; الصغار يصنعون حكايات للكبار | مجلة المجتمع

العنوان الصغار يصنعون حكايات للكبار

الكاتب محمد عادل عقل

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000

مشاهدات 72

نشر في العدد 1425

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 07-نوفمبر-2000

هزت مناظر الدماء المسفوحة على مذبح الوطن الفلسطيني الطفلة المصرية نادية مبروك فانطلقت إلى الحدود مع فلسطين لتشارك في انتفاضة الأقصى وتدخل سجل الخلود الذي خطه «أطفال الحجارة»، ومثلها الطفل اليمني الذي تبرع بمصاغ والدته دون علمها كطريقة وحيدة ليعبر عن تضامنه مع أبناء جلدته..

أما أطفال فلسطين فقد ذاقوا طعم الشهادة وأصبحوا شهودًا على أمة بأكملها من الماء إلى الماء.. يصطفون أمام استوديوهات التصوير ليلتقطوا صورًا ربما يحتاجها شعبهم إذا ما فجر صهيوني جبان قذيفة أمريكية في رأس أحدهم ليصنعوا له فيما بعد «بوستر» ينعون فيه الشهيد البطل.. آخرون منشغلون بكتابة الوصية.. الهوية الوطنية.. تلك حكاية محمد وإياد وسارة، وآلاف الأبرياء المحتشدين يغرسون في أفئدتهم أن حماية الوطن من الإيمان.. هم وحدهم عرفوا أن أشجار الوطن لا تنبت إلا بالدم.. هذا قدرهم أن يحكوا للكبار حكايات عن طفل غادر بيته ليتقدم لامتحان.. أكثر كبارنا رسبوا.. أما هو فإنه حادي قوافل الدم.

أسمعتم حكاية يتلوها الصغير لينام على ألفاظها الكبار؟

ألم تشاهدوا يومًا أطفالًا.. تفزعون ولا يفزعون.. ألم تأتكم أنباء طفل خلع حقيبته واندس بين المنتفضين ليقول لهم: أنا لست بأقل منكم.. دعوني أرمي حجرًا.. أزرع في الأرض لهيبًا.. أصعد إلى السواري لأحط عنكم علم الهزيمة، وأستنبت لكم زيتونًا أحمر ونخيلًا.

دعوني أكتب في سفر التكوين عن فتى أرعب جند المحتلين بقبضة قوية إلا من اليقين...

أنا لا أطلب منكم رصاصًا وبارودًا.. لا أطلب سوى مقلاع وبعض الحجارة.. انطلق كالسهم يقارع.. لم يأبه لطوابير المتوارين من حجارة سجيل.. كان عرقه يتصبب حارًا على الجبين كأنه في تنور.. لم يأبه لتحذير ولا لصرخات المنتشرين خلف براميل الطرقات.. كان يحلم بفلسطين.. ويعرف عن سابق إصرار وترصد أن المهر ثمين.. لم ينس حكايات القسطل وعين جالوت وحطين.. وما زال ينظر إلى السعدي قسام والحسيني وكأنه يراهم رأي العين.. ففي ذكراهم تسلية للمحبين المقبلين على معين البطولة التي يصنعها شعبه العظيم.. لم يفهم بعد حكمة العقلاء في القمة العربية، ولم يرتق بعد إلى مصاف الواقعيين، هو يسمع مرارًا عن موازين القوى فحدث نفسه: لم لا أصنع ميزاني بنفسي وأستغني عن موازين سواي.. هو لا يفهم سوى وزن الحجارة في كفه الصغير.. كل أن يحطم رأس علج من علوج يهود، ويستمتع كثيرًا جدًا بمشهد جنود الاحتلال البغيض وهم يتراكضون نجاة بأنفسهم من حجارته الموزونة على القوة الخاصة.. كان يؤكد لزملائه في الصف الثامن أنه سيكبر قبلهم ولن يمر العام القادم حتى يترفع إلى التاسع أو العاشر.. قال لهم أنا سأنجح في الامتحان قبل أن يعقد، وستكون علامتي الأعلى وسيضعون اسمي على لوحة الشرف، وسترون أني أكبر بسرعة.. في اليوم التالي كانت الجموع أشد في موكب مهيب..

يحملون الفتى الكبير على الأكف وحولهم نساء عرفن كيف يزغردن.. كان الفتى فوق الجميع «انتهى المقطع الأول».

الفلسطينيون يكسبون الحرب السكانية

غزة.. 2175 مولودًا بينهم 320 محمدًا منذ بدء الانتفاضة.

3800 طفل مصري باسم «محمد الدرة» في ثلاثة أيام وسارة ودرة للبنات.

يتميز الشعب الفلسطيني المرابط في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس بأنه شعب يتوالد بنسب تخالف خطط المنظمات الدولية التي تسعى جاهدة للحد من نسل العربي والمسلم فقط، أما نسل اليهود فلا احتجاج على تزايده السرطاني، من هنا ومن خلال قدر المواجهة مع ألد أعداء الإنسانية استوعب الفلسطينيون أن المعركة تحتاج للكثير من فلذات أكبادهم.

جنازات يومية في الشوارع.. أجساد طرية لم تر طعمًا أو لونًا للحياة تُوارى الثرى.. رجال يبكون أمهات يبتلعن حسرة لا نهاية لها وسط آهات وعذابات تتجرعها قلوب تتمزق حزنًا وألمًا وفي المقابل صرخات مواليد جدد تستجدي هواء في حياة تنتظرهم فيها آلة قتل صهيونية تقصف أرواحهم، تستمر المعركة بين الرحم والرصاص.. بين حليب الأطفال وقذائف المدافع ويتكرر المشهد جنازات تسير.. ومواليد جدد يخرجون إلى حياة يرضعون فيها حليب قضية تتوارثها الأجيال.. الصراع من أجل البقاء لا تأتي فقط عبر مواجهة آلة القتل الهمجية الأمريكية الصنع بالحجر فالأمهات الفلسطينيات اللواتي يفقدن يوميًا على مدى الانتفاضة المستمرة فلذات الكبد في المواجهات غير المتكافئة بين الدم والسيف يخضن على جبهة متوازية مع مفرق الشهداء وشارع الشلالة ومداخل المدن صراع بقاء آخر مع آلة القتل الصهيونية تتلخص في رحم ينجب لمقاومة آلة حرب تستهدف إبادة شعب.

فعلى مدى سني الصراع عمدت المنظمات اليهودية العالمية إلى زج أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين في الوقت نفسه الذي نفذت فيه العصابات اليهودية المسلحة عشرات المجازر الدموية في القرى والمدن الفلسطينية، ولا يختلف برأي المراقبين ما تقوم به آلة الحرب الصهيونية في مواجهة انتفاضة الأقصى المستمرة عن سياسة الإبادة التي انتهجها الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين منذ ما قبل احتلالها لفلسطين عام 1948 م؟

وأظهرت دراسة إحصائية من خلال سجلات أقسام الولادة في عيادات وكالة الغوث ومستشفيات غزة أن 2175 حالة ولادة تم تسجيلها في محافظات غزة وحدها منذ بدء انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي، وهي نسبة تفوق في معدلها الفترة نفسها من العام الماضي بأكثر من ثلاثمائة مولود «رغم أن الحمل موجود قبل الانتفاضة ولكنها إرادة الله».

وأشارت الدراسة الإحصائية إلى أن نسبة الذكور من المواليد الجدد تصل إلى 60% وأن 12% من حالات الولادة أنجبت توائم.

كما أظهرت الدراسة الإحصائية أن 320 مولودًا جديدًا تمت تسميتهم محمد، وأن مستشفى الشفاء وحده الذي استقبل عشرات الشهداء على مدى انتفاضة الأقصى المتواصلة شهد 1075 حالة ولادة بمعدل يتراوح بين 35 - 37 طفلًا يوميًا، وذكر د. أكرم السقا - نائب رئيس قسم الولادة في مستشفى الشفاء - أن الأسبوع قبل الماضي وحده شهد ولادة أكثر من عشرة توائم إضافة إلى حوالي 255 مولودًا جديدًا مقابل استشهاد تسعة أطفال لا يتجاوز أكبرهم الربيع الخامس عشر من العمر.

تقول إحدى الأمهات: رزقني الله بمولود سميته محمدًا سأجعل منه طبيبًا كما كان يحلم محمد، سأشتري له سيارة صغيرة عندما يحبو.. وأحكي له عن محمد آخر قتلوه قبل أن يحقق حلمه، وتقول أخرى: سميتها سارة وسأقول لها عندما تكبر لماذا قتلوا سارة وسأورثها كواشين وبطاقة تموين، في مستشفى فلسطين يخرج الطبيب من غرفة عمليات قسم الولادة إلى غرفة عمليات أخرى يصارع فيها أطفال في عمر الورود رصاصات موت في الرأس أو الصدر.. يشهد فيها الطبيب بكاء أجنة تخرج إلى الحياة..

وبكاء أمهات على بعد أمتار معدودة يحملن جثث أطفالهن بعد أن مزقها الرصاص... هناك تستقبل الأم الفلسطينية وليدها بدموع لا تعرف إلا الإصرار على حياة رغم أنف العدو.

وفي مصر الكنانة أكد الشعب المصري العظيم تأييده لانتفاضة الأقصى فقط في حاجة للفرصة ليعبر عن موقفه الحقيقي من انتفاضة الأقصى أطلق أكثر من 87% من الآباء والأمهات المصريين على مواليدهم الذكور اسم شهيد الطفولة محمد الدرة، وقد رصدت إحصائيات غير رسمية أن عدد مواليد المصريين الجدد الذين أطلق عليهم اسم الشهيد محمد الدرة يزيدون عن 3800 مولود بينما أطلق أكثر من 8% من الآباء على مواليدهم الإناث الجدد اسم «درة».

الرابط المختصر :