; عذاب كله رحمة | مجلة المجتمع

العنوان عذاب كله رحمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1993

مشاهدات 52

نشر في العدد 1035

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 26-يناير-1993

 

عذاب كله رحمة

بقلم: أمل زكريا الأنصاري.

1- هل سبحت يومًا في بحر حب دافئ، ويحتضنك موجه الرقيق كفراشٍ وثير تحس دفئه في كل عضو من جسدك وفي كل خلية؟ 2- هل أحسست بيد حانية تلتقطك فجأة، وتنتشلك من أن تقع في النار؟

 3- هل جربت عتابًا يبعث على الإحساس بالسعادة والسرور.

كل هذا يجده «المؤمن» ويحسه في لحظة بلاء من الله -تعالى- يراه عقابًا على ذنب اقترفه. قد يعجَب الكثيرون من قولي هذا، ويندهشون له، فتعالوا معي إذن إخواني وأخواتي في رحلة في أعماق وجداننا وأعماقنا، ولتسمُ نفوسُنا إلى الأعلى في نظرة قوية فاحصة تنطلق في آفاق المجهول، سنتحدث قليلًا عن حب خفي عظيم من الله -جل وعلا- للمؤمنين ذلك الحب الذي ما أن يعرفه المؤمن حتى يجد فيه حلاوة ولذة تدفعه إلى التمسك به.

أخواتي الحبيبات، المؤمن لا يفتر لسانه عن ذكر الله، ولا يهدأ قلبه إلا بذكر الله، ولا تنتعش روحه إلا بكلام الله، ولا يخشع كيانه إلا لله، فكل ما في المؤمن يستجيب لله، ومتى كان الإنسان صادقًا في أحاسيسه تلك أحبه الله، ولا يتركه للشيطان كي يغويه ويضله ويزين له المعصية، وكما جاء في الآية: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (سورة الحجر: 42).

وحُب الله -عز وجل- لا يتحقق إلا باجتهاد الإنسان في طلب رضا الله تعالى، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن الله تعالى قال: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه» رواه البخاري. وقال تعالى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31).

ومتى أحب الله عبده عجّل عقوبته على ذنبه ومعصيته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من يرد الله به خيرًا يصب منه» رواه البخاري. قد يجد المؤمن الصادق حلاوة حين يبتلى بأي نوع من البلاء خصوصًا إن كان يعلم أنه ترك واجبًا أو فعل محذورًا. والله حين يعاقب المؤمن فإنه يريد تطهيره من ذنوبه التي علقت به، رحمة به من أن تجتمع عليه وتهلكه في الدنيا والآخرة، فيكون هذا البلاء أو العقاب كالماء الطاهر يزيل من على جسده ما علق من الأدران، وقد يكون البلاء شديدًا وذلك حسب المعصية وحُب الله لعبده.

أخواتي، لو كان لكم أبناء وأخطأ أحدهم خطأ كبيرًا فإن والده حتمًا سيغضب عليه غضبًا شديدًا وسيعاقبه بعنف وقسوة، وقد يستخدم معه أسلوب الضرب أو الحرمان أو ربما التجويع؛ وذلك حتى يتوب ولا يكرر الخطأ، فهو وإن كان عقابًا قاسيًا، لكنه ينم عن حُب شديد، ومثال آخر ولله المثل الأعلى، لو رأيت ابنك وابن الجيران يلعبان القُمار خارج المنزل بطبيعة الحال ستصب غضبك على ابنك، وتعاقبه بشدة، وتترك ابن الجيران؛ لأنك عاقبت القريب الذي تحبه. كذلك الله يعاقب المؤمن أسرع ممن يعاقب العاصي الذي يعرض عن ذكره، ويتركه ليملي له. نقول إنها قسوة فيها الحنان، وعقاب فيه الرحمة، وتأديب دافعه المصلحة.

إن كل عقاب يبعثه الله للعبد إنما هو رحمة يعلمه، ويؤدبه فيه كي يعود إلى إيمانه من صلاح نفسه ومجتمعه، فحين يعصي الإنسان يؤدبه الله وهو به رحيم؛ لأنه يحبه ويريده في جنته، ومهما يكون هذا العقاب شديدًا وقاسيًا فليعلم الإنسان أن فيه الرحمة، وأن الله معه إلى أن يجتاز ذنوبه، ويلقى الله وما عليه من شيء، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة» رواه الترمذي.

فهنيئًا لكم تلك الرحمات أيها المؤمنون المبتلون، إنكم تعيشون عذابًا ممتعًا وحلوًا بما تجدون من حلاوة في إيمانكم واحتسابكم، هنيئًا لمن كان له بعد ذلك قلب يتعظ وفكر يعي، نحبك يا الله في كل حالاتنا، نحبك ونزداد حُبًا حين نعايش أسماءك وصفاتك في كل يوم. وحين قلت: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (سورة البروج: 12) فإننا نعلم أنك شديد بعقابك للكافرين، فأنت أشد ما تكون في رحمتك وعفوك وغفرانك للمؤمنين وقلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (سورة الأعراف: 156 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله -تعالى- مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسع وتسعون ليوم القيامة» متفق عليه، سبحان الله فكيف لنا بعد هذا أن لا نطمع برحمتك وعفوك يا أرحم الراحمين، كيف لنا ألا نفخر وأنت ربنا ونحن عبيدك، ولنا الإسلام ديننا: نعيش في ظِله مؤمنين مطمئنين آمنين:

ومما زادني شرفًا وعِزًا *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا

 دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيرت أحمد لي نبيًا

فيالك من رب رحيم تغشانا رحمته في كل حين، إن أحسنا زادنا من فضله وكرمه، وإن أخطأنا عاقبنا عقابًا هو في واقعه ومضمونه كله رحمة.



الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1122

92

الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

المجتمع التربوي 1122

نشر في العدد 1206

89

الثلاثاء 02-يوليو-1996

تأملات حزينة