; هل بدأ العد التنازلي لزوال الكيان الصهيوني؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل بدأ العد التنازلي لزوال الكيان الصهيوني؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001

مشاهدات 57

نشر في العدد 1439

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 20-فبراير-2001

الكيان الصهيوني أساسًا بلد مستعمر في عهد زال فيه الاستعمار، وبلد عنصري في عهد تذوب فيه العنصرية وتستبدل بها العالمية، ونظام استئصالي في وقت ينادي فيه الناس بحقوق الإنسان والتعايش السلمي، هذا عدا أن زعماءه وقادته سلسلة من الإرهابيين الكبار، وثلة من زعماء العصابات المتمرسين في القتل بدءًا من بن جوريون الإرهابي الكبير صاحب نظرية تفريغ فلسطين من العرب، وجولدا مائير عجوز الحرب الضروس، إلى رابين وشيمون بيريز صاحب مذبحة قانا، ثم الإرهابي نتنياهو، ثم باراك قاتل الأسرى المصريين بالألوف، ثم الإرهابي شارون صاحب صبرا وشاتيلا، وتلميذ الإرهابي العالمي شامير. 

ومن هذا فالشعب الصهيوني قد جمع من هنا وهناك من نوازع شتى وألوان متعددة، وأطياف متفرقة يتقدمهم مجموعات متشددة تتسم بالهوس والحقد وحب إراقة الدماء والتدمير، فكيف يستمر شعب كهذا في دولة مغتصبة وكيف يستقر نفر كهذا في بقعة تعج بالكراهية لهم والبغض لأفعالهم وأعمالهم وذواتهم ولهذا تنبأ الكثيرون لطبيعة هذا الشعب ولمسلكه العدواني بزوال دولتهم، ومن ذلك ما كتبه ديفيد هيرست المحلل السياسي والكاتب البريطاني المعروف في صحيفة الجارديان البريطانية (27/۱/2001م) يقول: جميع الحركات المشابهة للصهيونية التي أقامت ما يسمى بدول المستوطنين قد اختفت خلال حركة القضاء على الاستعمار الأوروبي، كما تعرض سكان هذه الدول من المستعمرين المستوطنين إما للطرد ضمن حروب التحرير الشعبية للسكان الأصليين أو الخضوع في النهاية لحكم الأغلبية.

وأضاف: إن الصهيونية التي جاءت ردًا على حركة معاداة السامية في أوروبا، كانت نوعًا مطورًا من الحركة الاستعمارية الأوروبية، لكنها على الدرجة نفسها من السوء في تعاملها مع سكان البلاد الأصليين.. وإن الغريزة الرئيسة للأنظمة الاستعمارية تتمثل في الرد العنيف على أي تحرك من جانب السكان الأصليين، وهو ما يفعله الكيان الصهيوني... إلا أن ذلك لن يحقق له النجاح والقبول في المنطقة حتى لو نشبت حرب إقليمية بسبب الانتفاضة، وليس من قبيل الصدفة أن تنفجر الانتفاضة «انتفاضة الأقصى»، في وقت تتخيل فيه الصهيونية أنها حققت طموحاتها كافة.

 وهذا ليس أمرًا جديدًا على اليهود ولا مستحدثًا فيهم فهم شعب مشرد كتب عليه الذلة والمسكنة والتشريد بأعماله وطبيعته الملتوية، فقام الفرس بتشريده وسبيه للسبب نفسه وخرج طريدًا وظل على ذلك مدة من الزمن، ثم أعيدت له الكرة مرة أخرى على يد الرومان وتشتت في الأرض، وقد أشار القرآن إلى هذا التشريد في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (الإسراء: 4، 5).

هذا وقد عاهدهم الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا العهد واستعدوا لحربه وغدروا به صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فشردوا من ديار الإسلام وخرجوا من جزيرة العرب أذلة غير مأسوف عليهم، وانتهى أمرهم، ولكن نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليهود تنتظرهم مرة أخرى حيث يروي البخاري ومسلم والبيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقاتلون اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر فيقول: يا عبد الله. هذا يهودي ورائي فاقتله». 

كل هذا التاريخ وكل هذه الأفعال تحمل في طياتها دلالات مهمة، وإشارات لا بد من ملاحظتها وقراءتها، ولقد قُرئت من قبل صحائف كثير من المغيرين والمستعمرين قراءة صحيحة، وكانت سببًا في زوال غمم كثيرة، فمثلاً قرأت جنوب إفريقيا طبيعة المستوطنين البيض الذين استوطنوا البلاد وأذلوا العباد وفعلوا الأفاعيل بسكان البلاد الأصليين فأدت هذه القراءة إلى زوال ذلك النظام البغيض وإعطاء البلاد الحرية الكاملة في تقرير مصائرها، والدفع بها إلى الطريق السليم لبناء نهضتها المرتقبة، ولقد شعر المستوطنون أنفسهم بهذه الحقيقة، حقيقة غربتهم وكراهية الشعب لهم، وعرفوا أنهم يزرعون في غير تربتهم، ويسكنون في غير ديارهم، ويعيشون على حقول من الألغام التي ستنتهي بهم إلى التدمير الكامل، فسارعوا إلى الرحيل أو التفاهم مع أصحاب البلاد الأصلاء والعيش معهم بسلام وتفاهم واطمئنان، وهكذا كانت سيرة الاستعمار وكان تاريخه البغيض، قد انتهى به في كل أمة أن حمل عصاه على كتفه ورحل أو عاش المستعمرون في كنف وظل تلك الشعوب التي كانت مستعمرة.

وفائدة قراءة الشعوب للسير الذاتية للمستعمرين:

1- أنها تبصرهم بمآل هؤلاء المغتصبين.

2- ترسم الطريق إلى النصر والفوز.

3- تعطي الأمل وتدفع إلى مواصلة الكفاح والصبر على لأواء الطريق.

4- تعطي إشارات واضحة إلى العملاء والمنافقين الذين يساعدون المستعمر بأنهم على خطر عظيم ويسيرون في طريق مسدود، وصدق الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)﴾ (المائدة: 51، 52).

ولكنه يلزم لهذه القراءة أمران:

أولهما: أفهام واعية ونفوس مشرقة وألباب فاحصة تستطيع أن ترى تلك الإشارات وتحسب لها، وتختار الأساليب والخطط لمنازلتها ومصارعتها.

ثانيهما: أن تتوافر العزيمة والقدرة على القيام بالدور المطلوب في الكفاح، وأن يكون هناك الصبر والجلد الذي يؤدي إلى النصر والفلاح وصدق الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(آل عمران:200).

 فإذا توافر هذان الشرطان، ثم الفلاح والنصر على اليهود، الذين دخلوا إلى البلاد مغتصبين، مستعمرين باغين سيكون شأنهم شأن كل مستعمر وغازٍ، وكل مغتصب وظالم.

وأخيرًا: أقول إن استعانة الصهاينة بجنرالات الدم، ورؤساء العصابات اليهودية الصهيونية لقيادة الكيان الصهيوني بدلًا من الساسة المحترفين، مؤشر خطير، يدل دلالة واضحة على اليأس الصهيوني والقلق وفقدان الاتزان والتفكير السليم، وهذا في حد ذاته مؤشر قوي على النهاية الحتمية لتلك الدولة المغتصبة، وبعد هذا، هل عندنا اليوم ما يعيننا على قراءة الواقع والتعامل معه بكفاءة؟ أقول: نعم، ولكن بشرط ألا تتدخل السلطات العربية لصالح الكيان الغاصب، فتجهض المقاومة وتوهن العزيمة، فإن الأمة المسلمة برجالها وشبابها وإيمانها قادرة على رد تلك الهجمة وتطهير الديار والبلاد بإذن الله، وإن غداً لناظره قريب، نسأل الله التوفيق والسداد.. آمين.

الرابط المختصر :