العنوان رمضان فرصة لترتيب أولويات الأسرة
الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني
تاريخ النشر الأربعاء 01-يونيو-2016
مشاهدات 57
نشر في العدد 2096
نشر في الصفحة 24
الأربعاء 01-يونيو-2016
رمضان فرصة لترتيب أولويات الأسرة
لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية، وتقويم الجسد بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كافٍ؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟!
أ.د. زيد بن محمد الرماني
إنّ للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة، منها ما يدركه العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلاً، والثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ثراؤك على قدر توفيرك
إنّ من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وغيرها من الضروريات، لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك - على كل حال - ينبغي مراعاتها.
«إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير»، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرّر مستوى رفاهيته ودرجة ثرائه، والأمر كله متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك كما هي حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.
وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرِّين على أن الدولة وسياستها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية؛ عادوا ليقرِّروا أن المستهلك والمنتج هما سيدا اللعبة.
فيوم يربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، ستحدث عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاعه بخيراته على أكمل وجه.
وهكذا، فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في «التربية الاستهلاكية»، وهو مفهوم حديث نسبياً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كُلْ واشربْ والبسْ وتصدّقْ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة»، وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله: «كل سرف فبإزائه حق مضيّع».
لا تكن من إخوان الشياطين
إن الصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر؛ ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلّت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدّين القيّم، قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾(النحل)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم في سورة «القصص» (الآيات 76 - 83)، وفرعون وغيرهما من الذين جحدوا نعم الله تعالى.
فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها، وهو عمل يذمه الإسلام ذمّاً كبيراً، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.
إن الجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك المفرط، والاستعداد للاستهلاك في رمضان يبدأ مبكراً مصحوباً بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات والمهرجانات التسويقية التي تحاصر الأسرة في كل مكان وزمان، ومن خلال أكثر من وسيلة، فالزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد، والأولاد يُلحِّون في مطالبهم الاستهلاكية، والمرء نفسه لديه حالة شراهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك وبكميات أكثر من اللازم.
احذر هذه العادات في رمضان
ومن الأسف أن اعتاد بعض الناس على عادات سيئة دخيلة في شهر رمضان، تتمثل في طريقة الإنفاق الاستهلاكي وهي ليست من الإسلام.
ومن ثم فإن الزوجة التي تعد وتطبخ، والزوج الذي يجلب وينفق، كلاهما متهم بالشراهة الاستهلاكية التي تنتاب مجتمعنا في رمضان وغير رمضان.
لذا، يمكن القول، بصفة عامة: إن الإسراف في هذا الشهر (رمضان) وفي غيره سمة من سمات منطقتنا العربية، فيكون النهار صوماً وكسلاً والليل طعاماً واستهلاكاً غير عادي.
فرصة لترتيب الأولويات
إنّ صفة استهلاك المسلم هي الكفاية لا التبذير، ومنفعته تتحقق ليس فقط بالإشباع المادي بل من خلال الإشباع الروحي بأداء الواجب نحو المسلمين من مال الله الذي رزقه إياه، ومنفعته تتحقق حتى في قيامه بواجبه نحو المسلمين، وقبل ذلك أهله وزوجته وأولاده.
ولذا، يسعى المسلم إلى مرضاة الله تعالى، فيشكر الله على نعمه ويحمده ليحقق منفعة بسد حاجته، وبلوغ متعته والكفاية عن الحرام، وتحقيق مرضاة الله ونيل ثوابه عز وجل.
إن شهر الصيام فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة بالمفهوم الاقتصادي، وعلى قائمة الاستبعاد النفقي ثم فرصة لترتيب سلم الأولويات، ثم فرصة كذلك للتعرف على مستوى الفائض الممكن.
ثم إن شهر رمضان فرصة لتحقيق ترشيد أفضل، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بالقاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: «كلوا واشربوا ولا تسرفوا»، هذه القاعدة - ولا شك - هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام.
لقد أكدّ الباحثون حقيقة مهمة تنص على أن فوضى الاستهلاك تبرز بوضوح حينما تبدأ الزوجة بعرض نفقاتها لتكون نفقات من السلع والمواد الغذائية التي تبتلع فعلاً الدخل الشهري حتى آخر قرش فيه.
وتنتقل عدوى التبذير إلى الأطفال؛ فينمو معهم انعدام الحس بقيمة الأشياء، فلا يحافظون بالتالي على لِعَبهم أو كتبهم، وفي ظل ذلك، لا تصبح قضية وقتية حالية، بل مسألة تمتد إلى المستقبل، ولا يعود التبذير والترف مقتصراً على الأسرة بل والوطن كذلك، فشهر رمضان يجري تحويله عاماً بعد عام إلى مناسبة للترويج الكثيف والحاد لمختلف السلع، وتسهم في ذلك بقوة مختلف وسائل الإعلام وفنون الدعاية ووكالات الإعلانات.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل