العنوان العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن محمد الرابح
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1596
نشر في الصفحة 46
السبت 10-أبريل-2004
عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد العزيز الناصر
في الخامس من شهر شوال عام ١٤٢٤هـ- الموافق ٢٠٠٣/١١/٢٩م- انتقل إلى رحمة الله ورضوانه العالم الجليل الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن محمد الرابح، أحد علماء الزبير المشهورين، وبفقده فقد المسلمون عالمًا جليلًا كان له الأثر الطيب في نشر العلم بالدروس والمحاضرات والخطب والندوات في الزبير والبصرة وغيرها من المدن، وقد أتيحت لي فرصة تسجيل ترجمة لحياته في مقابلة معه -يرحمه الله- في منزله بمدينة الدمام بالمملكة العربية السعودية يوم الخميس ۱۹۹۷/۷/۱۷م، وفيما يلي ملخص لما تضمنته تلك المقابلة:
ولادته ونشأته
ولد في مدينة الزبير عام ١٣٣١هـ الموافق ۱۹۱۳م، وكانت الزبير إذ ذاك مشيخة، شيخها «الشيخ إبراهيم بن عبد الله آل راشد» يرحمه الله.
قدمت أسرة الرابح من بلاد المغرب، وسكنت الحجاز، وولد والد المترجم له في مكة المكرمة سنة ١٢٦٣هـ، وفي الحرمين الشريفين، تعلم حتى صار من كبار علماء المالكية، ومنها وصل إلى الكويت، واستقر فيها ومن الكويت رحل إلى العراق سنة ١٣١٣هـ- ١٨٩٦م، ثم استقر في مدينة الزبير، واتخذها مقر إقامة له حتى وفاته فيها عام ١٣٤٩هـ- الموافق ۱۹۳۰م، ودفن في مقبرتها- يرحمه الله.
وفي الزبير، ولد الشيخ عبد الله- يرحمه الله- وكان أن شرع صاحب الأعمال الخيرية الشيخ مزعل باشا ناصر السعدون أحد شيوخ قبائل المنتفق بالعراق في بناء مسجد جامع في محلة الشمال بالزبير يضم مدرسة وسكنا للإمام وغرفًا للطلاب وأوقف أوقافًا لمصاريف هذه المرافق وقد بدأ في بناء المسجد وملحقاته عام ١٣٢٥هـ- الموافق عام ١٩٠٧م، وأكمله بتاريخ ۱۳۲۷هـ- الموافق عام ١٩٠٩م، ولما كان الشيخ مزعل يكثر الحج إلى بيت الله الحرام فقد وطد علاقته مع علامة الحرم المكي الشيخ أبي شعيب بن عبد الرحمن الدكالي المراكشي، فأصبح له صديقًا حميمًا فكلفه بأن يختار لمسجده الجامع بالزبير إمامًا عالمًا يقوم بالإمامة والخطابة والتدريس فيه فاختار الشيخ أبو شعيب العالم الجليل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي «مؤسس جمعية ومدرسة النجاة الأهلية بالزبير فيما بعد»، ويومها لم يكن الشنقيطي في مكة المكرمة، بل كان بالأحساء وبعد اكتمال بناء المسجد الجامع المذكور توفي الشيخ مزعل السعدون- يرحمه الله- وكان قبل وفاته جعل ولده إبراهيم والوجيه الزبيري الشيخ أحمد باشا الصانع وصيين على مسجده المذكور، وعندما تأخر مجيء الشيخ الشنقيطي إلى الزبير، وبقي الجامع ومدرسته مغلقين رأى أهل الزبير أن بقاء الجامع مغلقًا مجانب للصواب فراجعوا المتولين على الجامع وعلى أثر ذلك طرح المتوليان على علماء الزبير ومنهم الشيخ محمد بن محمد الرابع استفتاء نصه «هل يصح من الناحية الشرعية بقاء مسجد- وهو بيت من بيوت الله أعد للصلاة وتدريس شرع الله- عاطلًا بلا إمام ولا مدرس مع وجود المصلين ورغبة الدارسين ووجود من يقوم بهذا المقام في سبيل انتظار إمام أو مدرس غائب عن البلاد»! فكان الجواب «بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله، نعم يجوز سد الفراغ بل هو من الواجبات الدينية وعاجل البر» وهكذا أسندت الإمامة والخطابة والتدريس إلى الشيخ محمد بن محمد الرابح والد المترجم له الشيخ عبدالله بن محمد الرابح.
دراسته: ألحقه والده بالكتاب وكان به شيخ محفظ كان يعرف آنذاك بـ«الملأ» ودرسه الملا عبد القادر بن الملأ جاسم بن محمد من أهل حمدان بالبصرة، حفظ القرآن نظريًا بتلاوات متقنة وتعلم الخط والقراءة والكتابة وبعضًا من دروس الحساب، وبعد سنة ونصف السنة في الكتاب شرع والده في تدريسه في إحدى الغرف التابعة للمسجد الجامع المذكور، حيث كان والده يدرس فيها، وكان أول ما علمه متن الآجرومية في علم النحو إملاء، وكتبها بخط يده وأمره والده بحفظها فحفظها وشرحها له بالأمثلة والإعراب وغير ذلك، وأمره بكتابة متن البناء في علم الصرف كما أملى عليه أسئلة في أحكام الفقه والشرع من كتاب الطهارة والوضوء والغسل من الجنابة والتيمم، وشروط الصلاة وما شابه ذلك، وحفظها حفظًا، كما درس عليه كتابًا آخر في علم النحو ودرسه كتاب العوامل بشرح وتقريرات سيد أحمد دحلان مفتي الشافعية في الحجاز، وألقى عليه أسئلة وأجوبة في علم النحو مأخوذة أكثرها من شروح الألفية لابن عقيل وشروح القطر وحواشيه على طريقة السؤال والجواب، وكانت عند والده نسخ خطية كان والده يدرسها قبله على مشايخ آخرين يدرسون عنده ودفاترهم موجودة رآها المترجم له بعد وفاة والده عليها أسماؤهم وهم: عبد العزيز العتيقي وعبد المحسن الفداع والشيخ عذبي محمد الصباح، ودفاتر أخرى في علم النحو وكثير من شروح ابن عقيل وشروح القطر وشروح شذور الذهب تتناول نفس المناهج إلا أن فيها زيادات كثيرة جدًا كان والده يرحمه الله يحفظها ويعرفها معرفة تامة وكان يدرسها فأتقن ذلك.
درس على والده
كما درس على والده شرح رسالة أبي زيد القيرواني بشرح سيدي أحمد زروق المغربي في فقه المالكية المجلد الأول كله إلى نهاية كتاب الحج ومتعلقاته، أما الجزء الثاني فقد درسه بعد وفاة والده على مشايخ آخرين منهم الشيخ العلامة محمد ابن العلامة خليفة بن حمد بن موسى آل نبهان المكي، ثم انصرف من دروس النبهاني إلى العلامة الشيخ جاسم بن محمد العقرب المدرس في مدرسة النجاة الأهلية بالزبير في غرفة خصصها له الشيخ ناصر بن إبراهيم الأحمد- يرحمه الله- مدير مدرسة النجاة الأهلية بالزبير، بعد وفاة مؤسسها ومديرها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وذلك في ديوانيته في منزله بالزبير، فدرس عليه علم النحو الجزء الثالث من الدروس النحوية المقررة في ثانويات مصر، وذلك صباح كل يوم، كما درس عليه الكتابين الثالث والرابع، وفي الكتاب الرابع، رسالة في علم البلاغة، والبيان، كما درس عليه النحو والصرف ورسالة في الفصاحة وعلوم البلاغة وعلم الفرائض كاملًا من کتاب شرح الشنشوري على متن الرحبية وحاشيتها للباجوري المشهورة، فأتقن ذلك جيدًا حتى صار يحل المسائل على مختلف أحوالها من مناسخات وغير ذلك، وقد أشار إلى أنه درس على يد العلامة النبهاني كتابًا اسمه «شهد الشموس والأقمار في فقه مذاهب الأمصار» يتناول الأحكام الشرعية على المذاهب الأربعة ويتوسع في خلافات المذهب المالكي ودرس عليه في فقه المعاملات وأصول ومصطلح الحديث في كتاب يسمى «شرح على متن البينونية» وهو من تأليفه.
ثم إن العلامة الشيخ جاسم بن محمد العقرب دله على العلامة المشهور عبد العزيز الناصري التكريتي، فكان يتلقى العلم على يديه في دكانه الذي يبيع فيه الأقمشة في السوق القديم بالبصرة الذي فيه جامع الشيخ الحمداني، وهذا السوق مقابل سوق كاظم أغا، ويقول عنه: هو أفضل شيخ درست وتخصصت عليه في علوم العربية، حيث هو عريق في علومها، وكذلك علوم أخرى، كذلك درس عليه في أصول الفقه كتاب القرابي ومتن صحيح البخاري، من أول الكتاب إلى كتاب الصلاة، وخيره بالشرح الموسع أو المتوسط أو المختصر، فاختار المتوسط، وذلك لقلة الأوقات التي يزوره فيها لتلقي العلم منه.
حفظ القرآن
كما حفظ القرآن غيبًا خلال سنة، ونصف السنة، وكان والده يقرئه بالتجويد، ويكرره عليه مدة ثلاث سنوات حتى يكون حفظه مـجـودًا متقنًا ويشرح له قصص القرآن والآيات المتعلقة بالتاريخ بصورة مفصلة، ودرس على والده أيضًا علم التوحيد في رسالة من تأليفه ورسائل أخرى من تأليف غيره كابن تيمية- يرحمه الله- الرسالة التدمرية ورسالة تسمى «الجيدة لعبد العزيز الكناني، ورسائل أخرى للشيخ محمد بن عبد الوهاب- يرحمه الله- ضمن مجموعة كشف الشبهات، كما درس على والده دروسًا في علوم التفسير للقرآن الكريم، كما أشار إلى دراسته على العلامة الشيخ تقي الدين عبد القادر الهلالي مدة ثلاث سنين، وهي المدة التي درس فيها الشيخ الهلالي بمدرسة النجاة الأهلية بالزبير من سنة ١٩٣٣م حتى سنة ١٩٣٦م، وقد درس عليه كتاب «صديق خان» في شرحه على الروضة الندية للشوكاني، وكتابًا في علم النحو اسمه «منار السالك في شرح ألفية ابن مالك»، وكذلك في علوم البلاغة وأصول الفقه، وكان يفرغ نفسه له ويعتني به كثيرًا- يرحمه الله- كما استفاد منه كثيرًا من المعلومات في رحلاته وطلبه للعلم، ودرس كذلك على يد العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي- مؤسس جمعية ومدرسة النجاة الأهلية في الزبير- صحيح البخاري من أول الكتاب إلى نهاية كتاب الصلاة، ولم يدرس عليه علومًا أخرى، لأن الشيخ الشنقيطي أصابته أمراض في آخر سني حياته، فلم يشأ أن يشق عليه أكثر من ذلك.
وبعد الحرب العالمية الثانية، كان الشيخ الرابح يتدارس مع العلامة الشيخ عبد الرزاق بن محمد الدايل في داره، ومع تحصيله لهذه العلوم كان يتوسع بالمطالعة بمختلف العلوم ومنها علم المنطق، وآداب البحث، والمناظرة، وعلم الوضع، حيث درس نفسه بتلك العلوم حتى أتقنها، إذ لم يكن أحد يتقنها في زمانه سوى والده يرحمه الله، ثم إنه درس هذه العلوم في مدرسة الدويحس الدينية في الزبير والمدرسة الرحمانية، والمعهد الإسلامي في البصرة، ويقول: إن والده وعده أن يعلمه إياها، ولكن المنية عاجلته قبل ذلك.
وبعد تحصيله لتلك العلوم الجمة جرى له امتحان لتعيينه مدرسًا بمدرسة الدويحس الدينية في الزبير، والتي أغلقت بعد وفاة الشيخ العلامة عبد الله بن عبدالرحمن الحمود عام ١٣٥٩هـ الموافق ١٩٤١م، ثم طالب أهل الزبير بفتحها ففتحت ودرس فيها الشيخ العلامة محمد الحمد العسافي لمدة سنتين أو ثلاث سنوات، نقل بعدها إلى مدرسة الرحمانية بالبصرة.
وقد جرى امتحانه من قبل مجلس مديرية الأوقاف بالبصرة، فنجح بامتياز، وأرسلت أوراق الأسئلة وأجوبتها إلى مجلس شورى الأوقاف العامة ببغداد آنذاك فوافق عليها ثم صدرت إلى الديوان الملكي في عهد الوصي على عرش العراق الأمير عبدالله، وعلى موجبه صدرت الإرادة الملكية بتعيينه مدرسًا في مدرسة الدويحس الدينية في الزبير، وذلك عام ١٣٦٦هـ الموافق ١٩٤٦م، ودرس فيها حتى عام ١٩٨٦هـ، الموافق ١٩٦٦م، حيث أغلقت ونقل بعدها إلى المدرسة الرحمانية بالبصرة، فدرس فيها مدة سنة ونصف، ثم نقلت المدرسة الرحمانية إلى مدرسة أخرى سميت بالمدرسة الفيصلية، في محلة الفيصلية بالبصرة، ثم عين في المعهد الإسلامي في البصرة حتى عام ١٣٩٥هـ- الموافق ١٩٧٥م.
ويقول عن مدرسة الدويحس الدينية بعد توقف الدراسة فيها : «ألحقت بالأوقاف بعد تولي عبد الرحمن خضر مديرية الأوقاف العامة في بغداد، وأصدر قانونًا جديدًا للمدارس الدينية والمساجد وأصلح الأوقاف، وزاد المرتبات».. وشاوره بأن يجعل الدويحس متوسطة أو ثانوية، وبعد مراجعته للمختصين قالوا إن الثانويات لا تفتح بالنواحي- حيث كانت الزبير ناحية- وإنما تفتح بالمدن الكبيرة كبغداد والبصرة والموصل حسب التقسيمات الإدارية آنذاك، لهذا فقد ألحقت مدرسة الدويحس بالمدارس الملحقة بالمعابد، وجعلت مدة الدراسة فيها اثنتي عشرة سنة ابتدائي، ومتوسط، وثانوي، وتقبل خريجي الابتدائي في متوسطتها ويحق لخريجيها التوظف في دوائر القضاء الشرعي أو التدريس بالمدارس الملحقة بالمعابد.
تدريس العلوم الشرعية
وقد درس الشيخ الرابح في مدرسة الدويحس الدينية جميع العلوم الشرعية، وما يتفرع عنها من أصول الفقه، وعلوم الحديث، بمختلف فروعه وعلوم النحو، بما يصل إلى اثني عشر عامًا، وكان المدرس الوحيد فيها ودرس على يديه كثير من الطلبة نظاميين وغير نظاميين، منهم عبد الحميد بن فوزان الدليجان، ومنصور بن عبد الوهاب الدليجان، وإبراهيم بن عبد الرزاق البلالي، وعبد الله بن جاسم الشبيب، أما الطلبة الذين واصلوا الدراسة فيها وتخرجوا، فمنهم الشيخ عبد العزيز بن سعد الربيعة، والشيخ محمد بن ناصر الشماس، وخالد يوسف الفضيلي، وهؤلاء تعينوا في مساجد أهلية بالزبير، وآخر طالب تخرج فيها هو سعد ربيعة السعودي عام ١٣٩٥هـ، الموافق ١٩٧٥م.
وبعد استقالة الشيخ الرابح، رحل من الزبير إلى المملكة العربية السعودية، وسكن الرياض سنتين، ثم استقر بالدمام بالمنطقة الشرقية وفي مدينة الخبر توفي- يرحمه الله في ١٤٢٤/١٠/٥هـ- الموافق ٢٠٠٣/١١/٢٩م، وشيع جنازته جمع غفير وصلوا عليه في جامع النور بمدينة الخبر ودفن في مقبرتها، تغمده الله وأسكنه فسيح جناته جزاء ما قدم من خدمات الدينه وأمته الإسلامية.
حفظ القرآن الكريم في عام ونصف العام وحصل علومًا جعلت منه واحدًا من علماء الزبير المشهورين.