العنوان الذكرى المئوية لميلاد المودودي
الكاتب أليف الدين الترابي
تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003
مشاهدات 51
نشر في العدد 1578
نشر في الصفحة 48
السبت 22-نوفمبر-2003
فكر المودودي ليس محصورًا في مجال خاص ولا بلد معين.. إنما يشمل كل مجالات الحياة ويخص جميع البلدان الإسلامية
تعتزم الحركات والمنظمات الإسلامية في جنوب آسيا وكثير من البلاد الإسلامية الأخرى وعلى رأسها الجماعة الإسلامية بباكستان الاحتفال يوم الثلاثين من نوفمبر الجاري بالذكرى المئوية لمولد الداعية الإسلامي الكبير أبي الأعلى المودودي رحمه الله، الذي يعتبر إمام الحركات الإسلامية في هذه البلاد.
ولد الإمام المودودي في عام ١٩٠٣م في أورتك آباد، بمدينة حيدر آباد، في الهند، وأسس الجماعة الإسلامية في عام ١٩٤١م، وتوفي في عام ١٩٧٩م، بعد جهاد في سبيل الدعوة لأكثر من نصف قرن، بدأ من بداية الربع الثاني للقرن العشرين الميلادي، واستمر إلى بداية الربع الأخير منه، ويتبين من دراسة الأوضاع في ذلك العصر أنه كان عصرًا مليئًا بالتيارات الهدامة والتحديات المعادية، فقد كان العالم الإسلامي في ذلك الوقت يتعرض لأبشع أنواع المخططات الاستعمارية، نتيجة لسيطرة الاستعمار الغربي وغارته الفكرية والحضارية على كثير من البلدان الإسلامية.
وظهر الانحطاط في العالم الإسلامي بعدما كان المسلمون يقودون البشرية، فكريًّا وحضاريًّا، لعدة قرون، وكان من سوء حظ البشرية ظهور العديد من الفلسفات الجاهلية الحديثة في الغرب مثل نظرية التفسير الجدلي للتاريخ لهيجل، ونظرية التفسير المادي للتاريخ لماركس، ونظرية التطور والارتقاء لداروين، ونظرية التفسير الجنسي لعلم النفس لفرويد، ونظرية فصل الدين عن الدولة لميكيافلي، وعلى الرغم من أن هذه النظريات والفلسفات الجاهلية لم تقم على أساس علمي، ولم تكن لها مكانة من الناحية العلمية، لكن الجو الذي سيطر على الغرب في ذلك الوقت نتيجة لانتصار الحركة العلمية على الكنيسة أدى إلى قبول عام وانتشار واسع لهذه النظريات واعتبارها حقائق علمية، حتى وصل الأمر إلى أن أصبحت المبادئ الأساسية للحضارة الغربية الحديثة، وهكذا فإن النظم السياسية والاجتماعية الأخرى التي تولدت من هذه الفلسفات مثل الديمقراطية الليبرالية والعلمانية والقومية والشيوعية وما إلى ذلك من النظم السياسية والاجتماعية تقوم على الأسس اللادينية، كما أن فلسفة الأخلاق التي ظهرت وانتشرت كانت مادية من أولها لآخرها.
ونتيجة لذلك تغيرت موازين الصواب والخطأ، والحلال والحرام، وأصبح المقياس الوحيد الذي اختاره الناس للرد والقبول هو ما يسمى بالنفعية المادية، هكذا فإن خضوع العالم الإسلامي للغارة الغربية جعله لقمة سائغة لهذه الفلسفات الجاهلية والنظم اللادينية والأخلاق المادية، وزاد الطين بلة خضوع أكثر البلاد الإسلامية للدول الاستعمارية، فشبه قارة جنوب آسيا احتلها الاستعمار البريطاني، ومصر احتلها الاستعمار الفرنسي ثم الإنجليزي، وإندونيسيا سيطر عليها الاستعمار الهولندي، وليبيا استولى عليها الإيطاليون ووقعت الجزائر تحت احتلال فرنسا وسقط معظم الدول الإسلامية تحت احتلال هذه الدولة الاستعمارية أو تلك.
ولعل أبشع وأشنع ما لحق بالمسلمين في تلك الأيام إلغاء الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٢م على يد مصطفى كمال، لأن الخلافة العثمانية كانت علامة اتحاد العالم الإسلامي ورمز قوة المسلمين، فقام الاستعمار بوضع المخططات والمؤامرات للقضاء عليها، والجدير بالذكر أن اليهود كان لهم دور كبير في هذه المخططات الهدامة، وذلك لأن الخليفة العثماني عبد الحميد رحمه الله لم يوافق على بيع أرض فلسطين لليهود وزاد مصطفی کمال بأن أنشأ دولة علمانية قومية مكان الخلافة وأحل القوانين الوضعية الإفرنجية محل الشريعة الإسلامية، وغير حروف كتابة اللغة التركية من العربية إلى اللاتينية، بهدف قطع علاقة تركيا مع بقية العالم الإسلامي.
ولم تكتف الدول الاستعمارية الغربية بالسيطرة على الدول الإسلامية فحسب، بل قامت بالعديد من الأساليب لقطع علاقة هذه الدول حكومات وشعوبًا، مع الإسلام والحضارة الإسلامية، كما قامت بنشر الحضارة الغربية فيها بكل الوسائل، ومن أهمها:
أولًا: فرض المنهج التعليمي الغربي مكان المنهج التعليمي الإسلامي بهدف تعميم الثقافة والحضارة الغربيتين في المجتمعات الإسلامية لإيجاد جيل يكون مسلمًا في الدم والسلالة إفرنجيًّا في السيرة والسلوك.
ثانيًّا: استبدال القوانين الوضعية الإفرنجية بالقوانين الشرعية بما أدى إلى تحليل كثير مما يحرمه الإسلام وتحريم كثير مما يحله الإسلام.
ومن جانب آخر قامت القوى الاستعمارية بإنشاء العديد من الحركات الهدامة للتشويه لصورة الحقيقية للإسلام ولشخص الرسول اللهﷺ مثل الحركة التنصيرية وحركة الاستشراق، وحركة التغريب، كما غذت العديد من الدعوات والنعرات الجاهلية للتمزيق وحدة الأمة الإسلامية مثل القومية الوطنية أو القومية اللسانية وما إلى ذلك، وهكذا نشأ العديد من الدعوات والحركات باسم حقوق المرأة أو من أجل تحرير المرأة.
وما هو أقبح من ذلك أن الاستعمار قام بصناعة العديد من القيادات في المجتمعات والبلدان الإسلامية لتعمل من أجل مصالحه الاستعمارية وتحمل راية هذه الدعوات والحركات الجاهلية.
جملة القول أن هذه الغارة الشاملة أثرت في كل دائرة من دوائر الحياة الفردية والاجتماعية في كل البلدان الإسلامية، ويقول الإمام حسن البنا عن مدى تأثير هذه الغارة الحضارية الشاملة:
«نجح هذا الغزو الاجتماعي المنظم العنيف أعظم النجاح، فهو غزو محبب إلى النفوس، لاصق بالقلوب، طويل العمر، قوي الأثر، ولذلك هو أخطر من الغزو السياسي والعسكري بأضعاف الأضعاف» «رسالة بين الأمس واليوم»
عصر التحديات
يتبين مما أسلفنا أن عصر الإمام المودودي كان عصر التحديات والتيارات المعادية للإسلام عصر نُحي فيه الإسلام عن قيادة البشرية لتحل محله الجاهلية الحديثة، عصر وقع فيه المسلمون في العبودية الفكرية للحضارة الغربية الجاهلية وفقدوا إيمانهم في صلاحية الإسلام لقيادة البشرية وحل مشكلات الحياة، عصر سيطرت فيه الدول الاستعمارية على كثير من الدول الإسلامية، عصر ألغيت فيه الخلافة وتشتت فيه العالم الإسلامي إلى دويلات.
في ذلك العصر عاش المودودي، وقام بالدعوة واستمر في مواصلتها ومواجهة التحديات والتيارات المعادية قرابة نصف قرن، ولكن قبل القيام بعمل الدعوة في ذلك العصر رأى ضروريًّا أن يعد لهذه المهمة الكبرى فيقول: «من عام ١٩٢٩م إلى عام ١٩٣٣م أفرغت العديد من خزانات الكتب، والمراجع في ذهني استعدادًا للمهمة الجديدة، مهمة الدعوة إلى الإسلام في عصر مليء بالأفكار والتيارات يفرض على الداعية أن يتزود بذار علمي شامل، وأن يحظى بعضًا من البرهان يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه ويحقق بها المآرب الأخرى»
" الإمام أبو الأعلى المودودي فكره ودعوته، خليل أحمد الحامدي ص ٨١-٩١".
ويقول المودودي عن منطلق دعوته:
حينما بدأت دراسة القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والسيرة النبوية بإمعان النظر والدقة، اتضح لي أن القرآن الكريم هو كتاب بدأت الحركة الإسلامية ببداية نزوله، فكيف لنا إذن أن نكتفي بدراسته دون أن نقوم بإنشاء الحركة الإسلامية، فلابد أن نبدأ بالحركة التي قد بدأت بنزول هذا الكتاب العظيم، وإنني ظللت أفكر في هذا الموضوع حتى وفقني الله أن أقوم بتأسيس الجماعة الإسلامية في أغسطس عام ١٩٤١م.
ويقول في مكان آخر:
لما قرأت القرآن بعيني المفتوحة شعرت بأن كل شيء قرأته حتى الآن كان تافهًا غير ذي بال، وقد وجدت الآن أصل الأصول في باب العلم وأصبح يتراءى لي كل من "كانت وهيجل ونيتشه وماركس" وسائر المفكرين الذين يسير بذكرهم الركبان في العصر الحديث أقزامًا يستحقون العطف، لأن المسائل والتعقيدات التي أفنوا حياتهم في حلها وألفوا فيها كتبًا طائلة لم يحالفهم التوفيق فيها، مع أن القرآن الكريم أوجد لها حلًّا في آية أو آيتين، فليس لي من كتاب اعتبره منقذًا لي في الحياة إلا القرآن، والقرآن فقط الذي غير مجرى حياتي، وحولني من حيوان إلى إنسان، وأخرجني من الظلمات إلى النور، جعل في يدي مصباحًا إلى أي شيء أنظر في ضوئه تنكشف لي حقيقة أمره واضحة جلية لا خفاء عليها، ويوصف ذلك المصباح باللغة الإنجليزية بالمفتاح الرئيس MASTER KEY الذي ينفتح به كل قفل، فالقرآن أصبح لي المفتاح الرئيس لا أستعمله في قفل من أقفال المعضلات البشرية إلا وينفتح بسرعة.
هكذا جعل المودودي القرآن الكريم مركزًا ومحورًا لدعوته، وبهذا الكتاب العظيم واكب التحديات المعاصرة، وحل المعضلات والتعقيدات وسعى للقضاء على العبودية الفكرية للحضارة الغربية، وإعادة ثقة الجيل الناشئ المثقف في صلاحية الإسلام لقيادة البشرية.
واستمر المودودي يواصل دعوته، أميرًا للجماعة الإسلامية، وزعيمًا لها، يواجه التحديات التي جاءت بها الحضارة الغربية، ويرد على أباطيل المستشرقين والمبشرين والمتفرنجين ويبين أن الإسلام دين ودولة يشمل كل المجالات للحياة الفردية والاجتماعية، وكل ذلك بالبراهين العلمية والأدلة العقلية القاطعة، وفي ذلك الصدد ألف المودودي أكثر من مائة كتاب حول مبادئ الإسلام الأساسية والتحديات المعادية والقضايا المعاصرة كما ألف تفسيره الشهير «تفهيم القرآن»، ونذكر
هنا أسماء بعض هذه الكتب القيمة لتتبين شمولية كتبه لكل جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، وجميع التحديات والقضايا المعاصرة، وأهم هذه الكتب: مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة، نظام الحياة في الإسلام ومبادئه الأساسية، معضلات الإنسان الاقتصادية وحلها في الإسلام، أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة، نحن والحضارة الغربية، الرأسمالية والشيوعية، الحجاب، الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة، والإسلام والمدنية الحديثة، وقد ترجم بعض هذه الكتب لأكثر من ٣٥ لغة عالمية ليستفيد منها العاملون في مجال الدعوة، ولا شك أن هذه الكتب غيرت مجرى حياة ملايين من المثقفين الجدد في البلاد الإسلامية المختلفة، وبفضل الله ثم هذه الكتب تشرف كثير من غير المسلمين بنعمة الإسلام.
تأثير عميق
إن دائرة فكر الإمام المودودي ودعوته لیست محدودة في مجال خاص ولا بلد خاص، بل تشمل كل مجالات الحياة الفردية والاجتماعية، كما تشمل جميع البلدان الإسلامية، وله دور كبير في إحياء التصور الصحيح للإسلام والقضاء على العبودية الفكرية للحضارة الغربية وإعادة الثقة في صلاحية الإسلام لقيادة البشرية، كما تعتبر مؤلفاته دعمًا روحيًّا كبيرًا للحركات الإسلامية في أنحاء المعمورة.
يقول الداعية والمفكر الإسلامي الأستاذ محمد قطب: «كتابات الأستاذ الكبير أبي الأعلى المودودي تعتبر من منارات الفكر الإسلامي المعاصر، وأدت دورًا كبيرًا في تقديم حقائق الإسلام للمسلم المعاصر بطريقة مبسطة مبلورة يسهل فهمها واستيعابها».
ويقول العلامة الشيخ أبو الحسن على الندوي رحمه الله: «إنني لا أعرف رجلًا أثر في الجيل الإسلامي الجديد مثل تأثير الراحل العظيم، لا في العمق ولا في السعة، وقد كان السيد جمال الدين الأفغاني من أقوى الشخصيات الإسلامية التي نبغت في القرن الماضي وأكبرها نفوذًا في عقول الشباب المثقف وسيطرة بل سحرًا عليها، وتأثيرًا في الأفكار والاتجاهات والأساليب الأدبية والكتابية والخطابية حتى كان صانع جيل ومفتتح عهد، ولكن الحق يقال إن سيطرته العقلية والنفسية، كانت محدودة في السخط على الأوضاع السياسية القائمة، والاستعمار الأجنبي، وفي إثارة الأنفة والنخوة في الشعوب الإسلامية والعمل للجامعة الإسلامية، ولم ترافقها فكرة منسقة، ولا دعوة إيجابية تقوم على الدراسات الإسلامية العميقة بخلاف الأستاذ السيد أبي الأعلى المودودي الذي قامت دعوته على الأسس العلمية أعمق وأمتن من أسس تقوم عليها دعوات سياسية وردود فعل الاستعمار الأجنبي، ومما يجب أن يسجل في مآثره الخالدة أنه كان لكتاباته فضل كبير في إعادة الثقة إلى نفوس الشباب المثقف الذكي لصلاحية الإسلام لمسايرة العصر الحديث، بل لقيادته والتغلب على مشكلاته الطارئة ومعالجتها، بل للمنع عن وقوعها ومحاربة مركب النقص في نفوس هؤلاء الشباب «مجلة البعث الإسلامي، لكهنو، الهند، محرم ١٤٠٠هـ».
تأسيس الجماعة الإسلامية
ولم يكتف الإمام المودودي بالقضاء على العبودية الفكرية للحضارة الغربية وإعادة الثقة في إثبات صلاحية الإسلام لقيادة البشرية، بل قام بالجهود العلمية المتواصلة لإقامة الحكم الإسلامي، وذلك بتأسيس الجماعة الإسلامية في عام ١٩٤١م، فمنذ أول يوم لتأسيسها والجماعة الإسلامية تواصل جهودها وجهادها لمواجهة التحديات المعاصرة وإقامة الحكم الإسلامي، واليوم هناك ست دول تعمل فيها الجماعة الإسلامية هي: پاکستان، والهند، وبنجلاديش، ونيبال، وبورما، وسري لانكا، بالإضافة إلى ولاية جامو وكشمير المحتلة وولاية جامو وكشمير الحرة، وفي كل من هذه الدول تعمل الجماعة لإقامة الحكم الإسلامي، إلا أن أسلوبها للعمل يختلف من بلد لآخر، وفقًا للأوضاع والظروف السائدة في كل بلد، كما أن هناك عديد من الدول الإسلامية وغير الإسلامية نشأت فيها حركات إسلامية نتيجة لفكر المودودي ودعوته ومنها أفغانستان، وطاجكستان، وبريطانيا، والولايات المتحدة، وهكذا فإن العاملين في مجال الدعوة والمنتمين إلى الحركات الإسلامية في كثير من البلاد مثل البلاد العربية، وتركيا وماليزيا وإندونيسيا وغيرها يعتمدون على كتب المودودي رحمه الله، ويستفيدون منها خلال عملهم في مجال الدعوة.
إن المودودي مثله مثل الإمام الشهيد حسن البنا يعد إمام الحركات الإسلامية المعاصرة ويقول الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام الأسبق للإخوان المسلمين مقارنًا بين المودودي والبنا: «إنهما بحق إماما الجيل الطاهران المتفردان، استمدا كل معلوماتهما ومناهجهما وأساليبهما ووسائلهما في الدعوة إلى الله من القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ دون أخذ من هذا الفيلسوف أو استمداد من ذلك الكتاب، فجاءت مدرستهما بعيدة كل البعد عما قد يعيب الدعوة الإسلامية بأي فهم أو فكر لا صلة له بالإسلام «مجلة الدعوة– ذو الحجة عام ١٣٩٩هـ»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل