العنوان عزيزتي.. شرم الشيخ
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
مشاهدات 58
نشر في العدد 1423
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
أنت قطعة مني لأنك تربة من وطني.. والوطن يسكن دائمًا في كيان أبنائه المحبين وإن لم يسكنوا فيه.. ويزداد حنينهم إليه كلما ابتعدوا عنه..
أعلم أنك درة غالية تتلألأ على شاطئ البحر الأحمر بنسماتها الرقيقة ومناظرها البديعة التي حباك الله إياها..
لكن يا عزيزتي.. صرت أشعر بغصة مؤلمة نحوك، تعتمل دومًا في حلقي كلما شاهدتك على خريطة الأخبار.. وتزداد الغصة ألمًا ومرارةً عندما يلمع اسمك وهاجًا بين المدن الجريحة.. الذبيحة والحزينة في أرض الإسراء.. أشعر ساعتها بخصام حاد بينك وبين القدس وفلسطين.
أشعر بدوي صاخب يملأُ أذني كلما سمعت اسمك يتردد في الأخبار.. فوراء ذلك إما كارثة أو طبخة مسمومة يجري الإعداد لها أو تم الانتهاء منها..
لقد سلخوك.. وغيروا جلدك.. وحفروا لك -رغمًا عنك- تابوتًا في سجل التاريخ لتكوني إلى جوار المنتجعات الكبرى.. كامب ديفيد.. مدريد.. أوسلو.. سواء بسواء.
فإذا حضرت أجيالنا المقبلة لتفتح الصفحات.. تقرأ في الصفحة الأولى، أن «الكامب» كانت أول بذرة للاستسلام.. وهناك في مدريد برزت أول نبتة للبذرة.. وفي أوسلو كان النماء.. وفيك أنت يا شرم الشيخ أقاموا غرفة عمليات دائمة لحراسة المسيرة من «الانحراف» نحو الحق والعدل وتحرير فلسطين تحت راية الجهاد.
أول مرة لمع اسمك في الأخبار كان عام ١٩٩٦م بعد عمليتين استشهاديتين لمجاهدي حماس ضد عبدة العجل.. يومها ناءت أرضك بمعظم زعماء الأرض.. وانقلبت الموازين والمعاني.. أصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا.. أصبح الجهاد لتحرير الوطن السليب إرهابًا.. والاستشهاد انتحارًا.. وأصبح القاتل المحتل ضحية والمقتول مجرمًا.
ومن يومها يا عزيزتي وحظك العاثر يسوقك إلى مواقف صعبة أمام أبناء أمتك..
أصبحتِ منتجعًا لغسيل الإجرام الصهيوني.. يهنأ فيه المجرم والإجرام.. ويلجأ إليه القاتل والسجان.. وفيك.. وتحت سمائك وعلى شواطئك يغتسل المجرم من إجرامه ويبرأ القاتل من قتلاه ويخرج للدنيا مُخرجًا «لسانه» لكل المحترقين ظلمًا ونكدًا وغمًا.. وهو يلوح بشهادة دولية.. تشهد له بأنه: «ضحية»!.
أعرف أن سماءك تقطر حزنًا.. وأن أديمك يتشقق خزيًا.. وأن صفحة مائك الزرقاء قد أسود وجهها غضبًا ونكدًا..
أشعر أنك تحاولين الفرار من نفسك لتتواري عن نفسك.. أسمع صوت صراخك الرافض.. لكنهم كتموه بكل قواهم.
أسمعك تصرخين: ارحلوا عني.. كيف أقابل القدس بوجههي؟!
لكن يا عزيزتي.. إذا كانت حجارة الشاطئ تسمعك وتشاطرك فإن القوم لن يسمعوك وإذا سمعوك فلن يرحموك.
لَقَد أَسمَعتَ لَو نادَيتَ حَيّاً
وَلَكِن لا حَياةَ لِمَن تُنادي