العنوان أيام في الأندلس (1)
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007
مشاهدات 71
نشر في العدد 1770
نشر في الصفحة 60
السبت 22-سبتمبر-2007
■ شاركت في المخيم الصيفي الخامس لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا بمنطقة «سانتا ندير» بالقرب من الحدود الفرنسية.
■ عزمت ألا أزور بقعة فيها آثار للمسلمين حتى لا أغرق في مستنقع الأحزان.
■ للمسلمين علاقات حسنة مع الحكومة الحالية برئاسة «ثاباتيرو» الذي جاء عقب اليميني المتطرف «أزنار».
■ الإسلام معترف به في إسبانيا وهو الدين الثاني في البلاد.. وذلك يتيح حقوقًا للمسلمين ويكفل لهم بناء المساجد والمدارس والمراكز بلا عوائق.
لقد تجنبت طويلًا الذهاب إلى أندلسنا المفقود، وقد دعيت مرارًا للذهاب لكني لم أكن أحب إجابة الدعوة؛ وذلك لأن قلبي لا يطيق رؤية آثارنا الإسلامية المنتشرة في كل بقعة هناك، إذ كيف لي أن أرى جامع قرطبة الأعظم الذي حول النصارى جزءًا منه إلى كنيسة وأغلقوا سائره؟
وكيف سيتحمل القلب رؤية قصر الحمراء والترف الذي كان يعيش فيه الأمراء والسرف الذي كان ديدنهم وملازمهم وملابسهم؟ وكيف ستتحمل العين رؤية بلنسية وجامعها وقلعتها إلى عشرات الآثار التي حولت الجوامع منها إلى كنائس، وترك الباقي ليدلل على حضارة لم يرعها أهلها حق رعايتها، ولم يصونوها بالطاعة، ولم يزينوها بالتقوى؟
معصية وفرقة
الحضارة التي كانت مثلًا مضروبًا لا في أوروبا فقط، بل في العالم كله آنذاك، وما أشد انطباق قول الله تعالى في كتابه عليها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل:112)، وقول الله سبحانه ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء:16). فكم مد الله لهم، وكم مهد لهم، وكم أغدق عليهم، وكم أقام الله لهم في الأرض من عماد، وكم جلب لهم من قلوب العباد!! لكنهم استقبلوا كل ذلك بآفتي المعصية والفرقة، واستمرؤوا فيهما المكابرة والعناد. فمزقوا شر ممزق وتفرقوا في البلاد أيادي سبأ، وصاروا شذر مذر، وأقيم عليهم المأتم والعويل وصاروا بعد العز كأبناء السبيل, فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد سبحانه وتعالى.
سقوط المدن
وكيف لا يعاملون بهذا، وقد كان الواحد من الحكام يبيع الحصن للنصارى نكاية في أخيه، ويسلم المدينة إلى عباد الصليب إذلالًا لحاكم مسلم لا يرتضيه وأخبارهم في ذلك طافحة، لكن الألسن من هول ذكرها معقولة وليست جامحة!! فإنا لله وإنا إليه راجعون.. ومن أراد إتعاب قلبه، وإبكاء عينيه، وإحزان نفسه فليقرأ «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» لإسماعيل المقري، والكتاب معلمة ضخمة من عدة أجزاء، خص المقري جزءًا منها لذكر سقوط المدن الأندلسية، فهناك يعظم الخطب على القارئ، ويستولي الحزن على التالي، وربما صاح وانتحب، وأكثر من العويل بعد العجب.
ولقد ترك الله هذه الأخبار حتى جاء هذا الزمان ليعتبر بها أهل عصرنا ويتعظ بها حكامنا ومحكومينا، فهل هم فاعلون؟!
مستنقع الأحزان
الحاصل أني دعيت هذه المرة فأجبت، لكن عزمت ألا أعرج على بقعة فيها آثار للمسلمين، وألا أنزل بساحة فيها معالم كانت للموحدين، إنما أتجنب ذلك كل التجنب، وذلك لما أسلفت ذكره آنفًا من عدم رغبتي في الغرق في مستنقع الأحزان، فلم يعد في القلب متسع ولا مكان بعد امتلائه بأحزان هذا الزمان، والله المستعان.
وقد دعتني «الرابطة الإسلامية للحوار والتعايش» التابعة لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا لأن أشاركهم مخيمهم الصيفي العائلي الخامس الذي أقيم في منطقة «سانتا ندير» في أقصي الشمال الغربي لإسبانيا على المحيط الأطلسي بالقرب من الحدود الفرنسية فأجبتهم. وشددت الرحال إليهم في رحلة طويلة، بدأت من جدة إلى الرياض، ثم إلى ميلانو، ثم إلى مدريد، التي وصلتها يوم الجمعة قرب الظهر، فاستقبلني الإخوة وأنزلوني منزلًا حسنًا لأرتاح فيه إلى وقت الصلاة، ثم خطبت المصلين الذين اكتظت بهم جنبات الجامع الكبير الذي بنته السعودية، وهو في مكان مهم جليل، وهو من الجوامع القلائل في إسبانيا، خطبت المصلين في موضوع أرى أنه مهم، ألا وهو «الاعتزاز بالإسلام» وقلت لهم فيما قلت: إننا خير أمة أخرجت للناس، وكتابنا أعظم كتاب، ورسولنا ﷺ أعظم رسول، وشريعتنا أعظم شريعة وأسمحها.
فرصة عظيمة
وهذا يدعونا إلى الاعتزاز بهذا الدين العظيم، ويلزم من هذا الاعتزاز أربعة أمور: الأمر الأول: الفخر بهذا الدين وعدم الخجل من شيء منه، وذلك أن كثيرًا من المسلمين في أوروبا يخجل من إظهار إسلامه، أو أن تمشي بجواره زوجته المحجبة أو ابنته.
والأمر الثاني: فهم هذا الدين والتثقف بالثقافة الإسلامية.
والأمر الثالث: الالتزام بهذا الدين وإحسان الطاعة لله ورسوله ﷺ.
والأمر الرابع: الدعوة إلى الإسلام، خاصة في تلك البلاد، فهي فرصة جليلة أن يوجد ملايين المسلمين في رقعة ضيقة يدعون إلى الله تعالى بلساني الحال والمقال، أو على الأقل بلسان الحال كان هذا مضمون الخطبة.
ثم بعد الصلاة رحب بي الشيخ منير المصري إمام المسجد ترحيبًا حارًّا جزاه الله خيرًا، ودعاني لأتحدث إلى المصلين، فتحدثت معهم عن هوية المسلم وأن عمادها هو الإسلام والحفاظ على اللغة العربية وبناء المدارس الإسلامية ومراكز الترفيه والترويح، ودعوتهم ليشاركوا بقوة في إرساء معالم الإسلام في تلك البلاد، وألا يتكلوا على أئمتهم ومديري مراكزهم في الأعمال الدعوية، بل الواجب أن يحملوا معهم همّ الإسلام، ثم أقبل الناس مسلِّمين، وأظهروا من مشاعر الشوق وعواطف الحب الشيء الكثير فجزاهم الله خيرًا.
تنوع كبير
ومما يميز التجمع الإسلامي في إسبانيا التنوع الكبير في أصول المسلمين؛ ففيه مغاربة وجزائريون وتونسيون وهم العدد الأكبر، وفيهم ليبيون قلائل، وسوريون وهم بين أطباء وتجار، ومصريون، هذا بخلاف مسلمي أهل البلاد الأصليين، وعدد المسلمين قرابة المليون وربع المليون من أصل ٤٢ مليونًا هم تعداد أهل البلد أجمعين.
نائب واحد
وللمسلمين علاقات حسنة مع الحكومة الحالية حكومة «ثاباتيرو» رئيس وزراء إسبانيا الذي جاء عقب اليميني المتطرف «أزنار»، الذي ساعد الأمريكيين والبريطانيين في حرب العراق، فقلعه الله كما قلع بلير من بعد ولله الحمد. وللمسلمين نائب واحد في البرلمان من أصل مغربي، وهذه علة عليلة في المسلمين؛ إذ إنك تجدهم في بلد ما عدة ملايين، ثم إن تمثيلهم في البرلمان ضعيف جدًّا أو منعدم وهذا بسبب تفرقهم، وقلة وعي أكثرهم، وضعف قناعتهم بأهمية الدخول للبرلمان، والمنافحة عن حقوقهم والذب عن أنفسهم، فبريطانيا على سبيل المثال فيها من المسلمين ما يقارب المليونين، لكن يمثلهم نائبان فقط، أما اليهود فهم قرابة ربع مليون ولهم أكثر من ثلاثين نائبًا!! هذا غير النواب الكثر الذين يساندونهم، وعلى بريطانيا وحال المسلمين فيها فقس.
والإسلام معترف به في إسبانيا، وهو الدين الثاني في البلاد، وهذا أمر حسن؛ فالإسلام غير معترف به في كثير من الدول الأوروبية، والاعتراف ينتزع حقوقًا للمسلمين مهمة، ويكفل لهم بناء المساجد والمدارس والمراكز بلا عائق يذكر، ويغدق عليهم المعونات المختلفة من الحكومة، وهذا كله أمر مهم في ترسيخ الوجود الإسلامي وتجذيره في أوروبا.