العنوان حبر الأمة وترجمان القرآن (۱من ۲) عبد الله بن عباس رضي الله عنه.. اجتمع له مجد الصحبة والقرابة والعلم والتقى
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002
مشاهدات 93
نشر في العدد 1510
نشر في الصفحة 56
السبت 20-يوليو-2002
وليد مسلمي
من البدور الزاهرة التي اكتمل هلالها على عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكواكب النيرة التي اقتبست نورها من شمس الإسلام: الصحابي الجليل حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه, الزهرة الندية الغلام اليافع الذي توفي النبي صلى الله عليه وسلم, ولما يتجاوز الثالثة عشرة من عمره لكنه على سبيله سار، وعلى طريقه اقتفى، فكان عَلمًا من أعلام الأرض، رفع الله ذكره في العاملين, وجعله منارة من منارات العلم والهدى تشرئب إليها أعناق كثير من عباد الله المؤمنين.
لعلَّنا في هذه الإشارات حول نُتف من حياته- رضي الله عنه- تظهر جُملًا لم يكُن ليسطرها غير عبد الله بن عباس ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك الشاب الذي وعى منهج نبيه فالتزمه فكرًا وواقعًا، وعرف قدر العلم فسعى إليه حتى انتهي فيه إلى مقام كريم، وعلم أن هناك حسابًا فاستعد، ومأبًا فتزود، ورحيلًا فهيَّأ المنزل.
أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم...الصحابي الجليل العالم العامل, قدوة الشباب وأسوة العلماء رضي الله عنه وأرضاه.
»هذا الصحابي ملك المجد من أطرافه فما فاته منه شيء, فقد اجتمع له مجد الصحبة, ولو تأخر ميلاده قليلًا لما شُرِّفَ بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومجد القرابة فهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم.
ومجد العلم فهو حبر أمة محمد وبحر علمها الزاخر.
ومجد التقي فقد كان صوَّامًا بالنهار، قوَّامًا بالليل، مستغفرًا بالأسحار، بكاءً من خشية الله حتى خدد الدمع خديه..
إنه عبد الله بن عباس رباني أمة محمد، أعلمها بكتاب الله وأفقهها بتأويله، وأقدرها على النفوذ إلى أغواره، وإدراك مراميه وأسراره»([1]).
ولا عجب فهو من الذين ربتهم اليد النبوية، وهو من الفسائل التي نبتت في بيت النبوة، الذي يقول لخالته أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها: أريد أن أبيت عندكم- يعنيها ورسول الله- فتقول: كيف وما لنا غير فراش واحد؟ فيقول: «لا حاجة لي في الفراش, أما الوسادة فأضع رأسي بين رأسيكما»، ما هي رغبة النوم ولكنه الشغف بالملازمة والحرص على إدراك البركة، فلما علم ابن عمه من زوج خالته رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال: «هذا شيخ قريش».. هذا ابن عباس صاحب المجد المؤثل.. وقد يدرك المجد المؤثل أمثاله.
عبد الله بن عباس الفتى الهاشمي من أکرم منزل وأشرف قبيلة، سليل المجد والمجد سليله، كان مع حسن خُلُقه حسن الخِلقة، وسيمًا جميلًا، مديد القامة، كامل العقل، ذكي، نفس من رجال الكمال.([2])
وعن سعيد بن سالم قال: حدثنا ابن جريج فقال: «كنا جُلوسًا مع عطاء في المسجد الحرام، فتذاكرنا ابن عباس، فقال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلا ذكرت وجه ابن عباس.([3])
وقد كان ابن عباس رضي الله عنه طيب الرائحة.. يفوح منه المسك كأنه فيه خلقة.. كان له رضي الله عنه جمال الخُلُق وجمال الخِلقة وجمال المسك.
عن عكرمة قال: «كان ابن عباس إذا مَرَّ في طريق قالت النساء: أَمَرَّ المسك أم مَرَّ ابن عباس؟».([4])
ابن عباس رضي الله عنه كان جمالًا في الاحتمال، حتى لباسه رضي الله عنه زينه السير على السنة واتباع الطريقة..
ولم يكن ذلك الفتى الهاشمي العزيز النسب من أهل المَخيلة والتكبر، ولم يكن ليأخذه التعاظم أو الخيلاء، وهو نتاج تربية محمد صلى الله عليه وسلم القائل: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة لا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده».([5])
وعن عثمان بن أبي سليمان أن ابن عباس كان يتخذ الرداء بألف درهم.([6])
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (النحل:32).
وكان ابن عباس رضي الله عنه أفقه القوم لكتاب الله.. فقد قال رضي الله عنه فيما أخرجه البخاري عنه: «كل ما شئت وألبس ما شئت ما خطأتك خصلتان: سرف ومَخيلة».([7])
فلا عليك أن تقتدي بحبر هذه الأمة فتكون لك حُلة ثمينة تصلي فيها، ورداء غالٍ تناجي فيه ملك الملوك.
شخصيته تكتمل بجمال خُلقه وخَلقه وقوة قلبه وتصوره السليم للكون والحياة
وُلِدَ ابن عباس رضي الله عنه قبل الهجرة بثلاث سنين في الشعب، ومع تقدم إسلامه رضي الله عنه إلا أنه لم يُتَح له أن يهاجر إلا قُبيل فتح مكة, وذلك بعد أن أسلم أبوه فهاجرا معًا رضي الله عنهما وأرضاهما.([8])
وتكتمل شخصية ابن عباس رضي الله عنه بجمال خَلقه وجمال خُلقه, وتصوره السليم للكون والحياة والإنسان ثم بقوة قلبه، وبلوغه مبلغ الرجال ولا يزال صغيرًا.. «ولقد بايعه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بعد صغير لم يبلغ الحلُم، وفي هذا ما فيه من أخذ العهد على الصغار أن يلتزموا أوامر ربهم ويدافعوا عن عقيدتهم كما يؤخذ ذلك على الكبار من رجال ونساء سواء بسواء».([9])
هكذا: ما إن بلغ ابن عباس رضي الله عنه هذه السن حتى مد يده مبايعًا منضمًا إلى تلك الجماعة المؤمنة ليُعلِّمنا أنه لا يستطيع أحد أن يبقي وحده منفردًا، وإن كان على الإسلام فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة».([10])
ولقد حقق رضي الله عنه بمبايعته للنبي صلى الله عليه وسلم مبدأ الانعزال الذي فهمه بعد قرون أحد فقهاء الدعوة، فقال: «أول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية تصورًا ومنهجًا وعملًا».([11])
فقه العبودية ولذة الحرية
ممن نال سعادة الحرية ولذة العبودية الحبر البحر عبد الله بن عباس رضي الله عنه، بل كان من أولى الناس بكثرة العبادة والإعراض عن الدنيا، فتربيته الأولى بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمه الغزير وعقله الراجح كل أولئك يقضي بأن يكون على الحالة التي كان عليها.([12])
تلقاك من عبادة ابن عباس صورة فريدة تنبئك عن عظم تعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم .. هذه العبادة التي أمرنا بها.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الحجرات: 2).
حدث عن نفسه فقال: «همَّ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بالوضوء ذات مرة فما أسرع أن أعددت له الماء فسُر بما صنعت، ولما همَّ بالصلاة أشار أن أقف بإزائه فوقفت خلفه فلما انتهت الصلاة مالَ على وقال: ما منعك أن تكون بإزائي يا عبد الله؟ فقلت: أنت أجَّلُ في عيني وأعَّزُ من أن أوازيك يا رسول الله، فرفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم آتِه الحكمة».([13])
مدرسة الليل: سجود المحراب واستغفار الأسحار, صورة مشرقة من صور عبادة ابن عباس رضي الله عنه، فتمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون، فمِن ثم كانت مدرسة الليل، وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ, وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: 17-18).
وإنها حقًا لمدرسة, فيها وحدها يستطيع رجالها أن يذكوا شعلة حماستهم، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية.([14])
ومن تلاميذ تلك المدرسة النجباء الفتي الهاشمي عبد الله بن عباس رضي الله عنه، فعن ابن أبي مليكة: «صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة فكان يصلي ركعتين فإذا نزل قام شطر الليل, ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثِر في ذلك من النشيج والنحيب».([15])
وكان رضي الله عنه من أجمل الناس وأصبحهم وجهًا، فما زال يبكي في جوف الليل من خشية الله حتى أحدث الدمع الهتون في خديه مجريين شبههما بعضهم بشراكي النعل.([16])
وعن أبي رجاء رضي الله عنه قال: «كان هذا الموضع من ابن عباس «مجرى الدموع» كأنه الشراك البالي».([17])
إن شباب الدعوة اليوم في حاجة إلى هذا الشراك البالي على الخدود؛ لأنه هو النور الساطع حين تخيم حنادس الظلام أو تبرك شوارد الفتنة.
الهوامش
[1]) ) صور من حياة الصحابة, (عبد الرحمن الباشا) ص 174
([2]) سير أعلام النبلاء, (الإمام الذهبي), 3/333
[3]) ) سير أعلام النبلاء, 3/336-337
[4]) ) عبد الله بن عباس, (مصطفى الخن)، ص ۳۱
[5]) ) أخرجه الإمام أحمد, انظر تفسير ابن كثير 2/219
[6]) )عبد الله بن عباس 30
([7]) تفسير ابن كثير 2/ 219
[8]) ) صور من سير الصحابة, (عبد الحميد السحيباني), ٥٩٥
[9]) ) صور من سير الصحابة ٥٩٦
[10]) ) أخرجه الترمذي: كتاب الفقه، باب ما جاء في لزوم الجماعة (٤٦٦٤٦٥)
[11]) ) في ظلال القرآن, (سید قطب) ٦/3992
([12]) ابن عباس مؤسس علوم العربية, (أ.د. عبد الكريم بكار), ۱۳
([13]) صور من حياة الصحابة ١٧٥، ١٧٦
([14]) الرقائق (محمد أحمد الراشد) ۳۱
([15]) نزهة الفضلاء, (د. محمد حسن الشريف), 1/391-392
[16]) ) صور من حياة الصحابة, ١٨٥
([17]) عبد الله بن عباس