; صورة الإسلام في الخطاب الغربي (2) | مجلة المجتمع

العنوان صورة الإسلام في الخطاب الغربي (2)

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005

مشاهدات 58

نشر في العدد 1656

نشر في الصفحة 66

السبت 18-يونيو-2005

في إطار قوى التجبر والهيمنة هناك أيضًا فروق، لا يغفلها منهاج الإسلام في رؤية الآخرين وفي العلاقات مع هؤلاء الآخرين.. ولقد ميز فقهاء الإسلام وفلاسفته، انطلاقًا من هذا المنهاج القرآني- ميزوا أصناف الكفر ودرجاته.. فهناك كفر جحود للحق الذي عرفه الجاحدون.. وهناك كفر جهل وتقصير.. وهناك كفر من بلغته الدعوة.. وكفر من لم تبلغه الدعوة.. أو بلغته مشوهة ودون إقامة الحجة عليها وإزالة الشبهات عنها.. وفي ذلك يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (٥٠٥.٤٥٠هـ / ١٠٥٨ . ۱۱۱۱م)، إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف صنف لم يبلغهم اسم محمد.. أصلاً، فهم معذورون.. وصنف بلغهم اسمه ونعته وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم وهم الكفار الملحدون وصنف ثالث بين الدرجتين بلغهم اسم محمد ، ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضًا منذ الصبا أن كذابًا متلبسًا اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له المقفع (1) بعثه الله تحدى بالنبوة كاذبًا، فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول الذين لم يبلغهم اسم الرسول.. فإنهم مع أنهم سمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب (۲)

بل تحدث الفقهاء أيضًا عن كفر النعمة، الذي هو مغاير لكفر الاعتقاد.. وقالوا بوجود كفر دون كفر.. وبكفر المقولة دون كفر القائل.. الذي قد يكون لديه تأويل حتى ولو كان فاسدًا.. فلم يضعوا كل ألوان الكفر في سلة واحدة، ولا في فسطاط واحد.. كما يصنع الذين يبسطون أمور التعامل مع الآخرين. ولقد وضع علماء مدرسة الإحياء والتجديد الحديثة في بلادنا، وقادة التحرر الوطني، الذين انطلقوا عن هذا المنهاج الإسلامي لتحرير بلادنا من الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة.. وضعوا هذا المنهاج الإسلامي الذي لا يضع كل الآخر في سلة واحدة في الممارسة والتطبيق، وهم يتعاملون مع الاستعمار الغربي العالم الإسلام، ومع الخطاب الغربي الذي كان يمهد ويبرر لهذا الاستعمار.

فجمال الدين الأفغاني (١٣١٤٠١٢٥٤ هـ / ۱٨٣٨ - ۱۸۹۷م) تحدث عن هذا المنهاج في المقال الافتتاحي لمجلة العروة الوثقى.. التي صدرت (سنة ١٣٠٠هـ . ۱۸۸۳م) لسان حال جمعية العروة الوثقى التي تكونت عقودها وخلاياها في الشرق الإسلامي، وذلك عندما تحدث عن تحالف هذه الجمعية مع الأحرار الأوروبيين في البلاد الاستعمارية ذاتها.. فقال، ولما كانت بدايتهم تستدعي مساعدة من يضارعهم في مثل حالهم رأوا أن يعقدوا الروابط الأكيدة مع الذين يتململون من مصابهم ويحبون العدالة العامة، ويحامون عنها من أهل أوروبا (۳)

ولقد سارت الحركات الوطنية في بلادنا على هذا المنهاج.. فوجدنا مصطفى كامل باشا (۱۲۹۱) ١٣٢٦ هـ / ١٨٧٤ - ١٩٠٨م)، باعث الوطنية المصرية ضد الاحتلال الإنجليزي، وداعية الجامعة الإسلامية، وزعيم الحزب الوطني، يتحالف مع القوى الحرة والليبرالية في فرنسا، وأوروبا، بل يراهن على التناقضات بين الاستعمار الفرنسي، والاستعمار الإنجليزي في جلب التأييد لإجلاء الإنجليز عن مصر.

وعلى درب مصطفى كامل باشا، سار خليفته في زعامة الحزب الوطني بمصر محمد بك فريد ( ١٢٨٤ - ١٣٣٨ هـ / ١٨٦٨ . ۱۹۱۹م) الذي لم يكتف بالتحالف مع الدولة العثمانية، والحركات الوطنية الإسلامية، وإنما تحالف أيضا مع الاشتراكيين الأوروبيين وشارك في المؤتمرات التي عقدوها، بل راهن على التناقضات بين الألمان وبين الإنجليز في هذا الميدان.

وعلى الدرب نفسه سارت حركات التحرر الوطني المعاصرة في بلادنا، عندما استفاد كثير منها من التناقضات التي قامت إبان الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، سواء أكانت هذه الاستفادة في التسليح.. أم التصنيع.. أم في دعم قضايانا بالمحافل الدولية.

ذلك هو المنهاج الإسلامي في النظر إلى الآخر، كل آخر، وفي التعامل معه، ومع الخطاب الصادر عنه.. فالبلاغ القرآني القائل: «ليسوا سواء هو عنوان المنهاج الإسلامي في هذا المقام..».

الهوامش

 

( 1) الإشارة إلى عبد الله بن المقفع (١٤٢.١٠٦هـ . ٧٢٤ - ٧٥٩م) كان في الأصل مجوسياً - مزدكياً فأسلم، وألف وترجم في الفلسفة.. وقتل بتهمة الزندقة.

(۲) (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص ۲۳ طبعة القاهرة سنة ١٩٠٧م.

(۳) (الأعمال الكاملة) ج ٢ ص ٢٤٢ دراسة وتحقيق: د محمد عمارة طبعة بيروت سنة ١٩٨١م.

الرابط المختصر :