العنوان إلام ندعو؟ وكيف..؟ لتبلون في أموالكم وأنفسكم..
الكاتب محمد سلامة جبر
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1972
مشاهدات 10
نشر في العدد 130
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 19-ديسمبر-1972
تلك حقيقة لا مراء فيها، وقدُرت محتوم لا مفر منه.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ
الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾
(البقرة: 214).
﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن
يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 1-3).
وإذا كان ذلك كذلك، فلا بد أن تبتلى أيها المؤمن،
ولا مهرب لك من أن تصيبك اللأواء في سبيل الله، شئت أم أبيت، رضيت أم كرهت؛ فمن
رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط. ونسأل الله العافية قبل البلاء، ونسأله العافية
بعد نزول الضراء، ونديم سؤال العافية عند حلول السراء؛ فلسنا إلى العافية في
السراء بأقل حاجة إليها منها في الضراء. ورضي الله عن عبد الرحمن بن عوف إذ يقول:
"ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر"، والذي ذاق طعم
الفتنتين يعرف صدق ما قيل، ويدرك حقيقة ذلك التحذير.
وصدق الله العظيم: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ
وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: 35).
أما لماذا؟ فجوابك في كتاب الله: ﴿وَلِيَعْلَمَ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ
الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 140).
وهذا في حق المؤمنين.. غير أن البلاء ليس وقفًا
عليهم وحدهم، ولكن يصيب الله بأنواع من البلاء من يشاء من غير المؤمنين..
والحكمة.. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ
مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ
يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ
قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا
نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ
إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ *
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 42-45).
فالبلاء حتم مقضي على كل مسلم وكافر، ولا سبيل لأي
منهما يخلصان به منه، بل لا بد من نفاذ الأمر الإلهي، وتحقق القدر الرباني، سنة
الله ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ
اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43). فمن ظن أنه ناج فقد تعلق سرابًا، ومن قال إنه
معافى فما نطق صوابًا، والحق أن الألم عميق الأصول في نفس كل إنسان، وأن الهم
والحزن مما تفردنا به عن الحيوان، ولن تجد أديمًا نجى من مس ذلك العذاب، أو خلا
عما سبق به الكتاب، ودليل ذلك من كتاب الله، جواب قسم عظيم، أقسم به العزيز
الحكيم، فقال سبحانه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا
الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾
(البلد: 1-4).
فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي
كَبَدٍ﴾ جواب القسم. قال ابن عباس رضي الله عنه "في نصب".
وقال قتادة: "يكابد أمر الدنيا والآخرة".
وقال الحسن: "لم يخلق الله خلقًا يكابد ما
يكابد ابن آدم" (تفسير الطبري ص 30 ص 198).
وإذا كان ذلك كذلك، فليس الألم خاصة من خواص
المؤمن، ولكنه عام يشمل كل مخلوق من بني آدم حتى تقوم الساعة، غير أن بينهما
فرقانًا..
وفرقان ما بينهما قوله تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا
تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ
اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا *
إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا
الْمُصَلِّينَ﴾ (المعارج: 19-22).
فالآية الأولى تفيد افتراق المؤمن عن الكافر
بالنية.
والآية الثانية تدل على تميز المؤمن عن الكافر
بالصبر والثبات والتماسك أمام فتنتي السراء والضراء على السواء. وفي هذا المعنى
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبًا للمؤمن، أمره كله خير، إن أصابته
ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له".
إشكال
ولعل من يقول: إذا تقرر هذا، فما وجه دعوتك إلى
الحكمة والتعقل؟ وما سر التزامك بالحذر وتجنب الأشواك؟ وفيم حرصك على العافية
وسؤالك لها؟
أن من لوازم حتمية البلاء ألا تفر منه، فما لا بد
منه لا محيص عنه..
وإذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن
نموت جبناء.
قلت:
جوابك من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: إنه ليس من مقتضى
حتمية الشيء تمنيه، أو الإسراع إليه، أو حتى الرضا به.
فحتمية الموت لم تجعل من قتل
النفس عملًا جائزًا..
وحتمية الخطيئة على ابن آدم لم
تجعل من تعمدها عملًا مشروعًا..
وحتمية القتال في سبيل الله لم
تجعل من تمنيه عملًا مطلوبًا، بل صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «لا تتمنوا لقاء
العدو، وسلوا الله العافية، وإذا لقيتموه فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال
السيوف».
وكذلك حتمية وقوع البلاء لم تمنع
رسول الله صلى الله عليه وسلم من دوام سؤال العافية، والأمر بسؤال العافية،
والتألم عند فوات العافية.
وكلنا قد قرأ أو سمع دعاءه
المشهور صلى الله عليه وسلم وضراعته إلى مولاه "رب إن لم يكن بك غضب علي فلا
أبالي، لك العتبى حتى ترضى، ولكن عافيتك هي أوسع لي وأحب إلي".
فإن قلت: فما أثر سؤال العافية مع
تحقق وقوع البلاء؟
أقول: قد صح عنه صلى الله عليه
وسلم قوله: «لا يرد القضاء إلا الدعاء» وقوله: «إن الدعاء والبلاء ليلتقيان
فيعتلجان» وقوله: «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل»، يعني أن الدعاء إذا لم يؤثر
في البلاء بالدفع فإنه يؤثر فيه بالتخفيف، فينزل مخففًا بإذن الله وكله بقدر الله،
ويقول الإمام الدهلوي في كتاب حجة الله البالغة: إن هذا هو المراد بقوله تعالى:
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 39)،
وليس المعنى أن الله يغير ما كتب لدعاء العبد، بل المقصود أن الله كتب ابتداء رفع
البلاء النازل بدعاء عبده الصاعد من باب ترتيب المسببات على الأسباب وكله بقدر
الله، ولا يحكم بشيء على الله سبحانه وتعالى.
الوجه الثاني: إننا عبيد مأمورون،
وليس لنا من الأمر شيء، "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا
أن يكون لهم الخيرة من أمرهم"، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام حين أُمِر بذبح
ابنه سلّم ولم يجادل إشارة إلى أن الأمر إن صح أنه حكم الله فلا خيار لأحد فيه ولا
مراد، هذا إذا تحقق الإيمان، وصدقت العبودية، وإلا فلراجع كل منا ما عنده،
وليستغفر الله ربه.
ونحن لجهلنا لا نطيق صبرًا على ما
خفيت عنا حقيقته ودقت حكمته، ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ
خُبْرًا﴾ (الكهف: 86).
وتلك حقيقة.. ولكن.. ﴿إِنَّ
الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا
فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201).
والمؤمن لا يجد تعارضًا بين قوله
تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: 43)، وبين قوله
سبحانه: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنفُسِكُمْ﴾ (التوبة: 41).
وكذلك لا يجد تعارضًا بين قوله
صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية...» وبين قوله
الصادق: «من لم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق»؛ ونعوذ بالله.
ولقد كان سيف الله المسلول خالد
بن الوليد رضي الله عنه حزينًا اذ مات على فراشه، ولا يشك مسلم في صدق رغبته في
نيل منزلة الشهداء عند الله، ولكن.. هذه الرغبة عند خالد ما كانت لتجعله يفرط في
الدفاع عن نفسه، ولا دفعته ليلقي بنفسه في موطن يتيقن فيه الموت في سبيل الله،
فحياته رضي الله عنه ليحقق الله به ما يشاء من قدره لإعلاء كلمته خير من استشهاده
في أول معركة خاضها بعد إسلامه..
والذي يعلم ذلك، فيقضي بها يشاء،
كما يشاء هو الذي يشاء ولا نشاء إلا أن يشاء.. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن
يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الإنسان: 30)؛ فالتزم
بالحق ولا تبالِ، ودع مولاك يصنع لك ما يشاء، فلست ملكًا لنفسك ﴿النَّبِيُّ
أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: 6)، فما بالك بربك..؟! ولا
تقل هذا الطريق ألزم، وإن كان غيره أسلم، والله إنما شرع الرخص رحمة بالعباد، وأمر
بالكف رأفة بالسواد، ولكني من أصحاب العزائم، ولا يليق بمثلي إلا سلوك سبيلهم،
واقتحام صعابهم، فذلك من تلبيس إبليس، فلست وحدك في الميدان، «ومن أمّ فليخفف»..
هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان يفعل، ولربما قام إلى الصلاة
يريد أن يطول فيها فيسمع بكاء طفل فيتجوز كراهية أن يشق على أمه، وإذا انفرد فربما صلى بالبقرة وآل عمران والنساء، فصلى الله على من أُرسل رحمة للعالمين،
فافهم ما أشرت إليه ولا تكن من محبي اللجاج.
الوجه الثالث: ليس
البلاء صورة واحدة تتكرر، ولا هو وجهًا واحدًا لا يتغير، ولكنه صور متعددة، ووجوه
متجددة، فما يبتلى به إنسان قد لا يبتلى به آخر، وما يحتمله واحد قد لا يحتمله
اثنان، والله أعلم بعباده وما يصلح لهم وما يصلحهم، وهو أرحم بهم من أمهاتهم لهم،
فلو سعينا إلى البلاء بأنفسنا، وتعجلنا الشدائد لأخوتنا، لتطهر القلوب، وتكفر
الذنوب، وقلنا: «إذا أراد الله بعبد خيرًا عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا» هكذا قال
الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، نحن لو فعلنا ذلك، نكون كمن يريد أن يتحكم في
سير القدر الإلهي، ويتدخل في تقسيم العدل الرباني، وفاته أن علم الله ليس له غاية
تدرك، ولا نهاية تلحق ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي
لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا
بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (الكهف: 109).
ويقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير
مسألة أُعِنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وُكِلت إليها" متفق عليه.
والإمارة نوع ابتلاء، ولعلها أعظم
من فتنة الفقر، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "يا أبا ذر،
إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال
يتيم" رواه مسلم.
وهذا في حق أبي ذر الذي قال فيه
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة
من أبي ذر".
فما بالك بمن دونه؟!
إلا أن هذا النوع من الابتلاء لم
يكن ليناسب أبا ذر رضي الله عنه، فصرفه عنه، لعلمه به، بوحي الله، رحمة به ورأفة.
ويقول أحد كرام الصحابة رضوان
الله عليهم: "اللهم إن القلة لا تصلحني ولا تصلح لي» فرزقه رزقًا حسنًا كان
ينفق منه سرًا وجهرًا.
وهكذا إذا سألت ربك العافية،
واستعذت به من البلاء، وأدمت ذلك وواظبت عليه، ثم ابتليت في شأنك، وجدت مولاك قد
تولى أمرك، ولا يبتليك إلا بالقدر الذي تطيق، وفي الزمن الذي يليق، ثم تجده سبحانه
قد عافاك قبل أن يبتليك، ثم أعانك على ما أصابك، ثم أتاك عوضًا خيرًا مما أصابك،
وأنت في أثناء ذلك تسأل الله رفع البلاء، وإزالة الضراء، وأرضَ بالقضاء، ولا ترضَ
بالبلاء، فليس من لوازم الرضا بالقدر الرضا بالمقدور، فمن المقدور كفر من كفر،
والله لا يرضى لعباده الكفر، فكيف ترضى بما لم يرضَ عنه رب العالمين.
ومن جرب المحن والبلاء، وعانق
الشدائد والعناد، عرف صدق ما قلت، وحقيقة ما بينت، ونسأل الله العافية، وهو حسبنا
ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.