; حوار الحضارات.. آمال وعقبات | مجلة المجتمع

العنوان حوار الحضارات.. آمال وعقبات

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1998

مشاهدات 78

نشر في العدد 1330

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 15-ديسمبر-1998

حينما تطرح فكرة حوار الحضارات يقفز للذهن شريط من ذكريات التاريخ ومذكراته، لينتصب على طرفي تقاطعاتها كل من الإسلام والغرب وما حفلت به القرون الخوالي من تناقضات بينهما وصراعات وعداء مزمن وعقد مستحكمة فيما تنزوي حضارات أخرى عن مسرح الذاكرة، فلا كونفوشيوسية الصين ولا بوذية الشرق، وهندوسيته، ولا الزرادشتية التي احتوى الإسلام المؤمنين بها فلم تبق عجلة الحضارة منهم إلا جموعًا وأشتاتًا مهمشة، لا دور لها في ذكر أو ذاكرة.

من هنا تتشخص الحضارات التي تريد - أو يراد لها - أن تتحاور أو تتجاور في عالم اختزل عفريت التكنولوجيا مساحاته وطوت آلياته من عنده علم من الكتاب مسافاته، ولم يعد مترامي الأطراف بعد أن تجاذبتها وسائل النقل والاتصال، وحولتها إلى قرية صغيرة بمكنتك أن ترى وتسمع من في أقصى زواياه، قبل أن يرتد إليك طرفك.

ولذلك فالحوار بكل دقة ووضوح متمحور بين الإسلام والغرب فقط، الإسلام بكل ما فيه من عقائد وتشريعات وقيم، والغرب بكل أصول اليونانية، والرومانية والمسيحية، بل والمادية المعاصرة، وهو حوار طفحت على جدول أعماله مرارة الماضي، وحرارة الحاضر، وهواجس المستقبل لكي تصر جميعًا على ضرورة سيادة روح تشطب من قواميس التعاطي فيه مفردات الاستلاب والاحتراب، والإلغاء والاستعلاء والتهميش والتجييش والسيطرة والتفرعن.

 وتؤطر مساجلات البحث فيه النوايا المخلصة والجدية في العمل على ابتداع حاضر أكثر أمانًا، وإشراقًا، وأخلاقًا، وصياغة مستقبل أكثر اطمئنانًا، واغتناء، وترافدًا وتعايشًا، لتحقيق نمو إنساني الملامح، خير الأهداف، بعيدًا عن طوباوية التنظير، وعقم التفكير، وضيق النظرة، وطغيان المصلحة اللامشروعة.

وأحسب أن حوارًا كهذا، هو من أعقد منتديات الجدل الإنساني على طول التاريخ، لكن المراهنة على وعي البشر، واستنطاق العقل واحترام المنطق تضفي على المتحاورين أجواء من الأمل والتفاؤل الذي من شأنه أن يذيب جبال الجليد التي تراكمت فوق قمم الذاكرة التاريخية ويمنح الدفء لعالم أتعبه الصراع، وأرهقه النزاع، وسرت في جسده قشعريرة برد اليأس المميت.

ولكن القفز على التاريخ والواقع بأجنحة الأماني سوف يسقط المتفائلين جدًّا، في نيران الاحتكاك الأزلي القديم - الجديد، حيث تجوب في المخيلة الشعبية الإسلامية ملفات الحروب الصليبية، وسقوط الأندلس، وسقوط الدولة العثمانية، وتمزيق العالم الإسلامي، وإضعافه واستعماره، ثم إقامة الكيان الصهيوني، في واحدة من أقدس مقدسات الإسلام والمسلمين ونهب الثروات ومعاداة الإسلام، والكيد بفرسان وعيه والحؤول دون عودته نظام حياة، ومنهج عمل، ومشروع أمل، وأخيرًا وليس آخرًا التلويح بالعصا الغليظة، لمن لا يغرد في السرب.

كل هذه الوقائع قد استقرت في شعور ولا شعور المسلمين لتثير في وجدان محاورهم كل معاني التوجس والخوف والحذر، وهو يواجه محاورًا يتسلح بالقوة والغطرسة والهيمنة ويتدرع بالتقدم العلمي والتكنولوجي، ويهدد باستخدام القوة، ويرسم خرائط جديدة للعالم في ورشة العولمة لفرض أنماط من السلوك والثقافة والفكر والفن والحياة والمعتقدات، وفي كل ذلك استفزاز للمحاور المسلم وصدمة لآماله وتغذية مستمرة لمشاعر الإحباط والشجب والارتياب لديه، ومن ثم انعدام الثقة وفقدان الآمال.

وإذا كان هذا هو حال المحاور المسلم؛ ففي الطرف الآخر من مائدة الحوار، مفاوض غربي غذته مفتريات الاستشراق، وعدوانية الكنيسة ودعايات الإعلام، ومكائد قوى الضغط الديني والسياسي والعرقي العنصري.. بقائمة من التشكلات الروحية، ذات البعد النفسي والاجتماعي السلبي، التي صورت الإسلام وكأنه بدائية «ما قبل الحداثة» الغارقة في أنماط سلوكية وعقيدية منحرفة، تترشح عنها مفردات العدواني الجنسي المتعصب الأناني، المعادي للمرأة والحريات والتقدم وحقوق الإنسان ليصبح فيما بعد كائنًا مستبدًا، خرافيًّا، قدريًّا تراثيًّا، لا يستحق إلا الكراهية والسخرية والازدراء.

عزز هذا الفهم تخلف العالم الإسلامي وترديه، وأكدته في ذهن الآخر ممارسات سيئة لبعض المسلمين ممن زاروا الغرب أو أقاموا فيه فتركزت النظرة السلبية القائمة لتخلق مخيلة شعبية، في ذهن الأوروبي، تمونه بأسوا التصورات عن الإسلام وأهله.

هذه هي الأجواء والمناخات الحاكمة، في غرف الحوار، وفوق موائد التفاوض ترى كيف سنتحاور؟ وهل هناك وجه انتخابي آخر يتراءى للراغبين في الحوار، كي يبدد سحب التشاؤم ويزرع في النفوس الأمل.

الجواب بكل تأكيد هو الإيجاب الموحي «بلا بُدية» الانفتاح على الآخر، والاستماع إليه وإسماعه صوت الحق والحقيقة التي نراهن على أصالتها، وقوة تأثيرها، وحاجة الناس إليها ونحن بحمد الله نمتلك ألف دليل ودليل على سلامة الخط الذي نحن عليه، وسمو الحضارة التي نتشرف بالانتساب إليها، إنها حضارة السماء التي أرادها الله سفينة نجاة للبشرية من لجج الظلمات وظلام الضياع، لكن إمكانات المحاور وآليات الحوار وشروط التحاور عناصر أساسية في إنجاح مشروع حضاري كهذا الذي يكثر الحديث عنه والدعوة إليه، وأنه بلا أدنى شك مقاربة جدية تحمل معها تباشير فجر جديد تشرق فيه شمس الموضوعية على أرض الواقع، لتزيح أشعة نورها حجب الظلم، وأستار الظلام، وتطرق على قحفة عقل متحجر، لا يفهم إلا منطق القوة، ولا يتعامل إلا بفوقية مع «الغير» ولذلك تأتي دعوة الحوار، أو الاستجابة لها اعترافًا بالآخر، واحترامًا لوعيه، وتثمينًا لما لديه بعد أن أكدت الوقائع والأحداث أن شطب الآخر والاستخفاف بوجوده وحضارته ووعيه وعقله وثقافته، لا يعدو أن يكون بدائية متدنية أثبت الزمان خَطلها وخطأها، فدفعت البشرية فواتيرها دماء ودموعًا وعرقًا لقرون عدة، ثم انجلت غيرة الصراع عن واقع مأساوي من هزمت فيه جيوش واندحرت في سوح نزاله فيالق ولكن الحضارات بقيت تتربع على قمة الهرم، تسخر ممن يتوهمون القدرة على إبادتها وإسقاط مقولاتها، خاصة تلك التي تجذرت في عمق الأرض، ووجدان الإنسان، وقلب الزمان.

إن حوار الحضارات هذا يأتي ردًا عمليًّا على مقولات الفكر المادي، المصر على انتهاج مبدأ صراع الحضارات، وكأنه الحل الأنجع لمشكلات الحياة والأحياء، واستجابة واعية لنداء العقل، ومتطلبات الواقع، ومستجدات الحياة.

 ويقيني أننا لن نخسر أبدًا كما لن يخسر الآخر حينما يبصر عن قرب ما لدينا من كنوز القيم، وأنوار اليقين، وحبنا الصادق لكل المخلوقين.

آملين أن يكون القرن القادم بوابة الألفية ثالثة يسودها الوئام لا الخصام، والتسامح لا الانتقام، لنحول السيوف إلى مناجل، وحقول الألغام إلى رياض أزهار.. وسنابل.

الرابط المختصر :