; أنا ونحن | مجلة المجتمع

العنوان أنا ونحن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992

مشاهدات 48

نشر في العدد 1012

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 18-أغسطس-1992


أنا.. ونحن

بقلم: أبو حازم

 

عفوًا.. عزيزي القارئ:

 

فإني لا أعالج موضوعًا نحويًا.. فلا يغرنك العنوان، ولكن الحديث سيدور حول منهجين في الحياة يتحكمان في رقاب العباد. وهما وإن كانا في الظاهر نقيضين، فهما في الماهية سواء، هذا يدور حول أنانية الفرد «أنا» وذاك يدور حول أنانية الجماعة «نحن»، والرابط «المقدس» بينهما هو الأنانية تحت أي شعار رُفع.

 

أنا الفرد: لها في الغرب صولة وصولجان، وحكم وسلطان، ومذابح يجلس على حافاتها السدنة والرهبان، وأنصاب تحوطها هالة من التقديس، فالويل لمن رشها بعطر لم تمجده يد قديس أو تمتمات مُبارك فانٍ.. فقد انتهكت الحرية الشخصية الذبيح الذي صلب نفسه ليروي بدمه شجرة السعادة الأبدية على هذه الأرض الزائلة.

 

وإن مددت بصرك إلى الجانب الشرقي من صفحة الحياة، تجد «نحن» جاثمة فوق صدر «أنا» الحبيسة في القمم، كبلها «لينين» وأوثقها بالطلاسم، فإن صدرت عنها أنّة نُصبت لها مقصلة النقمة، وطويت أخبارها في عتمة التاريخ المحفور في صدر «ديناصور» انقرض مع الغابرين، وطواه الزمن.

 

يا ويح «نفخة الروح» العلوية كيف جارت عليها كتلة الطين، فسحقتها، فهي تنقلب بين نارين، الشرر منها «شراك» من نار يغلي منه الدماغ، فهي تُرمى في الحقيقة من قوس واحدة، وإن تنكرت في أزياء مختلفة، وصدق الهادي البشير حين قال: «ملة الكفر واحدة»، والعداء بينهما أبدي سرمدي، ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم.

 

وكيف الانسجام بين نفخة الروح الطاهرة المقدسة، وبين حمأة الطين النتنة، وهما نقيضان متلازمان.. لا حياة لأحدهما بعيدًا عن الآخر.. ولا طلاق إلا بالفناء. وما داما في حالة امتزاج، ولكل خصائصه وحوائجه، فلابد لحسن الجوار من التعامل مع كلا الجانبين بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر فـتشيل كفة وتهبط أخرى، فإذا كان التوازن، استقر الوضع واستقام العود: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء 20)، ثم «نضع الموازين القسط» ونرصد الحركات ونحاسب على التجاوزات «فلا تظلم نفس شيئًا». هذا هو المنهج الذي وضعه «الحكيم الخبير» فهو «يعلم من خلق» ويصف له ما يصلحه.

 

إن «أنا» الدكتاتور المبجل في الغرب، يقابله «نحن» المستبد في الشرق، ولا ينفك مجتمع بشري من وجودهما، وكل يعزز سلطانه، ويعد للخصم أدواته، والكائن البشري هو المهدور الدم، والحياة هنا وهناك عرجاء مشلولة، فلا توازن في المسير، ولا تناسق في الخطى.

 

هناك حقيقة تصرخ في أعماق كلا المنهجين، كل يحاول كبرًا أن يُصم أذنيه فلا يسمع أن الجماعة «نحن» يستحيل وجودها بغير «أنا» الفرد فهو المكون لها، وأن «أنا» الفرد عاجز عن البقاء إذا لم يعش في ظل «نحن». ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ ﴾ (الحجرات – 13) «الأنا» ﴿وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ﴾ «نحن» ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ﴾ وهو الفرد الممثل «أنا» هو «أتقاكم»، الأتقى في نفسه ولكنه منسوب للجماعة «نحن» ومنتزعًا منها. فهنا منذ نشأة الخليقة فردية تتفيأ ظلال الجماعة وتتحدث باسمها، فلا تداخل بين الحدود المرسومة، ولا افتئات على الحقوق المقدرة «كل نفس بما كسبت رهينة»، وفي نفس الوقت «ومن شذ شذ في النار».

 

ومن ألطف ما يمكن أن يوجه إلى الفكر أن أركان الإسلام كلها فروض «عين» تطالب بها «أنا» وتحاسب عليها، ولكن في ظل الجماعة وسلطانها، فمثلًا فريضة الصلاة، لا تفارق المسلم ولا تسقط عنه بحال ما دام يتمتع بنعمة العقل، ولكنه حين يؤديها يكون فيها لسان حال «الجماعة»، والمتحدث باسمها، فحين يقرأ «الفاتحة» ويعلن الإقرار التام بالعبودية، يقول «إياك نعبد» ولم يقل «أعبد»، وحين يطلب الخير والهداية يقول «اهدنا الصراط المستقيم»، ونتساءل أين ذهبت شخصية «أنا» المكلفة بالصلاة؟ لقد ذابت في روح الجماعة وعبرت عنها. وحتى ثواب الصلاة فهو مع الجماعة يفضل صلاة «الفرد» بسبع وعشرين درجة.

 

إن الإسلام جاء ليعبد الفرد في كنف الجماعة، ويعيش روحها حتى في أحرج الأوقات.. حين وقف موسى عليه السلام وأتباعه على شاطئ البحر – وغشيهم فرعون وجنده – صرخوا مُهللين «إنا لمدركون» فقال لهم نبيهم «كلا إن معي ربي سيهدين» ولم يقل «معنا». وأما رسول الإسلام حين كان في الغار مع صاحبه أبو بكر الصديق قال عليه السلام «لا تحزن إن الله معنا».

 

وكان الإسلام لا يمجد هذه «الأنا» ويحذر من تجاوزاتها، ولأمر ما، فإن «أنا» في تلاوة القرآن لا تمد وإن تبعتها «همزة القطع»، بل يرسم عليها الصفر المستطيل فتضمر في الوصل ولا تبين.. ألا يوحى ذلك إلى أن الله لا يريد تعظيم «الأنا» الإنسانية فتتضخم على حساب «نحن» وتكون الطامة الكبرى.

 

الرابط المختصر :