العنوان قراءة في كتاب: تركستان الشرقية والصين.. صراع حضارتين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 18-يوليو-2009
مشاهدات 62
نشر في العدد 1861
نشر في الصفحة 18
السبت 18-يوليو-2009
القاهرة:
خاص - المجتمع
المؤلف:
د. عز الدين الورداني- مصر
الناشر:
مركز الحضارة العربية- القاهرة.
تاريخ
النشر: عام 2009م.
الأتراك منذ
القدم ذلك الشعب العريق في وسط آسيا، الذي قاد المنطقة حتى الشرق الأدنى وأوروبا
الشرقية خلال قرون قليلة.. هذه الأرض كانت لها حضارتها قبل أن يعتنق أهلها الإسلام
ثم تبنى شعبها الحضارة الإسلامية ولا يزال هذا الشعب يمارس حياته وحضارته في كل
أرض وطئها.. ورغم سيطرة الصين على تركستان الشرقية لفترات طويلة، إلا أن الثقافة
الصينية لم تنجح في إحكام قبضتها عليها.
يوضح هذا الكتاب
الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية التي تحظى بها تركستان الشرقية بحكم موقعها
المحوري في وسط آسيا.. ويتناول تاريخها السياسي، ويرصد الصراع الدائر منذ عقود
طويلة بين تركستان الشرقية والصين، الذي يمثل في أحد جوانبه صراعًا حضاريًّا بين
الأولى بهويتها الإسلامية التركية، والثانية بهويتها الشيوعية الإلحادية.
استهداف
الهوية الإسلامية
على مدار فترة
الاحتلال الصيني لإقليم تركستان الشرقية، الذي بدأ منذ عام 1760م مثل الوجود
الصيني بها - وكان وجودا عسكريا في مجمله حتى عام 1949م - مثل وافدًا غريبًا عرقًا
وثقافة، وقد دأبت أنظمة الحكم الصينية في مختلف مراحل الاحتلال على بذل محاولات –
ولا سيما خلال مرحلة الحكم الشيوعي الحالي الذي قام بأكثر المحاولات حسمًا -
للتأثير على هوية التركستانيين بشتى الوسائل التي تهدف إلى «تصيين» تركستان
الشرقية، وجعل الثقافة الصينية هي السائدة فيها؛ وهو الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف
هوية التركستاني بما يضمن فقدانه لتميزه، ومن ثم عدم مقاومته لاستمرار الحكم
والوجود الصيني في تركستان الشرقية.
وتحتاج عملية
التغيير الثقافي إلى وقت طويل وأساليب متعددة قد تكون عنيفة، وهو أمر تحرص عليه
السياسة الصينية تجاه تركستان الشرقية في الواقع العملي.. كما أن تلك العملية تتم
في ظل علاقة سيطرة وتبعية وقمع تحد من قدرة الحضارة الإسلامية التركية في تركستان
الشرقية على استخدام أساليبها الخاصة للمحافظة على بقائها.
ومع ذلك فإن
للحضارة الإسلامية - بصفة عامة - القدرة على الانتصار في الصراع الحضاري في السلم
أو في الحرب، حتى في أوقات الانكسار والهزيمة؛ حيث تتقدم وتنجح في اكتساب الآخر
وأرضه وحضارته إلى صفها.. والمسلمون «الأويجور» في تركستان الشرقية أحد أهم
الأمثلة على ذلك، حين نجحوا في جعل المغول في الدولة الجغتائية يسلمون ويتوحدون مع
الثقافة الإسلامية التركية بل وغدا اسمهم «المغول المتتركين».
ويقدم الكتاب
نبذة مختصرة عن «تركستان الشرقية»، وأهم الدول التركية التي قامت بها، ثم احتلال
الصين له عام 1760م (1174هـ) في عهد أسرة «مانشو»، وأهم الأحداث في تلك الفترة،
وهي ثورة «يعقوب بك» التي أدت إلى استقلال تركستان الشرقية خلال الفترة الممتدة
بين عامي 1863 و1876م (1280 - 1394هـ).
كما يعرض لتاريخ
تركستان الشرقية تحت الحكم الجمهوري الذي بدأ في الصين عام 1911م (1329هـ)،
والثورات التي حدثت في تلك الفترة، وأهمها ثورة عام 1931م (1349/ 1350هـ)، ثم ثورة
عام 1944م (1363هـ) التي أعلنت استقلال تركستان الشرقية، ثم انتهى الأمر إلى حكم
ذاتي استمر قائمًا حتى دخول الشيوعيين الصينيين إلى تركستان الشرقية عام 1949م (1368/1369هـ).
الحكم
الشيوعي
يتناول الكتاب
سياسة الحكومة الشيوعية في تركستان الشرقية من الناحية الإدارية.
وكذلك التقسيم
الإداري داخل الصين بصفة عامة، ثم التقسيم الإداري لتركستان الشرقية، واختصاصات
مجالس نواب الشعب المحلية والمهام المنوط بحكومة تركستان الشرقية القيام بها
وعلاقة سلطة الحكم الذاتي في تركستان الشرقية بالمركز والمساحة الحقيقية لحرية
العمل واتخاذ القرار المسموح بها لسلطة الحكم الذاتي.
ويشير الكتاب
إلى أثر الحكم الشيوعي الصيني على التركيبة السكانية لتركستان الشرقية، ويتناول
سياسة تهجير الصينيين إلى تركستان الشرقية، وهي السياسة الأساسية التي اتبعتها
الصين للتأثير على الوضع الديموجرافي (السكاني) داخل ترکستان الشرقية، موضحًا
التركيبة السكانية في تركستان الشرقية ونسبة مختلف الأعراق والقوميات بها قبل
الحكم الشيوعي.. ثم لدوافع الصين الشيوعية للقيام بعمليات
التهجير واسعة النطاق لعرقية «الهان»، التي كان هدفها الحقيقي هو« تصيين» ترکستان الشرقية
واستمرار سيطرة الصين عليها.
ويعرض الكتاب
وسائل جذب واستيعاب المهاجرين الصينيين ودور فرق الإنتاج والبناء في تلك العملية
ومناطق توطن الصينيين «الهان» داخل تركستان الشرقية ونتائج عمليات تهجيرهم على
تركيبة «تركستان الشرقية» الديموجرافية ومواردها.. مشيرًا إلى التدهور البيئي
الناجم عن الضغوط على تلك الموارد واستنزافها، ثم هجرة التركستانيين خارج تركستان
الشرقية، عقب الغزو الشيوعي نتيجة سياسات القمع العنصرية التي اتبعها هناك.
ثم يتناول
الكتاب سياسة تحديد النسل وهي سياسة مطبقة في الصين بصفة عامة، وكيفية تطبيق تلك
السياسة في تركستان الشرقية، والأساليب التي تستخدمها سلطات الاحتلال الصينية لهذا
الغرض، وهي في مجملها أساليب عنيفة مثيرة للاستياء في أوساط التركستانيين.
حرب
ثقافية
يُظهر الكتاب
التأثيرات الثقافية للحكم الشيوعي الصيني في تركستان الشرقية على مجالات: الدين،
التعليم، اللغة.. والأساليب التي طبقها الصينيون للتأثير في قدرة التركستانيين على
الحفاظ على هويتهم الحضارية المستقلة، باعتبار أن الدين يعد أهم عناصر تشكيل
وتوجيه هوية الفرد والأمة، والتعليم أهم وسيلة للتواصل ونقل الخبرات واستمرارية
النهج الحضاري عبر الأجيال، واللغة أهم وعاء لنقل الثقافة والحفاظ على تراث الأمة.
ويوضح الكتاب
الحملات التي شنها الشيوعيون لتهيئة سائر المجتمعات داخل الصين لكي تتقبل الفكر
الشيوعي وتنخرط داخل المنظومة الشيوعية الصينية، ثم التناول النظري للمسألة
الدينية عمومًا داخل الصين والممارسات العملية تجاه الدين الإسلامي في «تركستان
الشرقية»، ومحاولات إضعاف المؤسسات الدينية والتأثير على القائمين عليها والدعاية
ضد الدين الإسلامي، ثم فترة الانفتاح وأثرها على الوضع الديني.
وكذلك سياسة
الصين التعليمية العامة وتعليم الأقليات والتعليم داخل تركستان الشرقية، ومحتوى
ذلك التعليم وما تستهدفه المناهج التي تدرس في المدارس التركستانية وأيضا تعليم
الدين الإسلامي داخل تركستان الذي تسيطر عليه الصين كليًّا.. ثم كيفية إدارة
العملية التعليمية ومدى تدخل السلطة المركزية في تلك العملية.
ويعرض الكتاب
اللغات الموجودة داخل «تركستان الشرقية»، وكيفية تعامل الإدارة الصينية مع مسألة
اللغة والمشكلات التي يواجهها التركستانيون للحفاظ على لغتهم، والتغيرات التي طرأت
عليها، ومدى حضور تلك اللغة في التعليم والحياة العامة.
دور
المقاومة
وقد حرص المؤلف
على إبراز موقف التركستانيين الشرقيين تجاه سياسة الحكم الشيوعي الصيني والمقاومة
التي يبديها التركستانيون لهذا الحكم على المستويين الداخلي والخارجي، التي بدأت
قبل قدوم الشيوعيين إلى تركستان وبعده.. فعلى المستوى الداخلي شن التركستانيون
مقاومة قوية ضد القوات الشيوعية، كما حدث الكثير من الثورات والاحتجاجات ضد الوجود
الصيني وسياساته في تركستان الشرقية وتشكل العديد من الأحزاب والتنظيمات للعمل على
مقاومة الشيوعيين.
كما يوضح الكتاب
دور التركستانيين في المهجر في حركة المقاومة، من خلال تنظيماتهم المختلفة التي
تعمل على الدفع بالقضية التركستانية داخل أوساط المجتمع الدولي، وتنسيق أعمال
المقاومة مع ممثلي شعوب المستعمرات الصينية الأخرى مثل «التبت» و«منغوليا» وبذل
الجهود للحفاظ على الثقافة والهوية التركستانية بين تركستانيي المهجر، والتنسيق
بين مختلف المنظمات ومحاولة توحيدها لتقوية الصف التركستاني.
موقف
المجتمع الدولي
يعرض الكتاب
موقف المجتمع الدولي تجاه تركستان الشرقية وحركة المقاومة الساعية للاستقلال عن
الصين من خلال إظهار مواقف وسياسات بعض الدول والنخب السياسية بها، التي تهتم بما
يجري في تركستان مثل تركيا وإيران، وأيضا روسيا، ودول آسيا الوسطى الإسلامية التي
استقلت عن الاتحاد السوفييتي المنهار عام 1991م (1411/1412هـ).. وسعي الصين
للسيطرة على علاقة تلك الدول بتركستان الشرقية لتأمين الأوضاع داخل تركستان وعلى
حدودها من خلال مجموعة شنغهاي.
ويعرض أيضًا
موقف كل من باكستان وأفغانستان.. وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقتها
بالصين، ومدى حضور القضية التركستانية في تلك العلاقة.. كما يعرض الموقف الأوروبي،
ومواقف بعض المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، ورابطة العالم الإسلامي، ومنظمات
حقوق الإنسان التي تعد أكثر المهتمين بالوضع في تركستان الشرقية.
كلمة
أخيرة
وفي خاتمة
الكتاب، يقول المؤلف: إن تركستان الشرقية تمثل بؤرة للتوتر والصراع داخل الصين ذات
الإمكانات الإستراتيجية الكبيرة، وإحدى القوى العظمى في عالم متعدد الأقطاب،
والقوة الصاعدة المرشحة لتكون القوة الثانية أو الأولى في عالم ثنائي القطبية..
وربما جلبت تركستان الشرقية على الصين مشكلات خطيرة كالتدخل الدولي وإثارة النزعات
الانفصالية داخل الصين وتعريضها للتفكك.
ويضيف: إن شعب
تركستان الشرقية لا يكف عن الثورة والمطالبة بالاستقلال للحصول على حقوقه الكاملة
واسترداد أراضيه من الاحتلال الصيني، ولا يزال يحافظ على هويته الإسلامية حتى يتم
النصر بإذن الله.