العنوان لماذا تهاجر الكفاءات من البلدان العربية والإسلامية؟
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1987
مشاهدات 62
نشر في العدد 807
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 03-مارس-1987
- يجب أن تقوم مؤسسة عربية
على مستوى الوطن العربي ككل لتشغيل الكفاءات
- من أسباب الهجرة التبعية
الاقتصادية والسياسية للدول الرأسمالية
- هجرة الكفاءات تسهم في
الإبقاء على الهوة الفاصلة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية
- انبهارنا بمدنية الغرب
جعلنا نستورد منهم الأفكار والقيم وطريقة الحياة
في نطاق سعي الدول العربية والإسلامية للنمو واللحاق بركب التقدم تبذل جهود جبارة
وأموال طائلة لنقل التكنولوجيا وتوفير الكوادر الضرورية التي يتم تكوينها سواء في الداخل
أو الخارج، ولكن التحدي الخطير الذي تواجهه دولنا العربية والإسلامية ويحد من نتائج
مجهوداتها -إن لم يفشلها- هو عملية نهب هادئة ومستمرة لأهم رأسمال في ميدان الاستثمار
من أجل التنمية، وهو ما يعرف بهجرة الكفاءات، فلماذا تهاجر تلك الكفاءات لتزيد طين
التخلف بلة؟ ولم لا تعود لتسهم في عملية التنمية عوض أن تعيقها بهروبها؟
تعريف الظاهرة
سميت هذه الظاهرة بعدة تسميات مثل «هجرة العقول» و«استنزاف الأدمغة» التي توحي بمدى الخسارة التي
تتكبدها الدول المهاجر منها، وبما يترتب عليها من إفقار لها لیست الدول الغنية المهاجر
إليها ببريئة من تهمته، وإذا كان انتقال الأشخاص من مكان إلى مكان ومن بلاد إلى بلاد
أمر معروف من قديم الزمان ولدى العديد من الشعوب إلا أن انتقال الكفاءات وهجرتها تكتسي
أهمية خاصة بحكم ارتباطها بالأوضاع الجديدة التي كرسها عصر التقدم العلمي والتكنولوجي،
ورغم اهتمام الدول النامية عمومًا بهذه الظاهرة ومحاولة تقصي حقيقتها ومعرفة جذورها
وأسبابها، بقيت كلمة «كفاءة» دون تحديد واضح؛ فعند البعض يقصد بها النابغون
والعلماء الأفذاذ، وعند البعض الآخر تتسع لتشمل الإطارات الوسطى من التقنيين والعمال
المهاجرين باعتبار أن هؤلاء أيضًا تحتاجهم بلدانهم الأصلية، وربما أكثر مما تحتاج لغيرهم
من ذوي المستويات العلمية العالية. وبصفة عامة يمكننا أن نسمي الشخص الذي حصل على درجة
علمية عالية في أي مجال من مجالات المعرفة، وخصوصًا في مجال الطب والهندسة بأنواعها
والعلوم الطبيعية، ثم غادر موطنه إلى المجتمعات المتقدمة أو آثر البقاء بها إذا نال
شهاداته من جامعاتها بأنه كفاءة مهاجرة، وبناء على هذا التعريف يمكننا أن نسمي البلدان
العربية والإسلامية في إفريقيا وآسيا بأنها بلدان مصدرة للكفاءات، وأول الدول المستقطبة
للكفاءات العربية والإسلامية هي الولايات المتحدة الأميركية ثم كندا ثم بلدان أوربا
الغربية.
الآثار الخطيرة لهجرة الكفاءات
إن قراءة سريعة لبعض الأرقام الواردة في العديد من البحوث والتقارير حول هجرة
الأدمغة تجعلنا ندرك مدى خطورة هذه القضية ومدى حجمها، وإن المرء ليذهل عندما يعرف
مثلًا أن 50% من الأطباء العرب و23% من المهندسين العرب و15% من المختصين العرب في
العلوم الطبيعية يعملون خارج المنطقة العربية بصفة دائمة وذلك حتى عام ١٩٧٦(1).
ومما يدعو إلى الدهشة والحسرة معًا أن يعرف أن عدد الأطباء المهاجرين يفوق مجموع
طلبة الطب العرب المسجلين في مختلف سنوات الدراسة في العام الجامعي ٧٦- ١٩٧٧ في كل
من الأردن وتونس والجزائر وليبيا والسودان والعراق والكويت ولبنان والسعودية (مجموعهم حتى ذلك العام 19.483
طالبًا وطالبة)، وبعبارة أخرى هناك ٢٤ ألف طبيب و١٧ ألف
مهندس و٧٥٠٠ مختص في العلوم من العرب يعملون خارج المنطقة العربية حتى سنة ١٩٧٦
فقط. ولا يخفى على أحد ما يخلفه هذا الاستنزاف للأدمغة من آثار سلبية وخطيرة على المواطن
الأصلية للكفاءات المهاجرة، نجملها فيما يلي:
- اقتصاديًّا: تفقد البلدان المهاجر منها تكاليف تعليم المهاجرين
وتكوينهم، ويقدر متوسط هذه التكاليف بحوالي ۲۲۷ ألف دولار بالنسبة لمهندس، و٥٣٥ ألف دولار
للطبيب. ويقول الدكتور محمد هشام خواجكية في مجلة المستقبل العربي: إن الأقطار العربية
منيت بخسائر في فقد السبعينيات نتيجة هجرة الكفاءات تتجاوز 1 بليون دولار، وتتضاعف
هذه الخسارة الاقتصادية باستقدام كفاءات أجنبية مكلفة لتلبية احتياجات كان يمكن للكفاءات
العربية المهاجرة أن تلبيها.
- اجتماعيًّا: تتعثر جهود التنمية الاجتماعية وتنتكس بفقدان
المجتمعات لنخبة من خيرة أبنائها كان يمكن أن يكونوا مصدر إشعاع في بيئتهم في مجالات
التعليم والثقافة والصحة والتخطيط للمستقبل والنهوض الحضاري عمومًا.
- سياسيًّا: تسهم هجرة الكفاءات في الإبقاء على الهوة الفاصلة
بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية إن لم توسعها؛ لأن الكفاءات المهاجرة طاقات
جديدة تصب في شرايين الأقوياء لتزيدهم قوة، وبذلك تتيح لهم الفرصة للهيمنة على الدول
النامية ووضعها تحت رحمتهم ضمن ما هو معروف من أن قانون القوي هو النافذ.
- فكريًّا: تخلق هجرة الكفاءات على المدى المتوسط والطويل تزعزعًا
قيميًّا خطيرًا؛ حيث يتشكك أفراد المجتمع في قيمهم الاجتماعية والدينية وفي تراثهم
الذي لم يستطع الصمود والمواجهة؛ فتهتز ثقتهم في أنفسهم وفي قدرتهم على اللحاق بركب
الحضارة.
ومن هنا نفهم لماذا يجرؤ البعض على وصم الدين الإسلامي باطلًا بالرجعية وعلى
الدعوة للتخلص مما يسمونه التقاليد والأفكار البالية. ومن العوامل الأخرى التي تساعد
على هذا التزعزع القيمي والتي هي أيضًا نتاج هجرة الكفاءات ما تبثه الكفاءات والإطارات
المستقدمة لأوطاننا من الغرب من أفكار وقيم وسلوكيات كثيرًا ما تتنافى مع أفكارنا وقيمنا
وسلوكياتنا، ولكن انبهارنا بمجتمعاتهم يجعلنا نستورد منهم لا فقط السيارات والآلات،
بل أيضًا الأفكار والقيم وطريقة الحياة، وقديمًا قال ابن خلدون: «المغلوب دائمًا مولع بتقليد
الغالب».
من أسباب الظاهرة
إن ظاهرة بحجم هجرة الكفاءات وبخطورتها آنيًّا ومستقبليًّا لابد أن تشغل العديد
من الجهات، فتسعى لتلمس أسبابها ودوافعها، ومن ثمة للبحث عن كيفية علاجها وإبعاد أخطارها.
ويتضح من محاولات تعليل الظاهرة أن هناك اتجاهين رئيسيين لتعليل هروب الكفاءات:
الاتجاه الأول: يرى أصحابه أن أسباب هذه الهجرة تعود أساسًا إلى مستوى المعيشة
والدخل المتدنيين في الموطن الأصلي، والفوارق الهامة في الرواتب بين الدول المهاجر
منها والدول المهاجر إليها، ويضيفون إلى ذلك الإحباط العلمي وسوء الإدارة الذين لا
يتيحان للعلماء تحقيق ذواتهم من خلال ممارستهم للبحث والتنقيب وإشباع غريزة حب الاكتشاف
والتطوير فيهم.
أما الاتجاه الثاني: فيرى أصحابه أن أسباب الهجرة تعود في الأصل إلى التبعية
الاقتصادية والسياسية للدول الرأسمالية، وتلك التبعية لا تسمح للدول النامية بأي حال
من الأحوال بمنافسة المجتمعات المتقدمة؛ لأنها تكرس ضعفها وتحافظ على فجوة التخلف،
ويذكرون مثالًا على ذلك السياسة التعليمية التي تخرج كفاءات لا يتلاءم مستواها العلمي
وطبيعة ما تحصل عليه من تعليم مع حاجات أوطانها بقدر ما يتناسب مع ما تحتاجه المجتمعات
الغربية، وهكذا تجد الكفاءات العربية والإسلامية المتخرجة حديثًا من الجامعات في الداخل
أو الخارج سهولة أكبر في الاندماج في أسواق الشغل الغربية، وهناك عنصر آخر يشجع على
الهجرة النهائية وعلى الاندماج في المجتمعات الغربية، وهو الزواج المختلط، فالكثير
من أبناء المغرب العربي مثلًا الذين ذهبوا للدراسة في فرنسا أو ألمانيا يتزوجون فرنسيات
أو ألمانيات ويبقون هناك، وفي هذه الحالة تصبح المرأة عنصر جذب إضافي للمجتمعات الغربية.
ولا شك أن هذين الاتجاهين في تحليل أسباب الهجرة يتكاملان؛ وإن كنا نرى أن الإغراءات
المادية والأجور العالية التي يجدها المهاجرون في المجتمعات التي يهاجرون إليها أقل
شأنًا من العوامل الأخرى، والدليل على ذلك ما قامت به بعض الدول العربية (العراق وليبيا) من محاولات لاجتذاب الأدمغة
العربية والإسلامية المهاجرة عن طريق الإغراءات المادية التي لم تنجح إلا في حدود ضيقة
جدًّا.
اقتراحات لمواجهة هذه الظاهرة
من الاقتراحات التي طرحها البعض لمواجهة ظاهرة هجرة الكفاءات فرض ضرائب على كل
كفاءة مهاجرة ومطالبة الدول المهاجر إليها بتقديم تعويضات للدول المهاجر منها عن كفاءاتها،
ولكن هذه الاقتراحات هي أقرب للمثالية منها للتطبيق الواقعي غير أنه يمكن اتخاذ إجراءات
زجرية من نوع آخر -وإن كنا نؤمن بأن الإجراءات الزجرية ليست حلًّا في حد ذاتها- كأن
تكون المنح الدراسية مشروطة بوجوب العمل بعد التخرج ولو لفترة معينة في البلد الأصلي
للطالب؛ لأن الصرف على الطلاب استثمار وطني لا يحق أن يذهب هدرًا أو أن تعود أرباحه
إلى الغير.
ولكن المشكلة تبقى أكثر تعقيدًا مما نظن: جانب منها سياسي، وجانب منها اجتماعي،
وجانب منها ثقافي وفكري، وآخر اقتصادي، ولابد أن تتوافر الظروف الملائمة لكل تلك المستويات
حتى يفكر المهاجرون من الكفاءات ومن يفكر في الهجرة مستقبلًا في العودة البقاء في أوطانهم
للمساهمة في بنائها على طريق الرقي والتقدم، ولعل قيام مؤسسة عربية على مستوى الوطن
العربي ككل لتشغيل الكفاءات وتوفير ما تحتاجه من مختبرات وأجهزة علمية يكون أكثر جدوى
في المحافظة على أهم رأسمال للأمة؛ لأن مشكلة الدول العربية والإسلامية هي التشرذم
والانقسام الذي لا يتيح الترابط بين النظام التعليمي والنظام الإنتاجي الذي يمتاز لغايات
اقتصادية وتنافسية بإنتاج كم كبير وكبير جدًّا، وحيث لا توجد سلطة مركزية -كما هو الشأن
في اليابان أو أميركا- فإنه يصعب وضع سياسات عامة تربط بين تخريج الكفاءات واستيعابها.
وفي ظل الظروف الراهنة يبقى على أصحاب الكفاءات أنفسهم أن يشعروا بمسئولياتهم
تجاه شعوبهم وأن يضعوا في اعتبارهم أن عملية النهوض والرقي تحتاج منهم إلى تضحيات ومعاناة،
وعلى كل المؤسسات التعليمية أن تعمق فيهم منذ المرحلة الطلابية الشعور الديني والشعور
الوطني لدعم شعورهم بالانتماء، وليعلموا أنهم يبقون دائمًا وأبدًا غرباء في المجتمعات
الغربية، ومهما كانت أعمالهم بالخارج فلن تضيف لمجدهم العلمي الشيء الكثير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل