العنوان أسواق غزة القديمة.. قصة صمود في وجه الاحتلال
الكاتب صباح محمد
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2004
مشاهدات 65
نشر في العدد 1611
نشر في الصفحة 26
السبت 31-يوليو-2004
كانت مدينة غزة «سوق العرب» منذ أيام العثمانيين حيث لعبت دورًا بارزًا كميناء بحري وقاعدة تجارية مرورية بدأت في الذبول في نهاية المرحلة العثمانية، واهتم سكان غزة قديما بالأسواق التجارية فأقاموا الأسواق والمحال التجارية، التي ظلت تحافظ على قيمتها التاريخية والتجارية حتى بعد تلقيها ضربات متتالية من الصهاينة في انتفاضة الأقصى.
«المجتمع» تجولت بأسواق غزة القديمة لتعرض على صفحاتها مظاهر الشموخ والتحدي:
في ثاني أقدم مدن العالم تستوقف الزائر على الفور جملة من المتناقضات التي تحكم هذه المدينة العريقة حيث ترتفع العمارات الشامخة بجانب الأكواخ والبيوت الصغيرة القديمة. وإذا ما اقترب المرء من مركز المدينة فإن هذه الصورة تزداد وضوحًا، وبالتحديد إذا اقترب من الجامع العمري يجد نفسه مشدودًا إلى عبق التاريخ الذي تزخر به المباني المجاورة، فالمسجد العمري الواقع في حي الدرج يعد بمئذنته الرشيقة أكبر المساجد الأثرية وأهمها في مدينة غزة.
أما السوق الكبير الذي يمتد بمحاذاة شارع عمر المختار - أشهر وأقدم شوارع المدينة - فمازال شامخًا على أرض يمتد عمرها إلى مئات السنين حيث قباب الدكاكين التاريخية.
عند الحادية عشرة ظهرًا كنا نسير شرقًا مع اتجاه السوق نحو المسجد العمري في شريط طولي سمح لنا أن نرى روعة البناء القديم المصطف على جانبي السوق والتسمع من الناس صورًا من تحديات تجار السوق للاحتلال.
العطارة القديمة تجذبنا برائحتها قبل مشهدها المتناسق وهي التي لها نصيب الأسد في هذا السوق، وفي مدخل محل بني من الحجر القدسي تحدثنا إلى رجل في الستين من العمر هو صاحب أشهر محلات العطارة، يقول الحاج محمد سيقلي: "استأجرت هذا المحل قبل خمسة وثلاثين عامًا من وزارة الأوقاف، وكان حصولي على محل في سوق عريق كسوق الجامع الكبير بمثابة كنز كبير فهو سوق يرتاده الكثير من أبناء القطاع وفي السابق كان له رواده من خارج فلسطين أيضًا.
يضيف الحاج محمد، وقد جال بنظره على بضاعته التي رصت بإتقان وبراعة "لا أنكر أن الحصار الاقتصادي يثنينا عن مواصلة تجارتنا ونحن قادرون على الصمود ولن أتنازل عن دكاني مهما كانت الظروف".
يذكر المؤرخ الفلسطيني سليم المبيض في كتابه "البنايات الأثرية الإسلامية في غزة وقطاعها" عن هذا السوق فيقول: ففي مدينة غزة القديمة كان سوقها الكبير. كما جاء في العديد من الوقفيات والسجلات العائدة لسنة ١٥٤٩م. يتألف من سوق التجارين وسوق السروجية بالإضافة إلى سوق الكندرجية وسوق الحدادين وسوق الخضر وسوق العطارين وسوق القطن وسوق الغزل واللبان ولعدم حدوث أضرار فكانت صناعة الفخار توجد عند أطراف المدينة من الغرب حارة الفواخير والتي ما زالت أماكن صناعتها ماثلة للعيان حتى اليوم.
سوق الزاوية
على جانبي السوق تناثرت البضائع المعروضة داخل المحال التجارية وخارجها وكنا ما نزال نسير باتجاه الشرق استوقفتنا زاوية كانت على يسارنا هي مدخل سوق الزاوية، ثاني سوق واجهنا في تلك الرحلة، اتضح أنه يغلب على هذا السوق البيع بالجملة وإن كان للقطاعي) نصيب فيه وذلك بحكم تدهور الأوضاع الاقتصادية مؤخراً ولجوء التجار للبيع بالتجزئة كنوع من التعويض عما لحق بهم من خسائر.
محل الحلويات «إرحيم» كان قبل عدة سنوات يديره الحاج سالم إرحيم لكنه الآن أوكل مهمة الإدارة لابنه، وهذا ما اعتاد عليه التجار فلا مجال للتنازل عن أى محل يقول إرحيم: كان يصعب على الزبائن دخول سوق الزاوية من كثرتهم ويضيف لقد كان بمثابة سوق تجاري ضخم تجد فيه كل شيء وبأفضل الأسعار وأجود الأصناف، فهذا المحل الموجود منذ عام ١٩٥٢ يتكلم عن الازدهار الذي عاصره قبل عشرات السنين، وإن كان الوضع الآن صعبًا بسبب انخفاض نسبة المبيعات بمقدار ۷۰%، فإن سوق الزاوية يبقي من أعرق أسواق غزة وسنظل محافظين على افتتاحه فهو قائم منذ مئات السنين.
سوق القيسارية
وقفنا عند المدخل الشمالي للجامع العمري الكبير الذي التفت حوله الأسواق من جميع الجهات الضخامة بنائه ومكانته الدينية، وسرنا قليلاً للجهة الجنوبية، ليلمع ذهب غزة ساطعاً في وجوهنا، وإن كان مدخل السوق الضيق معتماً أضاءته المصوغات التي نسقت ببراعة في حافظات زجاجية.
يقول المبيض في كتابه «البيانات الأثرية» أنشئ هذا السوق - سوق القيسارية ويعرف أيضًا بسوق الذهب - في القرن الرابع عشر الميلادي كجزء من وحدة عمرانية متكاملة تتألف من رواق الجامع العمري الكبير، وبني كسوق مواز للجدار الجنوبي للجامع ممتداً من الشرق إلى الغرب كفلسفة عمرانية تجارية إسلامية قديمة بموقعها للبائع أنفع وللمشتري أرفق، حينما يخرج من الصلاة ومن أكبر جوامع المدينة، ويوضح المبيض أن القيسارية على شكل قاطرة تمثل في الحقيقة نمطًا عمرانيًا وهندسيًا يلائم ظروف البحر المتوسط المناخية.
ومحلات الذهب الواحد تلو الآخر وجميعها ذات سقف معقود بمصلبات يصل عمقها لنحو 2.7 من المتر حتى وصلنا البوابة الشرقية، والتي تعتبر نموذجًا لفن البناء المملوكي الجميل ذات قوس كبير مزين بحجارة رخامية بيضاء وحمراء مزينة بزخارف على هيئة مسمار تتوسطها فتحة وحول العقد الكبير زخارف طمست الكثير منها بسبب عوامل التعرية والإهمال، ويذكر المبيض: أنه عند كل جانب من القيسارية أي مدخلها ومخرجها كانت هناك سلالم صغيرة للطابق العلوي، الذي كان يتألف من دكاكين صغيرة تشبه مع بعض التعديلات الطفيفة الطابق الأراضي، وقد دمرت جميعها ولم يبق لها أثر حيث كانت مأوى ومسكنًا لأصحاب الدكاكين داخل سوق القيسارية، يقول أبو محمد، وهو أحد تجار السوق: "انخفضت المهور بشكل واضح وقل شراء النساء للذهب ورغم تضرر وضعنا الاقتصادي، إلا أننا نحارب من أجل الاستمرار في السوق ودفع مستحقات ذلك الوجود"، ويضيف "لا أتصور نفسي بعيدًا عن هذا الدكان ولو يومًا واحدًا لقد ورثته عن أبي، وبإذن الله سيرته أبنائي من بعدي كما هو شامخًا متحديًا كل شيء".
ما زالت غزة صامدة بأسواقها كما شعبها فرغم الركود الاقتصادي الكبير الذي يضغط بشكل أو بآخر على تجار الأسواق القديمة في غزة فإنهم ما زالوا متمسكين بالمحافظة على عراقة أسواقهم القديمة.