; على مائدتهم في رمضان: الهند.. ورحلة بين المسجد الجامع ومعبد «اللوتس» | مجلة المجتمع

العنوان على مائدتهم في رمضان: الهند.. ورحلة بين المسجد الجامع ومعبد «اللوتس»

الكاتب تيسير الزايد

تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2008

مشاهدات 59

نشر في العدد 1821

نشر في الصفحة 44

السبت 27-سبتمبر-2008

  • دخل الإسلام الهند على يد الفاتح محمد بن القاسم عام ٩٦هـ واستقر بها الحكم الإسلامي على يد السلطان التركي المجاهد محمود الغزنوي سنة ٣٩٢هـ وامتد لأكثر من ثمانية قرون. 
  • مئات السياح يزورون المسجد يوميًا ولا يجدون من يعطيهم كتيبًا عن الإسلام أو يشرح لهم حقيقته
  • كثير من المرشدين السياحيين حول الجامع يعطون صورة سيئة عن الإسلام ويروون قصصًا خيالية عن السلاطين المسلمين
  • معبد اللوتس التابع للطائفة البهائية يحيط به شباب يتحدثون بكل اللغات ويحملون نشرات تشرح عقيدتهم الباطلة  
  • ترتفع أصوات التكبير من المساجد والمنازل عند إعلان ثبوت العيد

عندما تطأ قدماك المنطقة الشمالية من الهند وخاصة ولاية «راجستان» تشعر وكأنك دخلت كتابًا كبيرًا للتاريخ، فكل منطقة صفحة من هذا الكتاب وكل شارع سطر، وفي كل قصر حكاية وتاريخ امتزجت الحضارة الهندوسية مع الحضارة الإسلامية لتعطيك منارة (مئذنة) ذات طابع عجيب يطلق عليها «قطب منار»، تلك المنارة التي حار الناس في سبب بنائها من قبل «قطب الدين أيبك» - وهو أول حاكم من سلسلة المماليك الأتراك الذين أسسوا سلطنة «دلهي»، لتكون أعلى منارة في الهند، وثاني أعلى منارة في العالم بعد الـ «جيرالدا» بـ «إشبيلية».

يعتقد البعض أن «أيبك» أراد أن يمجد بداية عهد حكم المسلمين للهند بهذا البناء، بينما يرى بعضهم الآخر أنها مجرد مئذنة عادية تتبع المسجد الملاصق كما امتزجت أيضًا الحضارة الفارسية مع الحضارة الإسلامية لتعطيك «تاج محل» ذلك الضريح الذي أنفق فيه السلطان المسلم ذو الأصول المغولية «شاه جيهان» أموالا طائلة، وتطلب بناؤه عشرين عامًا، وتجنيد أكثر من واحد وعشرين ألف حرفي لبناء هذا «المعلم» الفريد. ليثبت للعالم إخلاصه لزوجته «ممتاز محل» التي أنجبت له من الأبناء أربعة عشر ابنا وتوفيت وهي تنجب الطفل الأخير، وفكرة الأضرحة التي أدخلها السلاطين المسلمون إلى الهند كانت فكرة جديدة بالنسبة لهذا الشعب الذي اعتاد على حرق الجثث.

المسجد الجامع بـ «دلهي»

ولتكمل رحلتك عبر التاريخ، ستمر بالتأكيد بالمسجد الجامع في «دلهي»، ذلك المسجد ذو النكهة الخاصة فهناك في ركن صغير يُخرج لك أحد أبناء سلالة السلاطين المغول ما يقال إنها شعرة من لحية نبينا محمد r ونعاله، وطبعة قدمه ومصحف مخطوط باليد يقال إنه لأمير المؤمنين «على بن أبي طالب» t، كان قد حملها المغول من «مكة» إلى «الهند» وتوارثتها الأجيال هناك، كما أنك ستلاحظ قطعة من الرخام الأبيض بجانب حوض الوضوء رأى «شاه جيهان» الذي شيد الجامع في عهده في منامه أن الرسول r كان يتوضأ في هذا المكان.

وللمسجد ثلاثة مداخل كبيرة في الأضلاع الشرقية، والشمالية، والجنوبية تؤدي إلى صحن المسجد، وبأركانه الأربعة توجد أربعة أبراج كبيرة، والمسجد مربع المساحة، يتوسطه صحن مكشوف داخله حوض الوضوء، ويوجد بالجامع سبعة محاريب أكبرها المحراب الأوسط برواق القبلة، وهو مكسو بالرخام الأبيض والأسود، ومزخرف بالرسوم الهندسية والخطوط النسخية والأشكال النجمية أما باقي المحاريب الستة فهي أصغر حجماً وجميع المحاريب في المساجد الهندية نتجه ناحية الغرب، وهو اتجاه الكعبة المشرفة، وقد مر المسجد الجامع بدلهي (الاسم القديم) لدلهي بالعديد من الأحداث التاريخية، حيث كان مقرًا وسجنًا كبيرًا للأسرى الهنود على يد الإنجليز في منتصف القرن ۱۳هـ/ ١٩م، ورغم هذه الأحداث المريرة ظل شامخًا شاهدًا على تاريخ المسلين العظيم في الهند، ومطلا على دلهي من فوق ربوة عالية.

معبد اللوتس

شعور غريب سينتابك عندما تذهب لمشاهدة «معبد اللوتس» هذا المعبد الذي شيدته الطائفة البهائية لتنشر دعوتها الباطلة وبالتحديد شعور بالحزن والأسباب عدة، منها ما تراه من فتيات عربيات تم تجنيدهن للدعوة لهذا الباطل عند أبواب المبنى ذي الهيئة المعمارية المتقنة، يتحدثن معك عن هذا الدين الجديد، وتشعر بين كلماتهن بالضياع الذي يعشنه، ويزداد حزنك عندما تتذكر ما يحيط بالمسجد الجامع في دلهي من الفقراء الشحاذين والعمال حصروا مهمتهم في الحفاظ على حذائك، وما أن تخرج حتى يطلب منك المال نظير ما قدمه لك من خدمة !!

مئات السياح الأجانب يزورون المسجد الجامع يوميًا ولا يكلف أحد نفسه عناء إعطائهم كتيبًا عن الإسلام، أو أن يشرح لهم حقيقته بل على العكس ستجد كثيرًا من المرشدين السياحيين يقصون على السياح الأجانب ما يريدونه من قصص خيالية عن السلاطين المسلمين وجواريهم وزوجاتهم الكثيرات.

أما إذا ما تجولت حول معبد اللوتس ستجد الحدائق والنافورات والشباب الذين يتحدثون معك بكل اللغات، ويحملون نشرات أيضًا بجميع اللغات، ومكتبة كبيرة بها الكثير من الكتب التي تشرح عقيدة الباطل، وبالتأكيد ستحول شعور الحزن إلى شعور التمني بأن يتحول هذا الاهتمام أو بعضه ليشمل المسجد الجامع بدلهي لنجد من الشباب من يتكلم عدة لغات ويشرح للعالم عقيدتنا السمحة.

نبذة تاريخية

معروف أن الإسلام دخل إلى الهند عن طريق الفاتح محمد بن القاسم الثقفي واستقر بها الحكم الإسلامي منذ أن بدأ السلطان التركي المجاهد محمود الغزنوي، فتوحاته العظيمة في الهند سنة (٣٩٢هـ = ١٠٠١م)، وامتد لأكثر من ثمانية قرون تعاقبت في أثنائها الدول والأسر الحاكمة، ونعم الناس بالأمن والسلام والعدل والمساواة، وازدهرت الحضارة على النحو الذي لا تزال آثارها الباقية في الهند تعلن عن عظم تلك الحضارة.

كانت إمبراطورية المغول في الهند آخر دولة حكمت الهند، ودام سلطانها نحو ثلاثة قرون منذ أن أسسها ظهير الدين بابر في النصف الأول من القرن العاشر الهجري وتوالى على حكمها عدد من السلاطين العظام يأتي في مقدمتهم السلطان «جلال الدين أكبر» الذي نهض بالدولة نهضة عظيمة ونجح في تنظيم حكومة أجمع المؤرخون على دقتها وقوتها. والسلطان «شاه جيهان» الذي تحدثنا عنه سابقاً، والسلطان «أورنك أزيب» الذي تمسك بالسنة وأشرف على الموسوعة المعروفة بالفتاوى الهندية أو العالمكيرية، نسبة إلى «عالمكير»، وهو اسم اشتهر به في الهند.

ضعف الدولة

ثم أتى حين من الدهر ضعفت فيه الدولة بعد قوة، وانصرف رجالها إلى الاهتمام بمصالحهم الخاصة، وإيثار أنفسهم بالكنوز التي حصلوا عليها في فتوحاتهم، وانتهز «نادر شاه الفارسي فرصة تردي الدولة المغولية في الهند، فزحف عليها سنة (١١٥٣ هـ = ١٧٤٠م) وأحدث بدلهي عاصمة الدولة الدمار والخراب، وأعمل السيف في أهلها، ورجع إلى بلاده محملًا بغنائم هائلة.

وساعدت هذه الأوضاع أن يزحف الإنجليز للسيطرة على الهند تحت ستار شركة الهند الشرقية، وانتهى الحال بأن دخل الإنجليز «دلهي»، في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، وبسطوا سلطانهم في البنجاب، وقد فقد المسلمون في الفترة التي استولى فيها الإنجليز على الهند ما كانوا يتمتعون به من سلطان ونفوذ ولم يكن لسلاطين دلهي من الحكم شيء وتمادى الإنجليز في طغيانهم، فعمدوا إلى تغيير الطابع الإسلامي البعض المناطق الهندية ذات الأهمية الكبيرة وإلى محاربة التعليم الإسلامي، والاستيلاء على الأوقاف الإسلامية، وأذكوا نار العداوة بين المسلمين والطوائف الأخرى.

سيطرة الإنجليز

في ظل هذه الأجواء المتردية تولى «بهادر شاه» الثاني الحكم في الهند سنة (١٢٥٤هـ = ١٨٣٨م)، خلفًا لأبيه السلطان محمد أكبر شاه الثاني، وكان الإنجليز في عهده قد أحكموا سيطرتهم على البلاد، وفرضوا نفوذهم على سلاطين الهند الذين كانوا يتقاضون رواتب مالية منهم، وغدوا كأنهم موظفون لديهم، وبلغ من تعنتهم ومدى نفوذهم أنهم كانوا يتحكمون فيمن يدخل دلهي، ومن يخرج منها.

ولم يكن عهد بهادر شاه الثاني، أحسن حالاً من عهد أبيه، فسياسة الإنجليز لا تزال قائمة على جعل أعمال الحكومة في أيديهم، في حين يبقى الحكم باسم السلطان المسلم، ويذكر اسمه في المساجد، وتضرب النقود باسمه، وكان هذا منهم عملا خبيثا يفرقون به بين الحكم وبين الملك، الذي عد رمزًا للحكم الإسلامي ويحكمون هم باسمه باعتبارهم نائبين عنه، وقد فطن العلماء المسلمون في الهند لهذا العمل المخادع فعارضوا هذه السياسة وقاموا في وجهها، وقالوا : «لا يتصور أن يكون هناك ملك إسلامي بدون حكم إلا إذا تصورنا الشمس بدون ضوء»، وأعلنوا حين صار هذا الوضع سائدُا في الهند أنها أصبحت دار حرب، وعلى المسلمين أن يهبوا للجهاد ضد الإنجليز حتى يردوا الحكم إلى أهله.

سخط عام

وحتى هذا الوضع الشائن للحكام المسلمين لم يستمر طويلا، فقد أعلن الإنجليز أنهم في طريقهم للقضاء عليه، فوجهوا إنذارًا إلى «بهادر شاه الثاني» الذي كان أسير القلعة الحمراء التي يسكنها في «دلهي» بلا نفوذ أو سلطان - أنه آخر ملك يسكن القلعة، وأنها ستصبح ثكنة عسكرية، وأن المخصصات التي يأخذها منهم ستنقطع بعد وفاته، وكان هذا يعني القضاء على دولة المغول في الهند، وكان لهذا الخبر وقع الصاعقة على الشعب المسلم في الهند. كان هناك سخط عام في الهند على وجود الإنجليز الذين ينهبون خيراتها ويمارسون سياسة متعسفة وظالمة ضد المسلمين، وكان شمال الهند أكثر المناطق استعدادًا للثورة، حيث يكثر المسلمون، وتطغى سياسة الإنجليز الباطشة والمستهزئة بعقائد المسلمين وعباداتهم.

رمضان في الهند

يبلغ عدد المسلمين في الهند قرابة ١٥٠ مليون مسلم، ويمثلون ١٥% من إجمالي عدد سكان الهند البالغ عددهم نحو المليار نسمة، وهم يشكلون الديانة الثانية في الهند بعد الهندوسية. وللمسلمين في الهند قوانين خاصة بهم أقرها الدستور الهندي في القضايا الاجتماعية والشخصية، مثل الزواج والميراث وما يتعلق بها، ولهم حرية العبادة ونشر الدين والدعوة إليه بلا إجبار، ولكن الآن في غياب زعامة قوية وسيطرة المتعصبين الهندوسيين على الأحزاب السياسية وتشتت الأحزاب المعارضة للمتعصبين بدأت المؤامرات لاستئصال المسلمين وصدهم عن دينهم، ورفع الحقوق التي مازالوا متمتعين بها .

يسمح قانون العمل الهندي للمسلم بتقديم ساعتين المغادرة الدوام الرسمي في نهار رمضان، وليس هناك إجازة رسمية، ولا تعديل في الدوام خاصة بشهر رمضان أما عيدا الفطر والأضحى ففيهما إجازة عامة لعموم الهند، وكذلك موسم الامتحانات العامة والانتخابات فينظر فيها ألا تكون في رمضان ولا في الأعياد. 

يستعد المسلمون في الهند لشهر رمضان منذ شعبان فهم يحيون ليلة النصف من شعبان بالدروس والصلاة والسهر في المساجد والتوجه إلى الله بالدعاء، كما يستعدون في نهاية شعبان بتنظيف المنازل والمساجد وتزيينها وترتيب الطلبات الرمضانية والزيارات الأسرية وتغلق المطاعم التي يملكها المسلمون طوال النهار حتى ينقضي رمضان.

ارتياد المساجد: ويحافظ أغلب المسلمين في الهند على لبس غطاء للرأس (الطاقية) خصوصًا في هذا الشهر، ويرتادون المساجد للصلاة وتلاوة القرآن، إذ يجتهد كل مسلم هناك في قراءة ختمة من القرآن خلال هذا الشهر، وعادة ما يكون ذلك في ليلة السابع والعشرين. ومن العادة عند مسلمي الهند بعد دعاء ختم القرآن توزيع الحلوى، وقد يوزعون شيئًا من السكر، أو نحو ذلك، وهم يولون عناية خاصة بليلة القدر على وجه أخص، وهي عندهم ليلة السابع والعشرين، وهم يستعدون لإحياء هذه الليلة بالاغتسال والتنظف ولبس أحسن الثياب وربما لبس بعضهم الجديد من الثياب، احتفاءً بهذه الليلة، وتقديرًا لمكانتها.

ومن العادات المعهودة في صباح هذه الليلة ليلة السابع والعشرين - عند مسلمي الهند زيارة القبور، حيث يخرج الجميع إلى المقابر الزيارة موتاهم، وقراءة ما تيسر من القرآن عند قبورهم.

حشود غفيرة

وتسمى الجمعة الأخيرة من رمضان عند مسلمي الهند «جمعة الوداع» ويعتبر المسلمون هناك هذه الجمعة مناسبة عظيمة للاجتماع والالتقاء.. ويشهد أكبر مسجد في مدينة «حیدر آباد» حشودًا غفيرة من المسلمين بحيث تصل صفوف المسلمين وقت أداء الصلوات قرابة ثلاثة كيلو مترات من كل جانب من جوانب المسجد، ولأجل هذا الاجتماع تغسل الشوارع والساحات المجاورة لهذا المسجد ليلة الخميس السابقة ليوم الجمعة الأخيرة من رمضان، كما يمنع مرور الناس في تلك الشوارع والساحات المحيطة بهذا المسجد، ويبقى هذا الحظر ساري المفعول إلى وقت الانتهاء من صلاة الجمعة وسبب اهتمامهم بمسجد حيدر آباد - الذي يسمونه ب مكة مسجد . هو أن حجرا من مكة يدخل ضمن بنائه، وتهتم المساجد بتنظيم الدروس الدينية والمحاضرات التي يستقدم لها دعاة معروفون.

وجبات الإفطار

ويفطر المسلمون هناك عادة على رشفات من الماء إذا لم يجدوا تمرًا، وبعضهم يقطر بالملح الخالص وذلك عملا يقول تذكره بعض كتب الحنفية إن من لم يجد التمر أو الماء ليفطر على الملح، وهي عادة لا تعرف إلا بالهند ويجتمع كل جماعة في مسجد حيهم على طعام الإفطار، وتشتمل مائدة الإفطار الهندية على الأرز، وطعام يسمى «دهى بهدى» يشبه طعام الفلافل مع الزبادي، والعدس المسلوق، وطعام يطلق عليه اسم «حليم» و«الهريس» وهو يتكون من القمح واللحم والمرق، وكل هذه الأنواع من الطعام يضاف إليها الفلفل الحار. 

أما المشروبات فيتصدرها عصير الليمون واللبن الممزوج بالماء، والحليب، وفي ولاية «كيرالا» جنوب الهند، تحضر بعض الأسر المسلمة هناك مشروبًا يتكون من الأرز والحلبة ومسحوق الكركم وجوز الهند لوجبة الإفطار ويشربونه بالملاعق المصنوعة من قشور جوز الهند معتقدين أن هذا المشروب يزيل تعب الصوم، وينشط الصائم للعبادة ليلًا.

مكانة العيد

وللعيد مكانة خاصة في قلوب المسلمين فالمسلمون في الهند يستعدون للعيد في الأيام الأخيرة من رمضان بشراء مستلزمات العيد، كما أن اللجان الإسلامية تقوم بإعداد برامج العيد المتنوعة من مؤتمرات علمية ورحلات سياحية ومباريات رياضية وغيرها من المناشط حفاظًا على الشباب من الانحراف بسبب الاختلاط بين التيارات الاجتماعية المختلفة وخطر التبشير النصراني أما بالنسبة لصلاة العيد فتقام غالبًا في المساجد، وهناك من ينظمها في الميادين العامة وترتفع أصوات التكبير من المساجد والمنازل من حين إعلان ثبوت العيد، ويتم تبادل التهاني.

الرابط المختصر :