; سياحة القلب المؤمن «تابع» الفاتحة.. توحيد.. وشريعة.. وسلوك الحلقة السابعة | مجلة المجتمع

العنوان سياحة القلب المؤمن «تابع» الفاتحة.. توحيد.. وشريعة.. وسلوك الحلقة السابعة

الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1978

مشاهدات 49

نشر في العدد 390

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 14-مارس-1978

الحمد لله هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء وهو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وهو بكل شيء عليم فلا .... عن علمه شيء، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأنبيائه محمد بن عبد الله الأمين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله والتابعين.. وبعد: فإليك أيها القارئ الكريم ختام الحديث عن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الفاتحة:5)..

«الكون بأسبابه ومسبباته هو مائدة الله نصبها لعباده». 

بينا في نهاية الحلقة السابقة أن الاستعانة لا تنافي الأخذ بالأسباب، ولا تدعو إلى التواكل كما يزعم الملاحدة وأعداء الدين وإنما هي تمد المؤمن بقوة معنوية تظاهر الأسباب المادية التي يأخذ بها وتحصنه من الاغترار بقوته حيث إنها تربط قوته المحدودة بقوة الله- اللا محدودة- فتذلل له الصعاب ويقتحم العقبات ويتخطى العوائق. وما مثل هذا الكون العظيم- بأسبابه ومسبباته- وما سخره الله لعباده في أرضه وسمائه إلا كمثل مائدة عظيمة زودت بكل الخيرات والثمرات نصبها مالكها لعبيده وخدمه ليأكلوا منها غدوًا وعشيًا وسخر لهم خدما يقومون بأمر المائدة وبخدمة الوافدين عليها والآكلين منها فإن طلب الطعام من صاحب المائدة والاستعانة به في الحصول على الحاجة منها لا يكون إلا بسلوك الطريق إلى المائدة والإقبال عليها للنيل من خيراتها وثمراتها لأن المائدة لا تنتقل إلى الآكلين في بيوتهم ولكن الآكلين هم الذين ينتقلون إليها: ومريم بنت عمران لم يمنعها التوكل على الله من أن تهز إليها بجذع النخلة لتساقط عليها رطبًا جنيًا. 

وينبغي للعبيد حين يختلفون إلى هذه المائدة العظيمة ويغرقون في خيراتها وثمارها أن لا يلهيهم شهي طعامها ولذيذ أكلها وحلو ثمارها وجمال زينتها وحسن بهجتها عن ذكر صاحب الفضل الذي أنعم عليهم بهذه المائدة العظيمة ونصبها لأجلهم وسخر لهم كل شيء فيها وفي سمائها وأرضها وزودهم بكل الوسائل التي تمكنهم من الانتفاع بها. ينبغي أن لا يشغلهم ذلك عن ذكره وحمده وشكره ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾(النحل:18): كما ينبغي لكل عبد مكنه صاحب المائدة من الحصور على شيء من خيراتها أن يعود بجزء منه على من قعدت به السبل عن الوصول إلى هذه المائدة والتمكُّن من الانتفاع بخيراتها: قال صلى الله عليه وسلم: «من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له قال راوي الحديث: فذكر صلى الله عليه وسلم من أنواع المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدنا في فضل، هذا: وعلى كل عبد يحتاج شيئًا من الأشياء التي لم يجعلها السيد الأوحد «جل في علاه» مبذولة لجميع عبيده في كل وقت. عليه أن يطلب هذا الشيء منه سبحانه دون غيره، ولا يطلبه من عبد مثله لا يملكه لنفسه فكيف يبذله لغيره لا يوجه مباشرة إلى السيد الصمد الذي ليس له كفوًا أحد فإن من استعان به فقد كفى. ومن استعان بغيره فقد خسر». 

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الفاتحة:5) ترشدنا الآية الكريمة في تقديمها العبادة على الاستعانة إلى أدب من الآداب الاسمية العالية وهو أنه ينبغي أن لا يطلب الحق قبل أداء الواجب: فالعبادة حق الله على عبده والمعونة حق العبد على ربه إذا هو أدى حق الله أولًا، فمن حق الله عليك (أيها القارئ) أن تعبده ولا تشرك به شيئًا، ومن حقك إذا عبدته ولم تشرك به شيئا أن تستعين به فيعينك فإذا أديت ما عليك كنت جديرًا بأن تطلب الذي لك، أما أن تطلب المعونة من ربك وأنت تعبد غيره أو تشرك بعبادته أحدًا فما أقل حياءك.. «ما أقل حياء من يطلب جنتي بغير عمل: كيف أجود برحمتي على من بخل بطاعتي» «ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل وإن قومًا غرتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحن نحسن الظن بالله وقد كذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل».. 

 والخلاصة أن الآية بترتيبها المذكور ترشدنا إلى الاستمساك بهذا المبدأ وهو «أداء الواجب قبل طلب الحق» وليس هذا مع الله فقط بل ومع الناس أيضًا، ولو أن الناس طبقوا هذا المبدأ مع الله وفيما بينهم لاستقامت لهم الحياة ورفرفت عليهم أعلام السعادة ونعموا بالحياة الطيبة والعيش الرغيد. 

«هل يمكن أن يقرأ المنفرد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:5)؟ ولماذا؟». 

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:5) يقرؤها القارئ في الصلاة وفي غيرها منفردًا أو في جماعة– فلا يجوز له أن يقرأها «إياك أعبد وإياك أستعين أهدني الصراط المستقيم»- وذلك يشعر بأمرين وهما: الأمر الأول: أن كل إنسان مكلف بأن يدعو عشيرته وأقاربه وأصدقاءه وجيرانه وكل من يستطيع دعوته إلى عبادة الله وحده. وبأن يطلب من الله تعالى لنفسه ولغيره من الناس الهدى فلا يقبل الإسلام من المؤمن العزلة عن الحياة وعن الناس وأن يقول: على نفسي ولا شأن لي بغيري كلا كلا لا يقبل الإسلام هذا المسلك من أبنائه فليس المؤمن إلا لبنة في بناء متكامل هو الأمة الإسلامية أو خلية حية تكون من الخلايا الحية الأخرى جسمًا حيويًا ناميًا هو المجتمع المسلم فالمسلمون جميعًا أمة واحدة تعبد إلهًا واحدًا ولا تشرك بعبادته أحدا. وتستعين به وحده ولا تستعين بأحد غيره. وكل فرد فيها مسئول عنها كما أنها مسئولة عنه. ويعمل على رفعة شأنها وتطهيرها من لوثات الشرك والخضوع لغير الله أو الاستعانة بأحد سواه ويحرص على سلامتها من الزيغ والضلال والانحراف والانحلال. هذه هي الأمة التي ينشدها الإسلام ويبتغيها من أبنائه. وما مثلها إلا كمثل ركاب سفينة تجري بهم في محيط فهل يسمح ركابها لسفيه أو أحمق من بينهم أن يحدث في مكانه خرقًا باسم الحرية؟.. 

إنهم لو تركوه بحجة أنه مكانه وهو حر فيه فالمصير معروف وهو هلاك الجميع. أمّا لو أخذوا على يده بشدة وقالوا: ليست الحرية أن تهلك نفسك وتهلكنا معك بل هذا هو السفه والحُمق الذي لا يقره عاقل ولا يرضى به حر كريم فإنهم بذلك ينجونه وينجون أنفسهم من هلاك محقق.. من أجل هذا ونحوه ينطق الفرد بلسان الأُمّة كلها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الفاتحة:5) ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(الفاتحة:6).. والأمر الثاني أنك لست وحدك حين تعبد ربك ولست وحدك حين تستعينه وتستمد من حوله وقوته ولست وحدك في افتقارك إلى توفيقه وهداه بل الوجود كله «سماؤه وأرضه. كواكبه ونجومه جباله وشجره طيره وجماده. روحانية ومادية. وكل ما خلق الله من شيء حتى الحيتان في قيعان          المحيطات» يعبد ربه ويسبح بحمده. لسلطانه وعزته ولا يخضع لأحد غيره ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾(الإسراء:44) ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾(الرعد:13) ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾(الرعد:15) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾(الحج:18) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾(النور:41) إلى غير ذلك من النصوص القرآنية والنبوية.

فحين تقوم في محرابك مسبحًا بحمدك ربك ومقيمًا الصلاة لذكره فإن الكون كله محراب والخلائق جميعًا تسبح معك وتصلي معك ولو أن روحك تجاوبت مع الروح الكونية العامة لسمعت تسبيح الكون بحمد ربه العظيم ولقد كان العابد الأول محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه إذا مشى سمع تسبيح الحصى تحت قدميه وكذلك كان من قبله أخوه داود عليه السلام يرتل مزامير فتؤوب الطير معه والجبال وتتجاوب معه ويتجاوب معها ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾(سبأ:10)  ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾(ص:17) وهكذا كل مؤمن يتجاوب مع هذا الوجود وترتبط روحه بروحه الخاشعة العابدة أما حين تعرض أيها الإنسان عن ذكر ربك أو تشرك بعبادته أحدًا أو تستعين بأحد غيره فيما هو من اختصاصه «جل علاه» فأنت حينئذٍ شاذ في هذا الوجود متمرد على الفطرة الكونية العامة ولن يحس بك الوجود وهو في مساره إلى خالقه العظيم وما أنت وأرضك التي تمرح عليها إلّا هباءة طائرة في هذا الكون العظيم المسبح باسم ربه العظيم «الفاتحة تتدرج بك من مقام الغيبة إلى مقام المشاهدة». 

حين يشرع المؤمن في قراءة الفاتحة في الصلاة أو خارجها فإنه يتدرج في مدارج القرب من الله تعالى إلى أن يرفع الحجاب بينه وبين ربه فيرقى إلى مقام المشاهدة القدسية فهو يبدأ، أولًا بحمده ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الفاتحة:2) ثم يثني بالثناء عليه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾(الفاتحة:3) ثم يثلث تمجيده ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾(الفاتحة:4) وعندما يبلغ هذا المقام يرفع الحجاب ويتجلى الحق تبارك وتعالى لهذا القلب المؤمن فيبصره بعين بصيرته وينطلق لسانه وقلبه في حب وهيبة وجلال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الفاتحة:5) ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(الفاتحة:6)، كأنما يراه رأي العين وهذا هو أعلى مراتب الإحسان الذي أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وبالتدريب على هذا المقام العظيم يستشعر القلب دائمًا قرب الله منه وشهوده كل أحواله وأنه أقرب إليه من حبل الوريد ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(المجادلة:7).

وحين يستقر هذا المعنى وهذا الشعور في قلب المؤمن وهو يتلو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الفاتحة:5) ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(الفاتحة:6)، يرتعش وجدانه ويهتز قلبه ويحمر وجهه حياءً وخجلًا حين يذكر ذنبًا ارتكبه أو إثمًا اقترفه وكيف لا يكون كذلك والله تعالى في حسه وفي وجدانه مُطلع عليه وناظر إليه ولا يغفل عنه طرفة عين. وهكذا عشنا سويًا- أيها القارئ الكريم- في رحاب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الفاتحة:5)، في حلقاتنا الثلاث الأخيرة فسبحان من هذا كلامه وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله لنتحدث عن الآية التي تليها وهي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(الفاتحة:6) والله الموفق. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سياحة القلب المؤمن 

اعرف عدوك 

نعود مرة أخرى أخي الحبيب لنكمل المسير ونبحث عن أعداء لنا في غابة الدنيا المظلمة وفي هذه المرة يصادفنا عدو جديد هو في الحقيقة نعمة من الله استُغلت في غضبه عز وجل ألا وهو اللسان.. 

نعم فاللسان خطره على الحياة عظيم ولا منجى ولا مفر منه إلا بالمنطق الخير السديد فقد قال سيد العارفين صلى الله عليه وسلم: «لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه» وقال معاذ بن جبل: قلت يا رسول الله: أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: «يا ابن جبل وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» وكان ابن مسعود رضي الله عنه يوصي ويقول: يا لسان قل خيرًا تغنم، واسكت عن الشر تسلم من قبل أن تندم. 

واللسان عدوك أيها الإنسان قد يجرك إلى آفات كثيرة منها.. 

الكلام فيما لا يعني ومنها الخوض في الباطل وهو أشرها حيث الكلام عن أحوال النساء ومجالس الخمر ومقامات الفسق وغيرها ومنها المراء والجدال فقد قال جلال بن سعيد «إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه فقد تمت خسارته» والخصومة وهي أيضًا من آفات اللسان وحقيقتها لجاج في الكلام ليستوفي به مال أو حق مقصود ومنها التقعر في الكلام أي التشدق وتكلف السجع والفصاحة وهو من الممقوت ومنها بذاءة اللسان وما يجر وراءه من سب وفحش ولعن ومنها الغناء والشعر المراد به نشر الفاحشة والمزاح المذموم والمداومة عليه حيث فيه اشتغال باللعب والهزل.. أيضًا آفة الاستهزاء وإفشاء السر والغيبة والنميمة وهناك الكثير والكثير من الآفات التي يجرها اللسان على صاحبه فهل أيقنت أخي الحبيب أن اللسان قد يصبح عدوك إذا انحرف عن ما يرضي الله تبارك وتعالى؟ 

فاجعل لسانك يا أخي رطبًا بذكر الله واعلم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» رواه البخاري ومسلم واجعل لسانك مشتغلا بذكره تبارك وتعالى، ولقد قال أحد الحكماء.. القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها، ومغاريفها ألسنتها، فانتظر الرجل حتى يتكلم فإن لسانه يغلي، يغرف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض وعذب وأجاج يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه. 

اللهم اجعل ألسنتنا رطبة بذكرك ولا تجعلنا من الذين يكبون على وجودهم في النار من حصائد ألسنتهم اللهم آمين. 

سلامة الصدر 

بقلم: صالح الراشد

كثيرون هم أولئك الذين نعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل الجنة. وفي المشهور من هؤلاء العشرة المبشرون، ومن غير هؤلاء العشرة: بلال رضي الله تعالى عنه، فقد ذكر عليه السلام أنه سمعه يمشي في الجنة- وهي بشارة له-. ومن هؤلاء الذين كُتب لهم الفوز الظافر والوعد الصادق، رجل أعلم المصطفى عليه الصلاة والسلام صحابته الكرام بأنه من أهل الجنة، وأنه يدخل عليهم الساعة فأراد عبد الله بن عمر أن يتبين حال هذا الرجل فبات معه ثلاثة أيام، عرف خلالها أن هذا الرجل المؤمن ملتزم بآداب الإسلام وأحكامه، وأنه إذا جاء إلى النوم ذكر ربه، ودعا بالخير ولا يكون في نفسه شيء على أحد من المسلمين، وأنه كلما وعى من رقدته فانقلب على جنبه ذكر الله سبحانه محققًا قوله جل وعلا: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾(الذاريات:18)

هذه صورة من الصور العامرة بالإيمان، تدلنا على أن سلامة الصدر ذات منزلة إيمانية تجعل صاحبها العامل بها طبقًا لمرضاة الله، من أهل الجنة، وهي الرتبة المبتغاة لكل مؤمن يحب الله ورسوله، ويحب إخوانه المؤمنين. 

والصدر ساحة القلب الذي بصلاحه تستقيم الحال، وتصحو النفس من الرقدات، وتنهض من العثرات، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾(الشعراء:88) ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾(الشعراء:89).. وقال سيدنا عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». 

وعليه، فكم هي ضرورية سلامة الصدر.. إنها تثمر حسن الظن، وهي سلوك واضح إلى الخير والمودة والتصافي. 

إن الصدر السليم لا بد أن يكون رحيبًا، فسعة الصدر من محامد الإنسان المسلم. 

الرابط المختصر :