الشاعر: 

ولرب نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعًا وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج

وقال آخر:

واشتدي أزمة تنفرجي *** قد أذن ليلك بالبلج

فانتظر مطلع الفجر، فإن أشد سويعات الليل سوادًا وحلكة هي السويعات التي تسبق بزوغ الفجر. 

ثبت الله فؤادك، وقدميك على الحق، وشرح باليقين صدرك، ويسر لك أمرك، وحل عقدك من فضله، آمين .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 51

92

الثلاثاء 16-مارس-1971

هذا الأسبوع

نشر في العدد 391

88

الثلاثاء 21-مارس-1978

أدب