; عرّي سوءاتهم يا غرام | مجلة المجتمع

العنوان عرّي سوءاتهم يا غرام

الكاتب أسامة أبو رشيد

تاريخ النشر السبت 05-أكتوبر-2002

مشاهدات 74

نشر في العدد 1521

نشر في الصفحة 27

السبت 05-أكتوبر-2002

  • لقد أدرك شعب فلسطين أنه وإن كان ترك وحيدًا في معركة لا تعنيه وحده إلا أن انسحابه من الميدان يعني دمار الجميع .

عامان انقضيا على حالة من حالات العزة القليلة في جسد هذه الأمة المتهالك. عامان مضيا، وانتفاضة الأقصى المباركة إلى ى جانب جهاد إخوة لنا في الشيشان كشمير، وقلة هنا وهناك - تجاهد بقوة لانتشال هذه الأمة من حالة «الغثائية» التي حذرنا منها نبينا وحبيبنا محمد قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.

شعب مجرد إلا من إيمانه بالله، وأعزل إلا من حجر، عز طلبه، شعب لا يتجاوز عدده ملايين، في ليلة يخوض معركة الدفاع عن أمة بأسرها أمة تك بهذا الترهل والغثائية، وغدت هدفًا لكل طامع. شعب ترك وحيدًا في ساحة معركة حضارية، تاريخية، وعقائدية، واستراتيجية، أكبر في حجمها من كل الأمة بوضعيتها وإمكاناتها حالية، ناهيك عن شعب فلسطين، ومع ذلك لم يهن ولم تخر قواه، فهو وإن ترك ظلمًا من قبل بعض، وعنجهية من قبل البعض الآخر، إلا أنه يزال يواصل المسير بتضحيات عظيمة وبالله عليكم ماذا بعد أن يقدم شعب أنفسه فداء صحوة أمة، قد تكون قريبة بإذن الله؟.

 شعب فلسطين أدرك منذ اليوم الأول أنه وإن كان ترك وحيدًا في معركة لا تعنيه وحده، إلا انسحابه يعني دمار الجميع، كمثل حال أهل تلك السفينة التي حدث خير الأنام محمد -صلى الله عليه وسلم- خبر أهلها، وذلك عندما أراد بضعة من الحمقى في قسمها السفلي إحداث خرق فيها في عرض بحر، محتجين بأنهم إنما يحدثون هذا الخرق في مجال نفوذهم، ومن ثم – حسب منطقهم السقيم – لا يجوز لأهل القسم العلوي الاحتجاج عليهم، أو محاولة منعهم من إحداث الخرق! هنا يأتي التوجيه النبوي الرائع الذي استبطن في مضامينه أبعد من مثال أهل السفينة «فإن هم تركوهم – أي أهل الجزء العلوي من السفينة – غرقوا وغرقوا جميعًا، وإن هم أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».

لقد أدرك شعب فلسطين على صعيد عقله الجمعي هذه المعادلة، وفهم أبعادها. صحيح أن الأقصى وفلسطين ليسا ملكه وحده صحيح أن نقض أساسات الأقصى - لا سمح الله - وإقامة هيكل المزعوم مكانه، هو بمثابة ضربة قاصمة لهوية أمة بأكملها ومقدساتها الأبرز ولكن ما العمل إن اختارت الأمة أن تأخذ بمنطق «دعوهم فإنهم يخرقون في مكان نزولهم»؟، الإجابة واضحة «غرقوا وغرقوا جميعًا» ولما اختارت بعض قطاعات الأمة – خصوصًا على صعيد بعض قياداتها المسلوخة عن هذا الجسد روحيًا وماديًا – طريق اتباع بعض «حمقى الفلسطينيين» الذين ركبوا سيارات سباق على منحدر طويل الأمد دون كوابح تعينهم على الوصول إلى مجال السلامة مدعين أننا لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، وجدوا أنفسهم في نهاية منحدر الرعب هذا غير المنتهي، يقدمون التنازلات تلو التنازلات وبقية الجسد مضطر للمصادقة فلن تكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، فأصبحت فلسطين أرض الميعاد حيث تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود (رسائل الاعتراف المتبادلة بين عرفات ورابين ۹-۹-۱۹۹۳) – لاحظ أنه اعتراف بحق الوجود وليس اعترافا بالوجود وحق الوجود في فهم الصهيونية السياسية هو اعتراف بهرطقات أرض الميعاد لشعب الله المختار - ومن ثم في مرحلة تالية أضحى حائط البراق حائطًا للمبكي! (عرفات ۲۹ – ٥ – ٢٠٠١)، ومن ثم فإذا كان هناك حائط للمبكي، فإنه لا بد أنه كان هنالك هيكل! أما العلم والحفريات التي أثبتت العكس فهي منحازة في أصلها، من حيث كونها علمًا، وليس في نتائجها فقط ضد «شعب الله المختار».

 ولما وصلت التنازلات ذروتها في كامب ديفيد، عبر محطات طابا والقاهرة وواي بلانتيشن... إلخ، ولما ثبت لمن كان يدعي العمى من الفلسطينيين، والرمد من أطراف هذه الأمة أن المطلوب هو نقض أسس هوية الأمة في فلسطين وأن الصهيونية وحلفاءها الغربيين لن يرضوا بكل تنازلات السلطة الفلسطينية مهما كان عمق القاع الذي وصلته أو ستصله مستقبلًا، تحرك شعب فلسطين بفطرته السليمة الجمعية للأخذ على أيدي محدثي الخرق، في حين لا يزال كثير من قطاعات هذه الأمة على سذاجتهم، إذ إن الخرق بالنسبة لهم يتم في قسم الخارقين السفلي، ومن ثم ما الذي يضيرني أنا في الجزء العلوي!؟. 

لا شك أن شعب فلسطين أدرك أن تحركه للأخذ على أيدي الخارقين، فضلًا عن مقاومة أعاصير وأمواج البحر الصهيونية العالية سيكلفه كثيرًا، خصوصًا في ظل ترهل الأمة، وخمود أو خيانة بعض من يقيمون في الطابق العلوي وفعلًا دفع شعب فلسطين الكثير في معركة الدفاع عن هوية الأمة وكرامتها وكانت الضريبة مسحوبة من الأنفس، والأولاد، والأموال، والراحة، والسكينة، والأمن، والطمأنينة للشرفاء من أهل الطابق السفلي، في حين ينعم أهل الطابق العلوي بكل ذلك، ولا يلقون بالًا لمن يقاتل نيابة عنهم ويقدمون أغلى ما لديهم لإنقاذ الجميع!.

وضمن الغالي والنفيس الذي يقدمه شعب فلسطين نيابة عن هذه الأمة، قصة حدثت في الأمس القريب صحيح أننا تعودنا على سماع مثلها كثيرًا، فدماء شعب فلسطين أضحت روتينًا، إلا أنها تعبر عن حالة هذه الأمة مع دخول انتفاضة الأقصى عامها الثالث.

فيوم الخميس (٢٦-٩)، اقتحمت قوات الإجرام الصهيوني، السوق في مدينة الخليل وقامت بإطلاق القنابل المسيلة للدموع في كل مكان وفي كل اتجاه رواد السوق لم يكونوا من قادة المقاومة الذين ألحقوا الهزائم بالجيش الذي لا يقهر، والذي لا يملك جنوده في مواجهتهم إلا أن يبولوا في سراويلهم من الذعر الذي جبلوا عليه. كلا، رواد ذلك السوق في غالبهم من ضعاف الرجال والشيوخ والنساء والولدان، الذين ينتهزون أخطر الفرص للتزود بالطعام والمؤن والغذاء لأطفال وعائلات مزق الجوع أمعاءها، وخرق صمت الظلام الملبد بالموت الصهيوني صراخ رضعها وأطفالها في تلك اللحظات كانت الطفلة الشهيدة غرام مناع التي لم يتجاوز عمرها أربعة عشر شهرًا، مع أمها، أو والدها أو كلاهما في السوق تداعب خيوط الشمس التي حرمت منها بسبب حظر التجول المفروض على شعب فلسطين كل ما أرادته غرام هو قليل من الحليب وبعض النور بدل العتمة والكآبة في منزلها المحاصرة فيه، ولكن جرم الاحتلال ووحشيته لم يرحما طفولتها وبراءتها. فكان أن استشهدت اختناقًا بالقنابل المسيلة للدموع.

غرام، صعدت إلى جبار السماوات والأرضين السبع، تشكو جرم المجرمين، وظلم الظالمين لم تضع غرام ولو ثانية واحدة لتجأر إلى هذا الزعيم أو ذاك ولماذا تفعل غرام ذلك؟ لقد سبقها إخوة وأخوات لها، كشهيد وملك بركات وإيمان حجو، وإياد الطميزي، ومحمد الدرة، وفارس عودة وغيرهم الكثير الذين يشرف كل هذه الأمة أن يحفظوا أسماءهم عن ظهر قلب، ولا يضيرهم إن نحن نسيناها... أقول لم تفكر غرام ولو لثانية واحدة، بـ «التوسل» لهذا الزعيم أو ذاك، ممن برعوا في فن التوسل إلى أعداء أمتهم، حيث إنها رأت ووعت في روعها أنهم لن يفعلوا شيئًا لكفكفة عبرات أمها الساخنة الحائرة، أيضًا أدركت غرام، أنه لا يشرفها أن تأتيها المواساة ممن قتل ويقتل أطفال شعبه بذات الطريقة التي قتلها بها أعداؤهم، لا لشيء إلا لمجرد أنهم خرجوا إلى الشوارع يصرخون ألمًا مما يعانيه جزء من جسدهم الغض الطري في فلسطين الحبيبة كم من طفل عربي استشهد اختناقًا لاستنشاقه الغازات المسيلة للدموع التي أطلقها جنود نظام شعبه، حين كانوا يقمعون مظاهراتهم البريئة للتعبير عن تضامنهم مع آلام إخوانهم في أرض الرسالات والأقصى؟ كم من طفل عربي، أتته رصاصة يقولون إنها «طائشة»، لتستقر في قلبه أو رأسه، حين كان يبكي لبكاء أم إيمان حجو؟ كم من رضيع عربي فقد أباه أو أخاه حين كان يطالب الأمة بعد يد الغوث والعون لدرع الأقصى، شعب فلسطين؟ وكم من طفل أو طفلة عربية يتيم أو يتيمة باتوا لياليهم يجأرون إلى الله ظلم جنرالات جيوشهم الذين أقعدتهم أوزان نياشينهم وكروشهم عن التحرك؟

طيب الله ثراك يا غرام، لقد عريت رجولة المتقاعسين، وأبكيت عيوننا دماء بدل الدموع لا حزنًا عليك فقط، ولكن لحال جسد أمة خوار لم بعد له إلا أن يبث فيه خالقه الروح من جديد، رحمك الله يا غرام وتقبلك شهيدة عنده، وشفعك في أهلك وشعبك.

 جزاك الله خيرًا لمحاولتك الأخذ على أيدي أصحاب «نظرية إحداث الخرق في جزئنا» لإنقاذنا نحن من تخلينا عنك، وصدقيني أن أكثر ما نستطيع أن نقدمه لك في هذا الزمن هو الدعاء لك والترحم عليك، وسؤال المولى لأهلك الصبر والسلوان، وأن يعوضهم من هو خير منك إن كان هناك من هو خير منك صدقيني إن هذا القليل أصبح كثيرًا في هذا الزمان فسيخرج من بين أظهرنا اليوم وغدًا، كما خرج في الأمس، شهود زور، ممن سيدينون أنفاسك العطرة، لأنها استهلكت جزءًا عزيزًا من سموم احتلال بني صهيون!.

الرابط المختصر :