العنوان اليمين الصهيوني يصطدم بـ «جدار الحقيقة»
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004
مشاهدات 75
نشر في العدد 1584
نشر في الصفحة 24
السبت 10-يناير-2004
● إيهود أولمرت: الوضع الراهن أسوأ الأوضاع.. إنه يسحقنا ويعزلنا عن العالم.
● رئيس الكيان الصهيوني: أنا متشائم وقلق ولا أذكر فترة أشد من الناحية الاجتماعية والاقتصادية مما نحن فيه الآن.. وإذا لم يتم وقف تفاقم الفقر فقد يأتي الانفجار.
● 43% من الأمريكيين يقولون إن «إسرائيل» تشكل خطرا على سلامة العالم و٧٣% يتوقعون هجمات ضد أمريكا بسبب دعمها لـ «إسرائيل».
ليس بالأمر المستغرب صدور تصريحات متشائمة عن زعماء اليسار الصهيوني من أمثال شمعون بيريس، وعميرام متسناع، ويوسي بيلين، وإبراهام بورج، تحذر من مستقبل قائم ينتظر الكيان الصهيوني حال استمر الوضع القائم، وقد يرى فيه البعض انسجامًا مع طروحاتهم الداعية إلى سرعة التوصل لحل سياسي مع الجانب الفلسطيني.
وليس مستغربًا كذلك صدور مثل هذه التحذيرات والتصريحات المتشائمة عن قادة أمنيين أنهوا خدمتهم وأحيلوا إلى التقاعد وباتوا متحررين من القيود الرسمية في التعبير عن آرائهم وقناعاتهم الحقيقية، فهذا ما حصل قبل أسابيع حين حذر أربعة قادة سابقين لجهاز الموساد من خطورة الوضع الذي تعيشه «إسرائيل» وقالوا إنها توشك على الانهيار.
لكن الأمر يغدو مختلفًا تمامًا حين تصدر التحذيرات والتصريحات المتشائمة من قادة اليمين الصهيوني الذين لا يزالون في مواقعهم الرسمية، والذين دأبوا حتى وقت قريب على التصدي بكل قوة لتصريحات رموز اليسار التي أكدوا أنها لا تعدو كونها مجرد أراجيف تضر بمصلحة الدولة وتسهم في إضعاف معنويات الإسرائيليين وقدرتهم على الصمود والتحمل. وهذا ما يعطي أهمية خاصة للتصريحات التي صدرت في الأيام الأخيرة عن بعض رموز اليمين الصهيوني محذرة من خطورة الوضع القائم ومنذرة بمزيد من التراجع والانهيار إن لم يتم تدارك الأمر قبل فوات الأوان أوساط سياسية رأت في هذه التصريحات نقطة تحول مهمة في قناعات اليمين الصهيوني الذي اصطدم أخيرًا بجدار الحقيقة المرة التي حاول طويلًا تجنب مواجهتها.
إنه الوضع الأسوأ
إيهود أولمرت وزير الصناعة والتجارة في حكومة شارون الحالية وأحد أقطاب حزب الليكود الذين كانوا مرشحين للمنافسة على زعامته، أطلق قبل أيام تصريحًا خطيرًا شكل انقلابًا حادًّا في مواقفه وهو الذي كان يعد حتى أسابيع من أشد رموز الليكود تطرفًا أولمرت حذر الإسرائيليين من أنه «لا يوجد لنا وقت غير محدود، الوضع الراهن أسوأ الأوضاع، إنه يسحقنا ويعزلنا عن العالم».
ورافق هذه التصريحات المفاجئة دعوة وجهها أولمرت للانسحاب من طرف واحد من مساحات واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة وتفكيك عدد من المستوطنات، وهو ما جعل أولمرت عرضة لهجوم حاد من قبل زعماء المستوطنين الذين قالوا إنه انقلب على مبادئه وتحول نحو اليسار.
الوقت ليس في صالحنا: وزير العدل الصهيوني وزعيم حزب شينوي تومي لبيد المعروف بمواقفه السياسية المتطرفة رغم أن حزبه يصنف ضمن تيار الوسط، قال إنه تعلم خلال حياته السياسية إدراك أهمية العامل الزمني في العمل السياسي، وأن هذا العامل المهم لعب دورًا رئيسًا في تغيير آرائه وإعادة بلورة مواقفه تجاه الصراع مع الفلسطينيين واختار لبيد أن يوجه تحذيره للقادة الصهاينة حول خطورة المرحلة الراهنة من داخل أروقة مؤتمر هرتزيليا الذي انعقد قبل أيام وحظي باهتمام سياسي وإعلام واسع.
لبيد أطلق صرخة تحذير عالية بأن «الوقت ليس في صالحنا» مؤكدًا أن «هذه الحقيقة تحتاج علينا بذل كافة الجهود المعقولة في أسرع وقت ممكن لوضع حد للحرب وخلق وضع يمكننا العيش في ظله». ولفت لبيد أنظار القادة الصهاينة إلى أن مكانة «إسرائيل» في العالم «تتضعضع يومًا بعد يوم، وإن إلقاء اللوم كله على اللاسامية هو أسهل الحلول.. فمشاهد النساء الفلسطينيات اللاتي يحملن أطفالهن ويمشين في الرمال في طريقهن إلى الحواجز
العسكرية تتغلغل في الرأي العام العالمي مثل قطرات الماء التي تفتت الإسمنت.
قد يأتي الانفجار
وانضم رئيس الكيان اليميني موشيه كتساف إلى قائمة المتشائمين بالمستقبل، وفجر قنبلة تحذيرية من خطورة الوضع الاقتصادي الاجتماعي الذي تعيشه «إسرائيل» في هذه المرحلة، قائلًا: «إن الأزمة الاقتصادية تصل لذروة، ويوجد اضطراب كبير في المجتمع الإسرائيلي، وإذا لم يتم وقف تفاقم الفقر فقد يأتي الانفجار».
لم يكتف كتساف بالتحذير، فالوضع لم يعد محتمل ولم تشهده «إسرائيل» من قبل كتساف قال صراحة: «أنا متشائم وقلق من الوضع الاجتماعي، لا أذكر فترة أكثر شدة من الناحية الاجتماعية مثلما الحال في السنوات الأخيرة، الوضع أخذ في الاحتدام هناك شيء مضلل في المفهوم الاقتصادي لدولة إسرائيل».
القشة التي قصمت ظهر البعير
هذه التصريحات المغرقة في الإحباط التشاؤم تكشف المزاج العام السائد في «إسرائيل» هذه الأيام. وهي تأتي بعد أسابيع قليلة من استطلاعات إسرائيلية للرأي أظهرت أن الشارع الإسرائيلي يائس ومرعوب وفاقد للثقة في المستقبل.
وحين لم يعد قادة اليمين الصهيوني قادرين على إخفاء مشاعرهم الحقيقية وإنكار حجم المأزق الذي تعيشه «إسرائيل» والكارثة التي تنتظرها، فإن الأمر يغدو بالغ الخطورة ويطرح سؤالًا مهمًّا حول طبيعة الأسباب التي استجدت وأوصلت قادة اليمين إلى هذه الحالة من الإحباط والاعتراف لحقيقة المرة.
يمكن أن يشار في هذا السياق إلى تراجع الوضع السياسي والأمني والاقتصادي والنفسي داخل الكيان الصهيوني خلال سنوات الانتفاضة والمبرر لحالة الإحباط التي أصابت اليمين صهيوني. ويمكن الإشارة كذلك إلى وصول المؤسستين الأمنية والعسكرية إلى قناعة بعدم إمكان حسم الصراع مع الفلسطينيين من خلال القوة العسكرية، كدافع مهم آخر وراء تلك الحالة.
لكن تطورًا بالغ الأهمية كان سببًا مباشرًا في اعتراف قادة اليمين بحجم الكارثة التي تعيشها «إسرائيل»، يتعلق بتدهور خطير طرأ على صورة «إسرائيل» في العالم، وهو ما عبرت عنه بوضوح تصريحات أولمرت ولبيد حول عزلة «إسرائيل» وتضعضع مكانتها الدولية.
وإذا كان استطلاع الرأي الرسمي الذي أجراء الاتحاد الأوروبي قبل أسابيع في عدد من الدول الأوروبية وأظهر أن غالبية الأوروبيين (٥٩%) يرون في «إسرائيل» الخطر الأكبر الذي يهدد الأمن والسلام العالمين، قد دق ناقوس الخطر في الكيان الصهيوني، فإن استطلاع الرأي الذي أجراه معهد بوسطن الأمريكي قبل أيام كان القشة التي قصمت ظهر البعير.
فقد اعتبر ٤٣% من الأمريكيين أن «إسرائيل» تشكل خطرًا على سلامة العالم، وقال ۷۳% منهم إن «إرهابيين» سيهاجمون الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية دعمها لإسرائيل. وعلق رئيس جمعية مناهضة التشهير إيف فوكسمان على نتائج الاستطلاع بقوله «إن الأمر لم يكن مفاجئًا، فالأوروبيون أعربوا عن اعتقادهم بأن إسرائيل هي الدولة التي تشكل أكبر خطر على العالم».
والسؤال الذي تطرحه أوساط سياسية إسرائيلية هذه الأيام هل يمكن تغيير هذه الصورة السيئة لإسرائيل في العالم الغربي؟
الحكومة الصهيونية عقدت اجتماعًا خاصًّا للإجابة عن السؤال، وخلال الاجتماع شاهد الوزراء تقريرًا تلفزيونيًّا تضمن بضعة مقاطع بثتها محطات تلفزة عالمية تظهر حجم القمع الوحشي الذي يمارسه الجيش الصهيوني بحق الأطفال الفلسطينيين، ومن بين تلك المقاطع مشهد جرافة إسرائيلية ضخمة تدفع كومة من التراب وبضعة أطفال فلسطينيين.
شارون كان أول المعلقين على العرض وقال بيأس: «ببساطة لا يمكن تفسير مثل هذه الصور التي تنشر في العالم. هذه ليست دعاية الصحفيون يبثون ما يصورون، وحتى لو شرحنا ألف مرة فلن نتمكن من أن نشرح تعاملنا مع بطفل فلسطيني بكف جرافة».
وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم قال إن الإعلام عنصر إستراتيجي في السياسة الخارجية لإسرائيل، واقترح إنشاء مجلس جماهيري يقدم توصياته الإعلامية لوزارة الخارجية لتحسين صورتها الإعلامية في العالم. كما اقترح تجنيد عملاء إعلاميين للمساعدة في تحقيق هذه المهمة، وقال شالوم: «مثلما يجري تجنيد جنود الاحتياط ينبغي تجنيد رجال إعلان وإعلام لصالح الإعلام الإسرائيلي».
ولكن هل يستطيع الإعلام، مهما أوتي من قوة إنقاذ دولة الكيان الصهيوني من ورطتها السياسية والأخلاقية وتحسين صورتها البشعة، أم أن استمرار احتلالها وسياساتها القمعية بحق الشعب الفلسطيني سيفجر ضدها المزيد من مشاعر العداء في أوروبا وأمريكا وبقية دول العالم؟