العنوان تبرعوا ... بالدم والمال
الكاتب الدكتور أحمد الشرباصي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1973
مشاهدات 5
نشر في العدد 173
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 23-أكتوبر-1973
الحمد لله تبارك وتعالى، هو الواهب للحياة، الرازق
للأحياء.
أحمده سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله، بيده ملكوت
كل شيء وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، بعثه ربه ليطهر
القلوب ويزكي النفوس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
فَصَلَّىٰ﴾ (الأعلى: 14-15). فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وذريته والسابقين
إلى دعوته ونصرته والمستجيبين لهديه وسنته: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ
دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
(فصلت: 33).
يا أتباع محمد عليه الصلاة والسلام هناك شيئان
أعطاهما الإسلام مزيدًا من الحصانة والصيانة والاحترام بين الناس وفي الوقت نفسه
دعا إلى الجود بهما، والمسارعة إلى بذلهما، وعدم التردد في التضحية بهما في سبيل
الله والحق والواجب، وهذان الشيئان هما الدم والمال.
وعجيب أمر هذين الشيئين أن كلًا منهما محمود مذموم،
فهو يشبه سلاحًا له حدان، يستعمل أحدهما فيفيد ويثمر ويستعمل الآخر فيخرب ويدمر
فالمال الطيب في اليد الطاهرة نعمة وأي نعمة وبركة وأي بركة ولذلك يقول الرسول صلى
الله عليه وسلم: «نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ».
والمال الخبيث في اليد الخبيثة مصيبة وبلوى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (الأنفال: 28)
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 1-2).
وكذلك شأن الدم الزكي المعصوم، له حرمته وكرامته
وأن جوانب الأرض تهتز إذا اعتدى معتد على هذا الدم
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ
فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32). وهذا الدم
يصبح هينًا على صاحبه المؤمن إذا طالبه ربه ببذله وتقديمه.
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي
جنب كان في الله مصرعي
ولقد أشار رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- إلى
حرمة الدم والمال حين قال: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ
وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»، وحذر القرآن الكريم من الاعتداء على الدماء، فقال: ﴿وَإِذْ
أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ (البقرة: 84) ويقول الرسول
عليه الصلاة والسلام مشيرًا إلى خطورة سفك الدماء: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ
النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ»، ويقول: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي
فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»، ويقول: «لَوْ أَنَّ
أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ
اللَّهُ فِي النَّارِ»، والملائكة قد استعاذوا بربهم أن يكون في الأرض من يسفك
الدماء، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
(البقرة: 30). وحتى في موقف القصاص طالب القرآن بالاقتصار على القاتل فحسب ونهى أن
تسال قطرة دم واحدة من غير القاتل فقال جل جلاله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا
فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِۖ إِنَّهُ
كَانَ مَنْصُورًا﴾ (الإسراء: 33).
ولكن هذا الدم المصون يطالب الله تعالى ببذله
وتقديمه رخيصًا في سبيل العقيدة والعزة والكرامة. ولذلك كرر القرآن الكريم الأمر
بالمجاهدة بالنفس وتمام هذا يكون بالاستعداد للجهاد حتى درجة الاستشهاد ومن أمثلة
ذلك قول الله سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 41).
وكأن الإسلام قد أراد أن يعود المسلم على رؤية
الدماء وهي تسيل في قربة من القربات أو طاعة من الطاعات، فشرع نحر الذبائح في
الفدية، والهدى والأضحية وقال القرآن الكريم: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾
(الكوثر: 2) ومجد النبي صلى الله عليه وسلم مكانة الدم الذي يراق في سبيل الله
تعالى، فقال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ: قَطْرَةٌ
مِنْ دُمُوعٍ فِي خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهْرَقُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ»، ويصور النبي الدم الذي يسيل من جسم المجاهد الشهيد بأن لونه عند الله
لون الدم، ولكن ريحه ريح المسك، وهذا كناية عن عظيم الأجر وجليل الثواب.
وكذلك شأن المال:
لقد أمر الرسول من جهة تجنب الاعتداء على أموال
الناس، أقوياء كانوا أم ضعفاء أقرباء كانوا أم غرباء، فقال القرآن المجيد: ﴿وَلَا
تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الأنعام: 152)
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًاۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (النساء: 10)
ويقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: 188)
ويقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ
قِيَامًا﴾ (النساء: 5).
وفي الوقت نفسه حث الإسلام على بذل المال في وجوه
الخير والبر فقال القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا
أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ
اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 215) وقال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ
مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: 24-25). ويقول: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: 103).
ويقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 261).
ومن لطف التوجيه الإسلامي نحو العزة والكرامة أن
الله تبارك وتعالى يرشدنا إلى أن هناك ميدانًا هو أحق الميادين بأن نبذل فيه
الدماء والأموال معًا، ذلك هو ميدان الجهاد في سبيل الله، فتكرر أمر الله جل جلاله
بالجهاد بالأموال والأنفس، والجهاد بالأنفس يتضمن التضحية بالدم حتى درجة الاستشهاد،
ومن ذلك قول الحق عز شأنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: 15).
وفي عصور الإسلام المزهرة النيرة كان المسلمون
يعرفون كيف يحافظون على أنفسهم، وكيف يصونون دماءهم، وكيف يذكرون حق الذكر قول
نبيهم: «الإِنْسَانُ بُنْيَانُ اللَّهِ مَلْعُونٌ مَنْ هَدَمَ بُنْيَانَهُ». ومع
ذلك كانوا يسارعون في صيحة الفداء ودعوة الوفاء، إلى بذل دمائهم رخيصة هينة، وإلى
تقديم أرواحهم ضحية طيعة، مرددين شعارهم القرآني الجليل: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 51) وكان هؤلاء المؤمنون العاملون
يعرفون جيدًا كيف يكسبون المال، وكيف يقتصدون منه، وكيف ينفقونه في وجوه الخير
والبر، على طريق وسط معتدل ضابطه قول ربهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ
يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِك قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67).
ثم خلف من وراء هؤلاء الأماجد خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا
الشهوات، فإذا هؤلاء الأخلاف السوء يذلون في أنفسهم حتى ذلوا على الله وعلى الناس،
وسيطر عليهم الجبن والهلع، فلا يعرفون سكينة أو طمأنينة، وإذا بذلوا دماءهم فهم
إنما يسفكونها بطريق غير مباشر في مذابح الشهوات، وظلمات الأهواء والملذات:
﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ (النساء: 38).
وإذا هؤلاء الأخلاف يكسبون الكسب الحرام، ويجمعون
المال الحرام، ويضنون به على حقوق وواجبات يدعون إليها وإذا بذلوه فإنما يبذلونه
على شهوات المسعورين الأخساء ثم يشحون به عن ميادين الحق والخير والبر، ويا سوء
المصير. فالحق جل جلاله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
(التوبة: 34).
يا أتباع محمد عليه الصلاة والسلام:
إنما ذل المسلمون حسبما أنذر الرسول صلى الله عليه
وسلم حين حرصوا على طول البقاء في الدنيا، وضنوا بدمائهم على الجهاد، وحين شغلتهم
الحياة بمالها ومتاعها عن متابعة المسير على الصراط المستقيم، والرسول قد قال:
«يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَتَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى
قَصْعَتِهَا»، قالوا: ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بَلْ أَنْتُمْ
يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ
اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ
فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ»، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حُبُّ
الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ».
وطريق العودة إلى الصراط ما زال مفتوحًا، مصراعاه
أموال تؤخذ من حل وتنفق في خير، ودماء تصان عن الذل، وتبذل في سبيل العزة:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ
الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ
مُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: 88)، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ
هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل: 128)، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
حتى تحقق هذه الأهداف ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ
اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ
قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ
مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 14-15).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل