العنوان عودة الشريف الهندي.. تغيرات سياسية وشيكة في السودان
الكاتب خالد التيجاني النور
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1255
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 24-يونيو-1997
عاد الشريف زين العابدين الهندي ظهيرة الثلاثاء قبل الماضي إلى الخرطوم على متن رحلة عادية للخطوط الجوية السودانية من العاصمة السورية دمشق.
عودة الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض للسودان - على خلفية التطورات المعروفة التي تحيط بالملف السوداني - حدث استثنائي بلا شك إن لم يشكل بالفعل علامة فارقة في مستقبل العمل السياسي في البلاد عطفًا على أسلوب الأطراف المعنية في التعاطي مع المسألة، ومهما سيكون المآل، فإن الشريف الزين الذي حط رحاله أخيراً في سراي الشريف يوسف الهندي في «بري» على ضفاف النيل الأزرق في العاصمة السودانية قد دلق مياهًا غزيرة في مجرى السياسة السودانية.
وما أن بددت عودة الزين ظنون وهواجس كثيرة وتكهنات شتي جهد البعض أن يروج لها تشكيكًا في عزم الرجل على الوفاء بما قطعه على نفسه في بيان طيرته وكالات الأنباء من دمشق أواسط مايو / أيار الماضي، حتى بدأت تثور تكهنات جديدة تغذيها هذه المرة تساؤلات تدور كلها حول ثم ماذا بعد؟
الشريف الزين من جهته كان حاضرًا بإجابته وهو يجيب عن أسئلة الصحافيين في القاعة الرئاسية في مطار الخرطوم في أول تصريحاته: «لسنا طلاب سلطة، وإنما يهمنا كيف يحكم السودان لا من يحكم السودان، فإن كان ذلك مقبولًا من السلطة فإننا ندعو لها بالبقاء، وليست لدينا أية شروط مسبقة سوى أن يستوعب الوطن بنيه وأن يتوافر لهم الأمن والاستقرار، ولا أحسب أن الحكومة تريد شيئًا غير هذا»، ومضى الزين في تحديد أدق لموقفه: «ليست بيننا شروط ولسنا مختلفين إذا كنا نجتمع على وحدة البلاد ووحدة شعبها واستقراره وتقدمه»، وفي تقييمه لموقف المعارضة الخارجية اعتبر أن لمبادرته أثرها عليها: «إن تخلت عن نهج الفردية والطموح والتعصب وخلت إلى وطنيتها الصافية التي تجمعها مع بقية أفراد الشعب لن يكون حينها هناك خلاف».
تصريحات الزين على النحو الذي أنت به لقيت ترحيبًا وارتياحًا واسعًا وملحوظًا خصوصًا لدى أوساط الحكم... أحمد عبد الرحمن محمد السياسي الإسلامي المعروف بتوجهاته التصالحية في الأوساط السياسية السودانية والذي كان على رأس مستقبلي الشريف العائد أعرب لـ المجتمع عن ارتياحه البالغ لمواقف الزين، وقال تعليقاً على تصريحاته: «لقد كان موفقًا جدًا في الإفصاح عن رؤيته السياسية بوضوح بلا شك في تصريحات إيجابية تهيئ الأجواء لتفاهم ممكن»
التعددية السياسية
ورغم أن حكومة الإنقاذ أبدت ترحيبًا ظاهرًا ولائقًا احتفاء بعودة المعارض البارز، إلا أن ثمة إحساس عام يعتقد المراقبون أن يسود الأوساط السياسية السودانية ومن بينهم مؤيدون للإنقاذ يحيط بحقيقة موقف الحكومة .... حدوده وسقفه من أطروحات الشريف زين العابدين خاصة أنه قد بلغت خطوات مبادرته للحوار أقصى مداها بعودته للبلاد تأكيدا لجديته، وما يزيد من أجواء الاستفهامات لدى البعض هو القدر الكبير من الحرية التي تتناول به صحافة الخرطوم مستقبل الوضع السياسي في البلاد بما في ذلك دعوات صريحة وواضحة بدت أقرب لتشكيل رأي عام مفاده أن الأوان قد حان لإقرار التعددية السياسية وسيلة لحكم البلاد، وإن ذهب مقترحو ذلك مذاهب شتى في تصورهم للتعددية التي يريدون، فمن مناد لعودة الأحزاب على إطلاقها إلى داع لتعددية تقوم على المنابر إلى متبن لتعددية حزبية تقوم على أسس جديدة بقانون يحفظ للتجربة الجديدة المقترحة رشدًا ظل مفتقدًا في تجارب الممارسة الحزبية السابقة في دوراتها الثلاثة الماضية، ويكاد جميع السودانيين يقرون بفشلها، ولعل المقال الذي كان أكثر لفتًا لانتباه المراقبين في هذا الخصوص ما خطه السياسي المعروف أحمد سليمان المحامي، واعتبر فيه أنه «رغم خوف البعض من غلو الحزبية وخطورة السماح بتعددها، فإنها تبدو كأمر واقع لا يمكن تجاهله»، وقرر أن الخشية من عودة التعددية الحزبية لا مبرر لها وقد فاجأ هذا الرأي لأحمد سليمان الأوساط السياسية السودانية التي درجت على اعتباره «انقلابيًا لا يؤمن بالعمل الجماهيري الدؤوب» وفق رأي عبد الخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني الذي كان أحمد سليمان أحد ألمع قياداته قبل أن يتركه وينضم للحركة الإسلامية السودانية، وهو ما جعل المراقبين يفسرون موقف سليمان على أنه لا يمثل رأيه فحسب، بل يعكس تحولًا تشهده أروقة قيادة الحركة الإسلامية في ذات الاتجاه.
ويبدو أن الغموض الذي يرى البعض أنه يكتنف موقف «ثورة الإنقاذ الوطني»، من هذه التطورات ربما تسبب فيه أن المراقبين أغفلوا إخضاع بيان بالغ الأهمية للتحليل وإعطائه ما يستحقه من وقفة متأنية في قراءة مستقبل الصبغة السياسية في السودان، ولعل إعادة قراءة وتحليل هذا البيان وإنعاش الذاكرة بالمضامين التي حملها سيفك الكثير من الألغاز وعلامات الاستفهام خاصة أنه صادر من الدكتور غازي صلاح الدين عتباني الأمين العام للمؤتمر الوطني وهو «النظام السياسي الثورة الإنقاذ الوطني»، وبيان الدكتور غازي الذي أصدره في مايو / أيار الماضي جاء ردًا على بيان دمشق الذي أعلن فيه الهندي قراره بالعودة للبلاد، وبجانب ترحيب الأمين العام للمؤتمر الوطني بعودة الشريف حمل البيان والذي يبدو أنه صيغ بعناية خاصة، جملة مواقف وتصورات ثورة الإنقاذ الوطني للتطورات السياسية المرتقبة في البلاد.
إنتقال سياسي
ولعل أهم ما جاء في بيان الدكتور غازي تأكيده أن البلاد باتت مهيأة لحدوث انتقال سياسي وهو ما يعني أن واقعًا سياسيًا جديدًا في البلاد صار يرسم التشكيل، وبدا واضحًا أن بيان المؤتمر الوطني حرص على التأكيد على أن هذا الظرف المناسب لحدوث ما سماه «الانتقال السياسي» حتمته «تطورات الواقع السياسي كما تراه الإنقاذ» المؤمنة «بالحوار والوفاق كقيمة ذاتية أصيلة لا قيمة عرضية»، تمليها «تصاريف السياسة وتقلبات الضغوط والأزمات»، ولم ينبع «من إحساس بالكارثة أو الأزمة المطبقة»، وساق بيان الأمين العام للمؤتمر الوطني جملة مبررات وفرت الظروف المناسبة لحدوث «الانتقال السياسي»، في البلاد وهي «تحقيق قدر كبير من الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية وتوقيع اتفاقية السلام التي حسمت قضيتي الشريعة والحكم الاتحادي».
وعما إذا كان «الانتقال والتطور السياسي» هذا يعني بالضرورة عودة التعددية الحزبية ترك الأمين العام للمؤتمر الوطني الباب مفتوحًا معتبرًا أن الحديث عن التعددية الحزبية الآن استباق للدستور ولا تعدو الآراء أن تكون في هذا الصدد مواقف شخصية حتى وإن صدرت من بعض المسؤولين والأهم من ذلك كله أن بيان الأمين العام للمؤتمر الوطني حمل موقفًا بالغ الدلالة حين أكد أن «الإنقاذ لم تتبن مطلقًا موقفًا نهائيًا متحررًا في مسألة التطور السياسي»، وأحال القرار في ذلك إلى «إجراءات الدستور التي تتضمن قيام لجنة قومية تستهدي بحوار شعبي مستفيض ثم تعرض مسودتها لمزيد من النقاش والضبط التشريعي أمام المجلس الوطني، ثم لاستفتاء شعبي جامع».
وفي إشارة إلى أن جميع الخيارات مفتوحة قال الدكتور غازي إن «الإنقاذ لا تخشى أي خيار يتوصل إليه عبر هذه الإجماعية»، لأنها «لا تخشى المنافسة لوثوقها في ثقلها الجماهيري ونفوذها المعنوي»، ولاطمئنانها «للحراك والتحول الاجتماعي الذي أحدثته بأطروحاتها الفكرية ومجاهداتها العملية».
ولعل أهم ما يمكن للمراقبين استخلاصه من بيان الأمين العام للمؤتمر الوطني أن الدوائر السياسية لـ «ثورة الإنقاذ»، تعدت بالفعل مرحلة قبول مجرد فكرة إحداث «انتقال سياسي»، بغض النظر عن المسببات التي أدت إلى ذلك، إلى الحديث عن تطور سياسي وشيك حددت آلية إحداثه عبر «إجراءات الدستور» ، و«اللجنة القومية للدستور» و«الحوار الشعبي» و«الاستفتاء»، والأهم أن الباب ترك مفتوحًا على مصراعيه أمام كافة الخيارات بما في ذلك بالضرورة عودة التعددية الحزبية، وهذا تطور أفرز موقفًا جديدًا منفتحًا يستحق الوقوف عنده، خاصة عندما يأتي من المؤتمر الوطني الذي ينظر إليه الكثيرون باعتباره حزب السلطة الواحد. واللافت للنظر أن «النظام السياسي لثورة الإنقاذه» لم يشترط حدوث هذه التطورات السياسية المنتظرة من خلال مؤسسته وإنما أقر بأنها ستتم عبر آليات أخرى.
ومهما يكن من أمر فإن من المؤكد أن الوضع السياسي في السودان بات على أبواب مرحلة جديدة في تاريخه وعودة الشريف زين العابدين تفتح الصفحة الأولى في هذا الفصل وما سيتمخض عنه حواره مع الحكومة حاليًا سيحدد مآلات الأوضاع السياسية في البلاد .
الأمين العام المساعد للمؤتمر الشعبي الإسلامي في السودان
اتفاقية السلام شملت الدولة والدين.. وأقرت بحرية التبشير بالأديان جميعها!
الدوحة : حسن علي دبا
أعلن السيد إبراهيم محمد السنوسي - الأمين العام المساعد للمؤتمر الشعبي الإسلامي وعضو المجلس الوطني بالسودان - أن اتفاقية السلام التي تم توقيعها موخرًا مع الفصائل الجنوبية شملت قضايا وطنية وقومية وقضايا الدولة والدين وأقرت بأن حرية التبشير بالأديان كلها مكفولة، كما أقرت بأن غالبية السكان في السودان من المسلمين فأعطتهم حق التشريع وأن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع مع العرف.
وردًا على الاتهامات التي توجه للسودان في مجال الديكتاتورية والإرهاب قال نائب د. حسن الترابي بأن هذه الاتهامات تستهدف إسقاط النظام السوداني القائم بواجهتين:
الأولى: إلقاء تهمة الدكتاتورية عليه كأنه الدولة الوحيدة في العالم التي لا تمارس الديمقراطية بالطريقة الغربية الإنجليزية أو الأمريكية في وقت يموج فيه العالم بكثير من الأنظمة التي لا توجد مقارنة بينها وبين السودان ممارسة أو واقعًا، بل إنه رغم ذلك يتم التعامل معها وتقديم المعونات بمليارات الدولارات لها، بل ولا يتم الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان فيها طالما أن ذلك الانقلاب قد وقع بتأشيرة غربية «كابيلا التونسي وماذا فعل بالهوتو، ومع ذلك تساعده أمريكا وتصنع منه بطلًا. إضافة لاضطهاد الزنوج ونهب حقوقهم في أمريكا نفسها»، وعلل السنوسي ذلك كله بأنه بسبب النهج الإسلامي الذي تبناه السودان رغم أنه لا يوجد الآن معتقل سياسي واحد في السودان،
والثانية: هي تهمة زعزعة أمن الجيران، وقال إن المراد بها هو تحريض الجيران لغزو السودان.
وعن الاتهام بالإرهاب قال: إن ذلك قد تم يوم ألغى السودان التأشيرة أمام الإخوة العرب لدخول السودان للاستثمار والتجارة والاستجارة، وهي واحدة من قيم الدين التي نادى بها القرآن الكريم، وحين نجمت بعض المشاكل أعاد السودان العمل بالتأشيرة، لقد قصد بالاتهام بالإرهاب تشويه المشروع الإسلامي وسمعة السودان وتخويفه.