; هزة الشيخوخة تضرب العالم | مجلة المجتمع

العنوان هزة الشيخوخة تضرب العالم

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 01-يوليو-2006

مشاهدات 95

نشر في العدد 1708

نشر في الصفحة 38

السبت 01-يوليو-2006

  •  هل يقوم الأبناء بواجبهم تجاه الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف؟
  •  إحصاءات الأمم المتحدة: العالم يتقدم في السن.. خلال نصف قرن كبار السن يزدادون من ٦٠٠ مليون إلى ملياري نسمة.
  •  في بريطانيا.. أكثر من «16» ألف دار لرعاية المسنين بها حوالي نصف مليون مسن وتكلف الدولة 8 مليارات جنيه إسترليني في العام.
  •  ثلاثة أرباع سكان العالم المسنين سيعيشون في البلدان النامية بعد أقل من ثلاثين سنة.

تخيل نفسك وقد اشتعل رأسك شيبًا، وبلغت من الكبر عتيًا ورحل الأولاد والبنات من بيت الأسرة بعيدًا كل في طريق، ومات شريك العمر، وبقيت وحدك.. ليس لك ونيس إلا القرآن الكريم، ولا سمير إلا شريط الذكريات الحلوة والمرة، هذا الولد يتنغم بالكلمة الأولى، وهذه البنت وأنت تمشي بها لأول يوم إلى المدرسة ضحكاتهم وأنت تداعبهم، وبكاؤهم وهم يريدون أن تأخذهم معك عند خروجك من البيت دموعك وكأنك تحسها الآن عند مرضهم، وسفرهم، أو في احتفال تخرجهم وزفافهم. 

بالرغم من كل هذه المعاناة، هل تبقى في البيت وحدك . إذا أبقوك فيه - أم تلتحق بدار المسنين - إذا لم يكونوا قد ألحقوك؟ هل سيبقى لديك مال لدواء القلب والضغط والسكر والتهاب المفاصل ومرض الرعاش وتضخم البروستاتا والطعام وطاقم الأسنان، والسماعة الطبية ونظارة القراءة، والعصا التي تتوكأ عليها، بعد أن أنفقت جله على أولادك، أم أن مالك قد وزع على ورثتك وأنت حي؟ أم أن الدولة تضمن ذلك معاشك لأنها عرفت وخططت وتضيف إلى معاشك ما يكفل لك الحياة الكريمة؟ أم أنك تتمنى ألا ترى نفسك في هذا الوضع، فتلقى الله قبل أن ترد إلى أرذل العمر أم أن حديث رسول الله ﷺ «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة» (الترمذي) سيدعوك إلى الأمل والعمل؟ 

إحصاءات الأمم المتحدة «۱» تستخدم عبارات مثل «هزة شيخوخة ديموجرافية ونظام سكاني دولي جديد» لوصف النمو المذهل للسكان المسنين في العالم. إنه التحول الديموجرافي التاريخي من حالة تتسم بارتفاع معدلات المواليد والوفيات إلى حالة تتميز بانخفاض معدلات المواليد والوفيات، مما سيؤدي إلى تساوي حصة كبار السن مع حصة الصغار في مجموع تعداد السكان. 

إن العالم يتقدم في السن، ففي الخمسين سنة القادمة، سوف يزداد عدد كبار السن نحو أربعة أضعاف، إذ يزدادون من نحو «600» مليون نسمة إلى بليوني نسمة تقريبًا، واليوم بلغ سن الستين وأكثر واحد من كل عشرة، وبحلول عام «2050» سيكون هناك واحد من كبار السن بين كل خمسة أشخاص. وبحلول عام «2150» من المتوقع أن يبلغ ثلث سكان العالم ستين سنة من العمر أو أكثر. 

وتعد شيخوخة سكان العالم مدعاة للقلق لدى كل فرد ولدى جميع الأجيال في شتى البلدان، تستوي في ذلك والبلدان النامية والبلدان المتقدمة وهذا التحول في تركيبة السكان ستنجم عنه نتائج عميقة الأثر لكل جانب من جوانب الحياة، سواء بالنسبة للأفراد أو المجتمعات. وترجع الأسباب في ذلك إلى أن القرن العشرين شهد إطالة تاريخية لمدة حياة الإنسان، فعلى امتداد السنوات الخمسين الماضية، ازداد العمر المتوقع عند الولادة عالميًا على نحو تدريجي حوالي «20» سنة ليصل إلى ٦٦ سنة، بفضل التقدم الذي شهدته المعارف والتكنولوجيا الطبية ويجتاز الآن حوالي مليون شخص عتبة الستين عامًا كل شهر «٨٠٪ » منهم في البلدان النامية والشريحة الأسرع نموًا بين السكان المسنين هي شريحة الأشخاص الأكثر تقدمًا في السن، أي في سن الثمانين فما فوقها، ويبلغ عددهم «70» مليونًا، ويتوقع أن يزيد عددهم خمس مرات على امتداد السنوات الخمسين القادمة، والمسنات يفقن المسنين عددًا وعلى نحو متزايد في المراحل المتقدمة من السن. ويقدر اليوم أن هناك «81» رجلًا مقابل كل «100» امرأة فوق سن الستين وتنخفض هذه النسبة عند سن الثمانين وما فوق إلى «53» رجلًا مقابل كل «100» امرأة.

استعدادات خاصة 

أما البلدان النامية فتجد أن هزة الشيوخة الفعلية على وشك أن تصيب البلدان النامية، حيث سيشيخ السكان بسرعة في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، ويتوقع أن تزيد نسبة المسنين من إلى «21%» بحلول عام «2050» بينما ستنخفض نسبة الأطفال من «23 إلى ٢٠٪» وهذه الأرقام مذهلة في حد ذاتها، والذي يؤكد ذلك النمط السريع لعملية الشيخوخة، وأن ثلاثة أرباع سكان العالم المسنين سيعيشون في البلدان النامية بعد أقل من ثلاثين سنة، وانكماش الموارد في البلدان النامية ينذر بمشكلة كبيرة.

والدول العربية والإسلامية ليست بمنأى عن ذلك، والجدول رقم «1» يبين نسبة السكان من عمر «60» سنة فأكثر في البلاد العربية، ومقارنتها ببعض المناطق الرئيسية في العالم «۲». ويلاحظ أن النسبة المتوقعة قد تحققت أصلًا في بلاد أوروبا، فهل استعدت أوطاننا قوميًا، واجتماعيًا، وأخلاقيًا لذلك الزلزال الكبير؟ 

إن إجراءات كثيرة مطلوبة الآن في مجالات الصحة والتغذية، وحماية المستهلكين المسنين والإسكان والبيئة المعيشية والأسرة والرفاه الاجتماعي. وتأمين الدخل، والعمل والتعليم. والأهم من ذلك كله الرجوع إلى أخلاق الإسلام الاجتماعية العظيمة. 

أم أن البعض يرى أن الحل هو فقط في بناء ملاجئ ومصحات ودور للمسنين يحرم الأولاد فيها الإنسان من دفء الأسرة، وبر الأولاد، وتنزع عادة منه الاستقلالية والكرامة وتحقيق الذات. وكم قرأنا عن أمثلة لحالات آباء وأمهات ألقوا في دور المسنين!

لعلهم لم يسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن، غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» (أبو داود).

جدول «۱» 

نسبة المسنين الآن والمتوقعة 

الدولة نسبة المسنين عام ۲۰۰۲  نسبة المسنين عام ۲۰۰۲ 

 البحرين              

العراق 

الأردن 

الكويت  

لبنان 

فلسطين 

عمان  

قطر 

السعودية

سورية  

الإمارات

اليمن 

الجزائر 

مصر 

ليبيا 

المغرب  

السودان 

تونس

أوروبا الشرقية 

شمال أوروبا

جنوب أوروبا  

الولايات المتحدة 

الصين 

اليابان


5

5

5

5

9

5

4

4

5

5

6

4

6

6

6

6

6

8

20

21

22

16

10

24

25

15

16

26

25

10

10

21

13

18

27

5

22

21

21

21

14

25

37

34

40

27

30

42

 ارتفاع الأعمار 

أما في بريطانيا فيوجد أكثر من «16» ألف دار لرعاية المسنين، تؤوي حوالي نصف مليون مسن، يصرف عليها «8» مليارات جنيه إسترليني في العام ومتوسط من الذكور فيها «83» سنة. والإناث «85» سنة. 

وقد تم بحث أسباب انتقال كبار السن إلى دور المسنين، وكانت النتيجة كما في جدول «2» مرجع«4»، والحق أن الدولة تعمل ما في وسعها، فالعلاج مجاني لكل من بلغ الستين مهما كان دخله، والدور أيضًا مجانية، إلا ما حدث أخيرًا من بيع بيوت كبار السن - لمن لديه ما قيمته أكثر من عشرين ألف جنيه - حتى يصرف من قيمتها على المأوى الجديد.

والمشكلة في بريطانيا هي ارتفاع الأعمار نظرًا للرعاية الصحية العالية مع كثرة الأمراض النفسية التي لا يؤمن على المصابين بها العيش معًا، وكذلك اليأس الذي يرجع إلى الخواء الروحي، وعدم التطلع إلى حياة آخرة خير وأبقى كما هو الحال لدى المسلم، كذلك الضغوط النفسية على الراعي حتى لو كان من الأقرباء، فيحبط في النهاية، لأن منظومة الحياة في عمومها منظومة مادية، وأخلاق البر والإيثار والصبر والتضحية، لا يعطى في مقابلها مال. والخوف كل الخوف على مجتمعاتنا أن يصل إليها العقوق الفردي، بعد أن حدث العقوق القومي في كثير منها، فلا توفر الدولة الرعاية المطلوبة للمسنين ولا تخطط لذلك، أما عقوق الأبناء والأقارب فمؤلم ومرير يحتاج تغييره إلى عطاء تربوي وإعلامي يعيد «لمة» الأسرة و«بيت العائلة» الكبير الذي يجتمع فيه الأبناء والأحفاد واحترام الأبوين.

ولعلمها بأبعاد المشكلة فقد أعلنت الأمم المتحدة المبادئ الآتية المتعلقة بكبار السن «3» الاستقلالية: الحصول على ما يكفي من الغذاء والماء والمأوى والملبس والرعاية الصحية وإيجاد فرصة العمل مدرة للدخل. 

المشاركة: ينبغي أن يظل كبار السن مندمجين في المجتمع، وأن يشاركوا بنشاط في صوغ وتنفيذ السياسات التي تؤثر مباشرة في رفاههم، وأن يقدموا للأجيال الشابة معارفهم ومهاراتهم، والعمل كمتطوعين في أعمال تناسب اهتماماتهم وقدراتهم. 

الرعاية: ينبغي أن يستفيد كبار السن من رعاية وحماية الأسرة والمجتمع المحلي وفقًا لنظام القيم الثقافية للمجتمع والانتفاع بالرعاية المؤسسية التي تؤمن لهم الحماية والتأهيل والحفز الاجتماعي والذهني في بيئة إنسانية ومأمونة. 

تحقيق الذات: ينبغي تمكين كبار السن من التماس فرص التنمية الكاملة لإمكاناتهم، والاستفادة من موارد المجتمع التعليمية والثقافية والروحية والترويحية. 

الكرامة: ينبغي تمكين كبار السن من العيش في كنف الكرامة والأمن، ودون خضوع لأي استغلال أو سوء معاملة جسديًا أو ذهنيًا، وأن يعاملوا معاملة منصفة، بصرف النظر عن عمرهم أو نوع جنسهم أو خلفيتهم العرقية أو الإثنية أو كونهم معوقين أو غير ذلك.

 أين الأولاد؟

 قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23)

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24)

إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات. وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين فإذا هما شيخوخة فانية - إن أمهلهما الأجل - وهما مع ذلك سعيدان! 

فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ويندفعون بدورهم إلى الأمام إلى الزوجات والذرية.. وهكذا تندفع الحياة. ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء إنما يحتاج الأبناء إلى استجاشة وجدانهم بقوة ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف. 

جدول «2»

 أسباب الالتحاق بدور المسنين 

أسباب الالتحاق بدور المسنين فى بريطانيا

«المسن أعطى أكثر من سبب» 

%

مشاكل صحية بدنية                                                                                                                                                         69

شاكل نفسية                                                                                                                                                                  43                                                                                      

إعاقة في وظائف الجسم                                                                                                                                                 42

ضغوط على الراعي                                                                                                                                                        38

اليأس                                                                                                                                                                            22

عدم صلاحية  المنزل                                                                                                                                                       15

تفكك الاسرة وانعدام الراعي                                                                                                                                             8 

الحاجة الى النقاهة                                                                                                                                                          6

الخوف من الجرائم                                                                                                                                                          4

الاعتداء على المسن او المسنة                                                                                                                                        2

العزلة والوحدة                                                                                                                                                               2

بدون مأوى                                                                                                                                                                    1



المراجع                           


(1) UN Programme on Ageing www.un.org/esa/socdev/ageingAgeing of the World's Population: A 

(2) Demographic Revolution, The UN Division for Social Policy and Development 

http://socioeconomic.unep.net/index.php?struct_id=population 

(۳) الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بكبار السن (القرار ۹١/٤٦) ديسمبر ۱۹۹۱ 

 www.un.org (4)

Care homes for older people in UK. A market Study. My 2005. 

(4)www.oft.gov.uk                                                                       

الرابط المختصر :