العنوان الصوم وتكامل العبادات
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1975
مشاهدات 12
نشر في العدد 267
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 16-سبتمبر-1975
الصوم وتكامل العبادات
بقلم:
سالم البهنساوي
خلق
الله الإنسان من مادة الأرض، ثم أودع فيه سر الحياة الروح، وفي هذا قال الله
تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۭ بَشَرً۬ا مِّن
صَلْصَٰلٍۭ مِّنْ حَمَإٍۭ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾ [الحجر: 28- 29].
وعن
حقيقة الروح قال الله تعالى: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ
مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً۬ا﴾ [الإسراء:
85].
ولما
كانت الروح من أمر الله، فلا يصلحها إلا ما وصفه الله من علاج وغذاء، ومن هنا فرض
الله الصلاة والصوم والزكاة والحج لتكون هي المميز للإنسان عن الحيوان، وصدق الله
إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرً۬ا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ
لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ
بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ
بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].
وكما
أن الزعم بأن الحياة مادة فحسب هو إنكار للعنصر الثاني في الإنسان وهو الروح
وأيضًا انحطاط بالإنسانية إلى الحيوانية، فإن إنكار مطالب الجسد هو إنكار للعنصر
الأخير في الإنسان، ومحاولة لتغيير طبيعة الإنسان، وذلك أيضًا لا يصلح الإنسان؛
فكما أنه ليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون حيوانًا فليس مطلوبًا منه أن يكون
ملاكًا، وهذا أو ذاك ليس هو الإصلاح المنشود للإنسان.
لهذا
أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أراد أن يصوم الدهر كله فلا يفطر، وأنكر
على من أراد أن يقوم الليل فلا ينام، وأنكر على من أراد أن يعتزل أهله وزوجته
لينقطع للعبادة.
أنكر
النبي على هؤلاء جميعًا وقال لهم ولغيرهم فيما رواه البخاري: «أما والله إني
لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن
سنتي فليس مني».
لهذا
فرض الله الصوم تهذيبًا للنفوس وعلاجًا للغرائز، دونما تعذيب للجوارح. ولن تتحقق
حكمة الصوم إلا إذا تطهر الصائم من الشقاق والنفاق والفسوق والعصيان، لهذا روى
البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به
والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
وقال
أيضًا: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا
السهر».
غير
أن رمضان شهر واحد بينما يعيش الإنسان في حياته اليومية وسط عالم مبني على
المنازعات والصراعات المختلفة.
ولما
كانت المحبة والإخاء والمودة والوفاء هي الينابيع الحقيقية لسعادة البشرية، فكان
لزامًا أن تتلقى الإنسانية هذه الدروس الفينة بعد الفينة، ولهذا فرض الله الصلاة 5
مرات في اليوم والليلة وجعلها ممارسة عملية لهذه الينابيع الحقيقية، بل جعل الله
الصلاة هي الحاكمة على جميع الأعمال، في هذا روى الطبراني بسنده الصحيح المتصل أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإن صلحت صلح
سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله».
ولما
كان ذلك فلا صوم بلا صلاة، ولا زكاة بلا صلاة، ولا حج بلا صلاة، ولا جهاد بلا
صلاة، ذلك أن للصلاة خاصية قال الله عنها: "﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ
ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]".
ولهذا
قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟
ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾ [التوبة: 11].
وروى
الخمسة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها
فقد كفر».
أما
عن الزكاة وصلتها بالصوم، ففي خصوصية زكاة الفطر روى أبو داود عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من
اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها
بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات».
ولعلنا
نجد الترابط والتكامل بين الفرائض والعبادات أكثر وضوحًا في ذلك الموقف الخالد
الذي اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الأعرابي الذي جاء يريد إسلامًا
"غربيًا أو شرقيًا" لا جهاد فيه ولا نفقات.
لقد
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأل عن أصول الإسلام وأركانه، فأجابه
النبي: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تصلي وتصوم وتحج
وتزكي وتجاهد مع المسلمين بنفسك ومالك.
فقال
الرجل: أما اثنتان فلا أقدر عليهما: الجهاد والصدقة.
الجهاد
لأنني لا أتحمل أعباءه؛ لأن من فر وانسحب من المعركة فقد باء بغضب من الله ومأواه
جهنم، أما الصدقة فلأنني أريد أن أستمتع بأموالي في هذه الدنيا.
فماذا
كان موقف النبي من هذا الذي يريد أن يسلم ويلتزم بكل فرائض الإسلام فيما عدا
الجهاد والزكاة؟
قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «لا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة؟!»، ورفض أن يبايعه
على مثل هذا الإسلام الذي هو سمة عصرنا الحاضر. ومن أجل ذلك التكامل والترابط أعلن
أبو بكر الصديق الحرب على من تخلف عن أداء الزكاة وقال: "والله لأقاتلن من
فرق بين الصلاة والزكاة"، على الرغم من أن منهم من لم يجحدوا شيئًا من الدين
ولم يعدوا كفارًا مرتدين.
فهل
يدرك أصحاب الاتجاهات المختلفة أن الإسلام هو وحده الذي أعلن الحرب من أجل الفقراء
والمحتاجين وكفل حماية المستضعفين والمساكين؟ ما زال من العرب من يتمسح بشعارات
تدعي حماية الضعفاء والمحرومين. كذب هؤلاء ومن ظاهرهم وصوتهم، وصدق الله إذ يقول:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ
أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن
لَّدُنكَ وَلِيًّ۬ا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
وأخيرًا
وليس آخرًا، الإسلام لا يكتفي بهذا التكامل بين العبادات، فلا فائدة فيها إن شابها
الكبر والرياء أو الطبقية والاستعلاء. ومن أجل ذلك رفض ربنا قبول إسلام أغنياء
قريش الذين طلبوا أن يكون لهم مجلس خاص غير مجلس الفقراء، إذ أوحى الله إلى نبيه:
﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ
وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ
زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ الدنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن
ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطً۬ا * وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن
رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 28- 29].
وقد روى الإمام مسلم أن النبي قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقول: قاتلت في
سبيلك حتى استشهدت، فيقال له: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال شجاع، فقد قيل، فتبوأ مقعدك
من النار. ويؤتى بالرجل يوم القيامة فيقول: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن،
فيقال له: كذبت ولكنك تعلمت العلم وعلمته ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ،
فقد قيل فتبوأ مقعدك من النار. ثم يؤتى بالرجل فيقول: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق
فيها إلا أنفقت فيها، فيقال له: كذبت ولكنك أنفقت ليقال هو جواد، فقد قيل فتبوأ
مقعدك من النار».
تلك
هي بعض اللمحات الخاطفة عن الصوم والعبادات في الإسلام التي تجعل المجتمع قلبًا
واحدًا وجسدًا واحدًا قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم،
وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء
بالسهر والحمى».
فهل
استفاق العرب من الهزائم والانحطاط الذي تردى فيه أكثرهم ليعودوا إلى إسلام رب
العالمين؟
سالم
البهنساوي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل