; صناع النكبة! | مجلة المجتمع

العنوان صناع النكبة!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 17-مايو-2008

مشاهدات 47

نشر في العدد 1802

نشر في الصفحة 21

السبت 17-مايو-2008

 

مرت الذكرى منذ ثلاثة أيام (١٤) مايو وسبقتها وتبعتها فعاليات وأحداث معظمها يحفر في النفس غصة وأسفًا على ما آل إليه حالنا.. فقد كانت الذكرى الستون لسرقة فلسطين الحبيبة، واقتراف واحدة من أخزى المآسي في التاريخ بحق شعبها، مناسبة لهرولة بعض القادة لتقديم التهنئة لعصابة اللصوص بما يسمى «ذكرى نشأة «إسرائيل»، وكانت مناسبة أيضًا لمواصلة السيد محمود عباس زياراته للقدس المحتلة، بحثا عما يسمى بـ «السلام»، وكان ينبغي عليه أن يتوقف عن زياراته المكوكية في تلك المناسبة المؤلمة، خاصة أنه لم يخرج منها إلا بخفي حنين.

وقبل حلول الذكرى بأسبوعين - بالتحديد في الفاتح من مايو الجاري - انطلق شريان الغاز المصري ليسهم في إنعاش الحياة في الكيان الصهيوني، ويقدم دعمًا جديدًا لبقاء دولة «إسرائيل»، وراحتها ورفاهيتها بثمن بخس.. فقط دولار ونصف الدولار للوحدة الواحدة من الغاز، تصل قيمتها بالسعر العالمي ۹ دولارات، أي أن الغاز المصري سيسهم في تغذية ٢٠٪ من مصادر الكهرباء الصهيونية، ويحل للكيان الصهيوني مشكلة كبيرة في الطاقة، ويحقق لهم أرباحاً تصل إلى ١٥ مليار دولار من الصفقة «اقرأ ص ٢4-٢5 من المجتمع».

 يحدث كل ذلك بينما يشرف أهلنا في غزة «١٫٥ مليون إنسان» على الموت جوعًا ومرضًا، ويعيشون في ظلام دامس وحياة بدائية تهدد بإبادتهم جميعا على يد الحصار الإجرامي الذي يفرضه ذلك الكيان، ويلتزم العرب حياله الصمت!

ألم يكن بوسع الحكومة المصرية، وهي تتعلل عند إطلاق شريان الغاز المصري بالوفاء بالاتفاقية الموقعة مع الصهاينة عام ٢٠٠٥م.

 أن تشترط لتنفيذ ذلك الاتفاق التزام الصهاينة باتفاقيات جنيف الخاصة بمسؤولية الاحتلال عن حياة المحتلين؟! ألم يكن بوسعها أن توقف تنفيذ هذا الاتفاق، حتى ينفذ الكيان الصهيوني مواثيق حقوق الإنسان الدولية في فلسطين؟! 
وما المانع من إلقاء هذا الاتفاق في المزبلة، أسوة بما قام ويقوم به الكيان الصهيوني مع كل القرارات الدولية بشأن فلسطين؟! 

ولقد تعامل الإعلام العربي مع الذكرى بخمول شدید فمنهم من تجاهلها بحكم أنها بلغت ستين عامًا وصارت في مرحلة الشيخوخة، والبعض ذكرها على استحياء والبعض هنا الصهاينة، والبعض الآخر وقف محايدًا!! إذ ذكر المناسبة على أنها «النكبة وفقًا لما يقول الفلسطينيون»، وعلى أنها «ذكرى إقامة دولة «إسرائيل» وفقًا لما تسميه «إسرائيل»!».

إن من يراجع تاريخ القضية الفلسطينية منذ بروزها في بدايات القرن الماضي، وحتى اليوم يكتشف بسهولة أن بعض الأيدي العربية الرسمية أسهمت بنصيب وافر في مساعدة الصهاينة على اختراق الأراضي الفلسطينية، وتثبيت وجودهم وإقامة كيانهم الغاصب، ثم صناعة سياج يحميه على الحدود عبر اتفاقيات ما يسمى بالسلام.

ففي البدايات الأولى للتسلل الصهيوني لفلسطين في نهاية الثلث الأخير من القرن ۱۹ وبدايات القرن العشرين، كانت الأراضي المصرية في العهد الملكي البائد، وخلال الاحتلال الإنجليزي إحدى محطات استقبال وإعداد جموع الصهاينة القادمين من مناطق عدة في العالم، تمهيدًا لدخول فلسطين. «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل جــ-1- بتصرف».

وعندما صدر وعد «بلفور» بوطن قومي للصهاينة في فلسطين، وهو القرار الذي يعني في ذات الوقت طرد أصحاب الأرض وتشريدهم وإبادتهم، كان الذي أسكت ثورة الفلسطينيين وأطفأ انتفاضة العرب في داخل فلسطين عام ۱۹۲۹، ثم «ثورة العرب الكبرى» عام ١٩٣٦م، هو تدخل بعض الحكام العرب عبر ندائهم الشهير في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر «تشرين الأول» عام ١٩٣٦م «... ندعوكم إلى الإخلاد إلى السكينة حقنًا للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية، ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل...» «محاضرات في تاريخ قضية فلسطين ص ١٨٦».

بالفعل خلد الثائرون إلى السكينة، ولم يتحقق إلا زيادة الظلم ظلامًا وإظلامًا، وثبت أن نوايا بريطانيا الصديقة ليست حسنة، بل تضمر الشر والخراب والدمار لفلسطين، وواقع الحال اليوم خير شاهد.. ولا أدري من أين تولدت الثقة في حسن نوايا بريطانيا راعية المشروع الصهيوني، وواضعة بذوره الأولى في فلسطين؟! وهي هي بريطانيا التي واصلت التمكين للصهاينة وواصلت في الوقت ذاته التنكيل بالعرب حتى سيطر اليهود الصهاينة على البلاد؟!

 وفي يونيو من عام ١٩٤٦م اجتمع سبعة من الحكام العرب في مدينة «أنشاص» المصرية، وأعلنوا «التمسك باستقلال فلسطين وعروبتها»، ولحق هذا الاجتماع اجتماع للجامعة العربية في مدينة «بلودان السورية»، لكن رئيس مخابرات الجيش البريطاني في الشرق الأوسط «كلايتون»، والمدير المساعد للمخابرات البريطانية في فلسطين «برايانس» حضرا الاجتماع الذي لم يستطع أحد من المشاركين فيه الخروج على رغبة بريطانيا بشأن فلسطين، وقرر المجتمعون الإذعان لما طلبته بريطانيا وهو مفاوضة الحكومة البريطانية حول فلسطين، فإن فشلت المفاوضات انتقل النقاش للأمم المتحدة التي كانت جاهزة بقرار تقسيم فلسطين في ١٤ مايو ١٩٤٨م، وهو «قرار النكبة» الذي أذعن له العرب؛ بل إن الجامعة العربية لم تتمكن من تنفيذ أحد قراراتها بتقديم مليون جنيه مساعدة للفلسطينيين، إذعانا للإملاءات البريطانية، وهو ذات الموقف الذي حدث للجامعة العربية عندما قررت كسر الحصار عن الشعب الفلسطيني قبل عام؛ لكن حرفًا واحدًا من هذا القرار لم ينفذ، والحصار الدائر هو خير شاهد.. أليس ما جرى بالأمس القريب يجري اليوم مع اختلاف المشاهد والأسماء؟! 

ثم وقعت حرب ١٩٤٨م التي حفلت بخيانات واختراقات على الجانب العربي وسحق للمجاهدين من المقاومة الشعبية، مثلما كما حفلت عملية إصدار قرار التقسيم بتواطؤ كبير من أمين عام الأمم المتحدة في ذلك الوقت تريج في لي، وبضغوط شديدة على الدول الرافضة للتقسيم.. نتوقف أمامها في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل