; عداوة اليهود للمؤمنين في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم | مجلة المجتمع

العنوان عداوة اليهود للمؤمنين في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

الكاتب عبدالله بن أحمد هنيدي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1974

مشاهدات 19

نشر في العدد 192

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 19-مارس-1974

لقد كان موقف اليهود من الإسلام موقفًا عدائيًا منذ اللحظة الأولى لقيام الدولة الإسلامية، وما زال هذا موقفهم منذ ذلك الحين إلى عصرنا الحاضر، دسائس ومؤامرات، حروب مستعرة، مكر وخداع، طوال أربعة عشر قرنًا من الزمان. ويخطئ بعض الناس حين يرجعون تاريخ عداوتنا مع ما يسمى بـ«إسرائيل» إلى ما قبل عشرين عامًا فقط، ولذا فإنني أود في هذا العرض السريع أن أذكر بعض الجوانب لذلك العداء المرير الذي عانى منه رسول الإسلام وصحابته الكرام في الصدر الأول من تاريخ الإسلام.

لقد بادر الرسول صلى الله عليه وسلم حين وصوله إلى المدينة إلى عقد معاهدة مع اليهود القاطنين هناك، تضمنت عدم الاعتداء على أحد من الجانبين، والدفاع المشترك، وحرية الاعتقاد لكل من الجانبين، ولم ينقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجبر أحدًا منهم على اعتناق الإسلام، إنما أسلم من أسلم منهم طواعية واختيارًا. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصًا كل الحرص على تنفيذ بنود تلك المعاهدة حرصًا، إلا أن اليهود عادت إليهم عادتهم المشهورة في نقض العهود والمواثيق، فلم تدم تلك المعاهدة طويلًا حتى نقضوها، وأخذوا يكيدون للإسلام وأهله، ويتربصون بالمسلمين الدوائر. وكان يهود بني قينقاع أول من نقض المعاهدة وأثار الشغب بين المسلمين، وخاصة بعد أن انتصر المسلمون في بدر، وقد جمعهم الرسول صلى الله عليه وسلم في مؤتمر عقده في سوقهم وذكرهم بالمعاهدة التي عقدها معهم، وطلب منهم الانتهاء مع ما جاء فيها، وحاول إرجاعهم عن غيهم وإعادتهم إلى جادة الطريق، وذكرهم بما ألمت به قريش يوم بدر نتيجة لغطرستها وغرورها، فكان جوابهم إزاء هذا النصح النبوي غاية في الغرور والمعاندة، حيث قالوا له: «يا محمد، لا يغرنك أن لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما نحن والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس».

ومع هذا استمر الرسول صلى الله عليه وسلم صابرًا محتملًا كل ما يلاقيه من أذى اليهود وكيدهم ودسهم على الإسلام، ومحاولة تشويهه لدى الناس، حتى أشعلوا الشرارة الأولى حين تعرضوا لسيدة مسلمة ذهبت إلى سوق بني قينقاع تبتاع حليًا لها، فطلب منها بعض اليهود أن تكشف لهم عن وجهها، فأبت، فقام أحدهم وهي جالسة عند صائغ منهم، فعقد طرف ثوبها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا منها، فواثب شاب مسلم غيور وقتل اليهودي الذي عقد ثوبها، فتجمع اليهود وقتلوا ذلك الشاب الغيور، ولم يكتفِ اليهود بهذه الأعمال الإجرامية بل استمروا في كيدهم للإسلام وصد الناس عنه، حتى اضطر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جلاء بني قينقاع عن المدينة، فرحلوا منها إلى أذرعات بالشام.

ولم يكن بنو قينقاع وحدهم الذين نقضوا المعاهدة المبرمة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن جلاء بني قينقاع عن المدينة فرحلوا، لاغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قدم إليهم ليدفع لهم دية رجلين حليفين لهم، قتلهما أحد المسلمين، وعندما علم اليهود بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم دبروا مؤامرة دنيئة لاغتياله صلى الله عليه وسلم، حيث أسندوا إلى أحد شبابهم أن يلقي صخرة عظيمة من فوق أحد حصونهم على رسول الله عندما يكون جالسًا تحت الحصن، فجاء خبر هذه المؤامرة الدنيئة من السماء، فغادر الرسول صلى الله عليه وسلم المحل لتوه، وبعدها اضطر إلى جلائهم من المدينة، فرحلوا منها إلى خيبر، وبعضهم إلى الشام.

بنو قريظة ينقضون العهد:

بعد جلاء بني النضير عن المدينة أخذ عدد من زعمائهم يتآمرون مع قريش وغيرها من القبائل العربية على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم والقضاء على الدولة الإسلامية قضاءً مبرمًا، وقد نجح اليهود الألداء في لم شعث القبائل العربية ضد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقبلت جموع الأحزاب وفور وصولها إلى منطقة الخندق نقض بنو قريظة المعاهدة التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانضموا إلى صفوف الأحزاب ليشاركوهم في القضاء على المجتمع الإسلامي الناشئ، لولا أن الله تعالى فرق جمعهم وشتت شملهم، حيث بعث عليهم ريحًا شديدة اقتلعت خيامهم وأكفأت قدورهم وأعمت بصائرهم، حتى لاذوا بالفرار دون أن يحققوا شيئًا، إلا العار والهزيمة. وبعدها عرف الرسول صلى الله عليه وسلم مدى ما تنطوي عليه نفوس بني قريظة من أحقاد دفينة ضد الإسلام وأهله، فحاصرهم حتى استسلموا، وجعل الحكم إلى سعد بن معاذ ورضي اليهود بما يحكم به عليهم، فحكم سعد -رضي الله عنه- بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم. وقد يستنكر أحد هذا الحكم الصادر في حق اليهود، ولكن لا غرابة في ذلك؛ فإن حكم سعد بن معاذ هو نفس ما كان سيفعله الأحزاب لو نجحوا في تنفيذ ما جاءوا من أجله، وإن خیانة بني قريظة قد تعرضت الدولة الإسلامية للهلاك، ولولا أن الله أجهض مؤامرتهم وردهم بغيظهم لم ينالوا شيئًا.

خيبر وكر الدسائس والتآمر:

التزمت خيبر الحياد حتى وصل إليها بنو النضير بعد جلائهم من المدينة، وحينئذ أصبحت وكرًا للدسائس والمؤامرات التي كانت تنسج خيوطها في الظلام ضد الدولة الإسلامية الناشئة. وتحدثنا كتب السيرة عن الدور الذي قام به يهود خيبر مع بني النضير في تخريب الأحزاب ضد المسلمين، بل أعظم من هذا، أصبحت خيبر قاعدة عسكرية لليهود وحلفائهم من مشركي الجزيرة العربية، وصارت خطرًا خطيرًا وداء دويًا يهدد المجتمع المسلم، وعندها قرر الرسول صلى الله عليه وسلم غزو خيبر، واتجه إليها في ألف وأربعمائة مقاتل، وفور وصوله إليها دعاهم إلى الإسلام حتى يصبحوا جزءًا من المجتمع المسلم، ولكنهم لم يكتفوا بالامتناع عن الدخول في الإسلام فقط، بل ذهبوا إلى أبعد من هذا، حيث شنوا هجومًا مفاجئًا في اليوم الأول كان من نتيجته استشهاد عدد من المسلمين، وجرح خمسين منهم، وبعد اشتداد القتال واستمرار المعارك العنيفة، أخذت حصون خيبر تتهاوى تحت ضربات الجيش الإسلامي الباسل. وأخيرًا استسلم يهود خيبر وعقد معهم الرسول صلى الله عليه وسلم معاهدة خلاصتها «أن يقوم اليهود بعمارة خيبر واستصلاح أرضها على أن يكون لهم مقابل ذلك نصف ما تخرجه أرض خيبر من ثمار، وللمسلمين الحق أن يجلوهم عن خيبر متى شاءوا».

يهود خيبر يحاولون اغتيال الرسول:

ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم تسامح مع يهود خيبر وأبقاهم على نصف نتاجها وأمنهم فيها، فقد قام بعض اليهود بمحاولة دنيئة لاغتياله صلى الله عليه وسلم عن طريق دسم السم له في الطعام، فقد قامت إحدى نسائهم بذبح شاة لها بعد مشاورة بعض يهود، وقد اختارت أخطَر أنواع السم الذي لا يلبث متناوله أن يموت فور تناوله، ثم سألت: أي أحب الأعضاء إلى الرسول؟ فقيل لها: الذراع والكتف، فدست فيهما السم وفي جميع أعضاء الشاة احتياطًا منها ورغبة في نجاح الخطة. ولكن الله سلم، حيث نزل الوحي على رسوله صلى الله عليه وسلم يخبره عن السم المدسوس له في الذبيحة، فأمر الرسول أصحابه بالامتناع عن أكل الذبيحة، وقد عفا صلى الله عليه وسلم عن تلك المرأة الخائنة، رغم أنه يملك القيام بأي عمل جراء غدرها وخيانتها. وبالسيطرة على خيبر تمت السيطرة للمسلمين على جميع اليهود المقيمين في الجزيرة العربية، ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة، حتى أجلاهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن الجزيرة كلها، عندما بلغه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان». وهكذًا تتجلى لنا أخطار اليهود ونواياهم الدنيئة في القضاء على الإسلام وأهله، الأمر الذي جعلهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد إخضاعهم في عهده يستمرون في الكيد للإسلام عن طريق الدس والتشويه، وإثارة الفتن والقلاقل.

الرابط المختصر :