; ملف اللغة العربية - الدعوة إلى العامية خطورتها وضررها | مجلة المجتمع

العنوان ملف اللغة العربية - الدعوة إلى العامية خطورتها وضررها

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1980

مشاهدات 131

نشر في العدد 472

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 04-مارس-1980

• اللغة ليست مجرد وسيلة للتفاهم، بل هي روح الأمة وسبيل نهضتها.
• الذين يعادون العربية الفصحى إنما يُعادون الإسلام.
• الإنكليز هم أول من دعا إلى استعمال العامية محل الفصحى في مصر.

أهمية اللغة:
إن ما يميز الإنسان هو قدرته على النطق – الذي هو الكلام المفيد الدال على معنى معين. واللغة هي أداة هذا الكلام ووسيلة في الفهم والتعبير، ولذلك كانت اللغة: أداة بيان وقالب تعبير ومستودع أفكار وعلوم. ولذلك لا يستطيع إنسان عاقل أن يستغني عن اللغة أو ينكر دورها. ولا يلجأ إلى غيرها إلا في حالات خاصة تحتم ذلك. فتحل الإشارات محل الكلمات، كما في مخاطبات الخرسان بعضهم بعضًا. وفي الإشارات الضوئية والبرقية التي يستعملها البحارة والكشافة وغيرهم للتخاطب من بعيد.

وإذا كانت قدرة الإنسان على التعبير تدل على مبلغ ذكائه – ولذلك نجد رواكز الذكاء تحتوي عادة على كثير من الأسئلة والاختبارات اللغوية – فإن مقدرة اللغة على الوفاء بحاجات المتكلمين بوضوح ودقة، لدليل أكيد على مقدار ذكاء الشعب الذي يستعملها، ويجعل منها مخزن أفكاره وسجل حضارته، وهكذا نرى لغات البدائيين قليلة الكلمات متقاربة الأصوات، تعتمد على الإشارات وطريقة النطق للتفهيم. وكلما تقدم البشر كان للغتهم توسع وغنى في الكلمات، ثم عناية بالتوليد والاشتقاق مع مراعاة جمال اللفظ ومخارج الحروف وتآلفها في الكلمة الواحدة، لضمان حسن الإلقاء وارتياح الأذن لسماعها.

ولذلك فاللغة ليست مجرد وسيلة للتفاهم، وإنما روح الأمة وسبيل نهضتها فبها تُحصَّل العلوم، وتنشر الآداب ويوحد الأفراد، ويدرس التاريخ، وتفهم الصلة بين الماضي والحاضر، وهي مستودع للعادات والأفهام، فنحن مثلًا عندما نقول (صفقة البيع): لا نصفق عندما نبيع، وإنما صارت الكلمة تدل على (الاتفاق)، وهي تدل في الدراسة التاريخية لأصل الكلمة أنهم كانوا يصفقون عندما يتم الاتفاق النهائي في البيع، ومثل ذلك قل في: (العقد والعقل والسياسة وثالثة الأثافي ... إلخ) وهكذا تعطينا الدراسات اللغوية فهم عادات الأمة وتاريخها.

أهمية (العربية):
لغة القرآن الكريم:
ويُضاف إلى ذلك في اللغة العربية – زيادة على خصائصها التي تمتاز بها عن غيرها من اللغات كلها – أنها لغة اختارها الله – تعالى – لكتابه الكريم، فثبت بذلك تفوقها ورسخت مكانتها وحفظت من الضياع والتبدل والإمحاء، وذلك لأن الله – تعالى – قد تكفل بحفظ القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

والعربية جزء من ماهية القرآن الكريم، فهي محفوظة بحفظه، باقية ببقائه، وهكذا فإن فضل القرآن الكريم على العربية هو فضل عظيم: هو فضل الإحياء والإبقاء على الحياة وإغنائها بالكلمات والمصطلحات الجديدة، وإمدادها بالقدرة على البقاء والانتشار، وهكذا لا تموت اللغة العربية أبدًا، وفي الناس قرآن يتلى وصلاة تُقام، وأذان يُعلن، لأنها مادة الإسلام ووسيلة فهمه ونشره.

أعداء اللغة العربية هم أعداء الإسلام:

ولذلك كانت جهود أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا منصبَّة على الحط من شأن اللغة العربية، والعمل على إهمالها ومحوها بكل وسيلة ممكنة، وإن كانت هذه الدعوة قد اتخذت في العصر الحديث مظاهر بالغة الخبث، باسم التحديث والتسهيل والدعوة للعامية، واستخدمت وسائل الإعلام التي سيطرت عليها في الجرائد والتلفزيون والسينما وكتب القصص والروايات المسرحية الرخيصة لنشر مكرها.

ولكن هذه الدعوات تفضح دائمًا نفسها، ويتبين للناس بسرعة أنها دعوات شعوبية مارقة، لا تهدف غير طعن الإسلام ومحو القرآن: فيرتد كيد أهلها إلى نحورهم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وهكذا تتالت حلقات التآمر من قديم، لهدم الخُلق والعقيدة، ولهدم اللغة التي يتعبَّد بها المسلمون، وتتألف عليها قلوبهم، وبها ينشر الله تعالى ذكر كتابه. ولا تهدف هذه المؤامرات الهدامة سوى هدم الدين الإسلامي الذي يعاديه أصحابها بخبث في نفوسهم.

تاريخ الدعوة للعامية:

بدأت هذه الدعوة في أواخر سنة 1883م في مصر، حين اقترحت (المقتطف) -وهي مع زميلتيها المقطم والهلال ألسنة الاستعمار الإنكليزي في مصر – كتابة العلوم باللغة العامية– لغة الحديث اليومية– ودعت رجال الفكر إلى بحث الاقتراح ومناقشته.

وفي عام 1902 ألف (القاضي ...) وهو أحد القضاة الإنجليز في محكمة الاستئناف الأهلية في مصر، كتابًا سماه: (لغة القاهرة) ووضع لها فيه قواعد، واقترح اتخاذها لغة للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية، تناولت (المقتطف) الكتاب بالإرشاد والتقريظ، ولكن الصحف حصلت عليه، مشيرة إلى قصده الخبيث وهو محاربة الإسلام في لغته، وفي ذلك الوقت كتب حافظ إبراهيم قصيدته المشهورة التي يقول فيها بلسان اللغة العربية:

وسعت كتاب الله لفظًا وغاية *** وما ضقت عن أي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماء لمخترعات؟!

أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

إلى أن يقول:
أيطربكم من جانب الغرب ناعب *** ينادي بوادي في ربيع حياتي

وثارت المسألة من جديد، حين دعا إنكليزي آخر هو (وليم ولكوكس) سنة 1926م إلى هجر اللغة العربية، وخطا بهذا الاقتراح عملية، فترجم الإنجيل إلى ما سماه (اللغة المصرية)، وأيده ومجده حينذاك كلب الإنجليز سلامة موسى، فثارت ثائرة الناس من جديد، ولكن الدعوة اكتسبت بعض الأنصار ممن كانوا مفتونين بدعوى (الفرعونية) من الشعوبيين الذين تأثروا بما صنعه الكافر (أتاتورك) في تركيا من استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وترجمة القرآن إلى التركية وتحريم تدريس العربية في المدارس والمعاهد والمساجد، ومطاردة الكلمات العربية الأصل لنفيها من اللغة التركية ... فأرادوا أن يفعلوا مثله في مصر، واستطاع هؤلاء إدخال اللهجة السوقية إلى المسرح العربي، (راجع مقالًا للمنفلوطي في مهاجمة الريحاني وفرقته في النظرات: 3-37 تحت عنوان: الملاعب الهزلية) ثم إلى المسرح الجاد، على يد فرقة (رمسيس) وكانت رواية (زينب) لهيكل، أول رواية تكتب بحوار سوقي، ثم ظهرت السينما فاتخذت هذه اللهجة، ولم يعد للعربية الفصحى وجود في هذا الميدان، واستمر الأمر كذلك في مصر، ومنها تسرب قليلًا إلى بعض البلاد العربية الأخرى، وكان هذا أحد إنجازات تلك الدعوة الخائنة التي روجها الإنكليز وعملاؤهم.

موقف المجمع اللغوي في مصر:

ولكن المستغرب أن تتسلل هذه الدعوة إلى (مجمع اللغة العربية) وتظهر في مجلته، والتي هي المفروض فيها أن تكون حصن اللغة ودرعها، فكتب عيسى إسكندر المعلوف – المعروف بعدائه الصريح للعربية – مقالًا نشرته الهلال سنة 1902، ونشر في مجلة المجتمع – الجزء الرابع، فدافع عن اللهجات السوقية، وأكد أن اختلاف لغة الحديث عن لغة الكتابة هو من أهم أسباب تخلفنا الثقافي، زعم أن من الممكن اتخاذ أي لهجة عامية لغة للكتابة، كالمصرية أو الشامية، وأنها ستكون أسهل من الفصحى، كما زعم أن تعلق المسلمين باللغة الفصحى لا مبرر له، لأن هناك مسلمين كثيرين لا يتحدثون بالعربية ولا يكتبون بها، ثم قال: (وما أحرى أهل بلادنا أن ينشطوا من عقالهم طالبين التحرر من رق لغة صعبة المراس، قد استنزفت أوقاتهم وعقولهم الثمينة، وهي مع ذلك لا توليهم نفعًا، بل أصبحت ثقلًا عليهم يؤخرهم عن الجري في مضمار التمدن، وحاجزًا يصدهم عن النجاح ... ولي أمل بأن أرى الجرائد العربية قد غيرت لغتها، وبالأخص جريدة الهلال الغراء التي هي في مقدمتها، وهذا أعده أعظم خطوة نحو النجاح، وهو غاية أملي ومنتهى رجائي).

وهل هناك حقد أعمى يأكل قلب صاحبه أكبر مما تعبر عنه كلمات هذا المعلوف، وإننا إن كنا نستغرب كيف وصل أمثال هذا إلى عضوية أكبر هيئة لغوية علمية في مصر حينذاك، ولكن الأغرب أن نرى هذا السيرك اللغوي يجمع حواة ومعاونين من كل جنس ودين، ممَّن لا يحمل للعرب والإسلام غير حقد دوَّنه سم الأفاعي، مثل المستشرق (جب) الإنكليزي، وكل المستشرقين كانوا مستشارين لوزارات الخارجية والاستعمار في بلادهم.

واليهودي (ناحوم) الذي كان حاخام الأتراك، ثم جاء إلى مصر وصار عضوًا لمجمع اللغة فيها، ولما مات رثاه عباس العقاد رثاء حارًا.

وتقدم عضو آخر من أعضاء مجمع العجائب عام 1943 هو (عبد العزيز فهمي) -وهو أحد ثلاثة زعماء الوفد – باقتراح كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وشغل المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات امتدت خلال ثلاث سنوات، ونشر في الصحف وأرسل إلى الهيئات العملية المختلفة، وخصصت الحكومة جائزة قدرها ألف جنيه لأحسن اقتراح في تيسير الكتابة العربية، وكأن الكتابة العربية صعبة أو شاقة فعلًا ... وهكذا نرى كيف أن مجمع اللغة العربية في مصر قد ساهم في إكساب الهدَّامين صفة شرعية، وأعطى لأعداء العربية منبرًا لنشر زورهم وضلالهم.

وكذلك فعلت جامعة الدول العربية، عندما نشرت عام 1955 كتابًا في (اللهجات وأسلوب دراستها) لأنيس فريحة، جمعت فيه المحاضرات التي كان ألقاها في معهد الدراسات العربية العالية في ذلك العام …

ترى ماذا يكون مصير جامعة الدول العربية، لو كل عضو فيها تكلم باللهجة العامية المحلية لبلده، هل يفهم أحدهم على الآخر؟! وبينما تلتقي دول الكومنولث على الإنكليزية، يسعى العققة من المنتسبين إلى العروبة إلى نبذها والتشرذم حولها.

ولقد جاء في مقال كتبه الدكتور (حسين الهراوي) يصف تقريرًا وقع في يده من لجنة العمل المغربي الفرنسية فيقول: «فرأيت هذا التقرير يتبع السياسة الاستعمارية ويصف مقاومة الإسلام، والتقارير السرية التي يرسلها المستشرقون في البلاد المستعمرة إلى حكوماتهم لمقاومة الإسلام لأن روحه – أي الإسلام – تتنافى مع الاستعمار، وإن أول واجب في هذا السبيل هو التقليل من أهمية اللغة العربية، وصرف الناس عنها بإحياء اللهجات المحلية في شمال أفريقية واللغات العامية، حتى لا يفهم المسلمون قرآنهم ويمكن التغلب على عواطفهم/- الهلال- يناير 1934.

ولأجل ذلك حارب الاستعمار الفرنسي اللغة الفصحى أعنف حرب، وضيَّق عليها أشد التضييق ووضع مستشرقوه مختلف الكتب في دراسة اللهجات البربرية وقواعدها، لإحلالها محل العربية الفصحى، وهذا ما نبه إليه عضو المجمع الموقر المستشرق الإنجليزي: ه.أ.ر. جب، إذ يقرر في كتابه (إلى أين يتجه الإسلام) عند كلامه عن الوحدة الإسلامية أن من أهم مظاهرها الحروف العربية التي تستعمل في سائر العالم الإسلامي، واللغة العربية التي هي لغته الثقافية الوحيدة، والاشتراك في كثير من المصطلحات عربية الأصل …

وهذا هو المستشرق الألماني (كامغايمر) يقرر في شماتة أن تركيا لم تعد بلدًا إسلاميًّا، فالدين لا يدرس في مدارسها، وليس مسموحًا تدريس اللغتين العربية والفارسية فيها، ثم يقول: (إن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية، قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية) …

منشأ العامية وبعض أشكالها ودعاتها

هكذا نشأت الدعوة إلى العامية، ومن هذه المنابع الآسنة العداوة للإسلام صدرت، ووجدت لها أنصارًا، وحتى الآن في أماكن مختلفة من عالم المرضى بالحقد على الإسلام والقرآن، وبينما نجح اليهود في إحياء لغتهم العبرية الميتة واتخاذها لغة للأدب والحياة، وأخذوا يحيون ما اندرس من أكاذيبهم وتواريخهم، ويسمون بها القرى والمواقع والحوادث، وبينما يسعى السريان إلى إحياء لغتهم الميتة المحرفة مدعين أنها لغة الإنجيل الأصلية، ولذلك يحرص كهانهم على دراستها وترتيلها، نجد هؤلاء الحاقدين يُعادون العربية الفصحى مدعين أنها لغة ميتة، وفي ذلك يكتبون المقولات الطوال، ويعقدون المؤتمرات، ويؤلفون القواميس في العامية ليجعلوها بضاعة جاهزة، وهكذا صارت مادة الروايات والتمثيليات والأفلام – المصري منها خاصة – حتى اعتادت أذن العامي العربي عليها.

والذي يستعرض ما كتبه الكتاب في ذلك يحس أن هناك هدفًا واحدًا يسعى إليه أصحابه، من كل وجه، وبكل وسيلة، وهو محاربة الفصحى والتخلص منها، فهم تارة يدعون إلى العامية دعوة صريحة، وتارة أخرى يدعون إلى التوسط بين الفصحى والعامية، وتارة يدعون إلى فتح باب التطور في اللغة، أو حق الكُتَّاب في تغييرها والتعبير كما يريدون، وبعضهم ينادي بإسقاط النحو وتعديل قواعده، ومنهم من ينادي بإصلاح الخط العربي وتغييره ... ومنهم، ومنهم ... تعددت أساليب الخوارج ودعواتهم وغايتهم واحدة …

فهذا هو الفاسق: قاسم أمين ينعى على اللغة العربة الفصحى صعوبتها ويقول: (إن الأوروبي يقرأ لكي يفهم أما نحن فنفهم لكي نقرأ). واستشهد بقولته النكراء هذه سلامة موسى كلب الإنجليز المدلل في مصر (ر. الهلال- يوليو 1926)، وموسى هذا هو صاحب اقتراح إلغاء الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، كما يفعل الأعاجم، وهذه هي أخبث البدع انتشارًا في الوقت الحاضر وأقبحها، فهي تقتل التعبير وتقضي على الفهم، ولقد شاعت في مصر حتى لدى الشيوخ، وفيمن تأثر بطريقة نطقهم.

وكذلك قام أحمد لطفي السيد – الذي يسمونه: أستاذ الجيل، ويسميه سلامة موسى: منشئ الوطنية المصرية الحديثة – فأشار باستعمال العامية، وتغيير الكتابة العربية، وأول اقتراح له كان عام 1899 بالدلالة على الحركات بالحروف فتكتب (ضَرَبَ): (ضارابا) وبإثبات التنوين ورسمه في الكتابة: فتكتب (سعدٌ: ساعدون) و(سعدًا: ساعدان) و(سعدٍ: ساعدين)، وبفك الإدغام فيتكتب: (محمدٌ: موحاممادون) و(محمدًا: موحاممادان)، وهكذا ... 

وقريب من اقتراح أستاذ الجيل (المزيف) اقتراح للخوري أنستاس الكرملي دعا فيه إلى تصوير الفتحة والكسرة والضمة بألف وياء وواو، مشطورة بخط، ووضعها في صلب الكتابة، ويقترح أشكالًا جديدة للحركات من اللغات الأوروبية، ولا نظير لها بالعربية.

وحتى (فريد وجدي) -الشيخ المتحذلق يسلّم بأن الكتابة العربية تحتاج إلى تعديل؛ يحفظ قراءها من الغلط، ويبين صعوبة الشكل على عمال المطابع، وما تستنفد من جهودهم وجهود المصححين، وهو لا يدعو صراحة للأخذ بالحروف اللاتينية، ولكنه لا يعارضها في الوقت نفسه، ولولا خوفه من الناس لصرَّح برأيه.

وها هو سعيد عقل – في لبنان، وهو شاعر مبدع بالفصحى، ينقلب عنها مدفوعًا بتعصبه الأعمى ضد الإسلام، إلى المناداة بالعامية اللبنانية، واستبدال الحروف العربية، ويدعي أن سبب هزيمة العرب عام 1967 تعود إلى أخذهم بالقاموس المحيط. ومن قبله نادى المهووس: جبران خليل جبران بالأخذ بالعامية المحلية وقال: (لكم لغتكم ولي لغتي ... لكم منها القواميس والمعجمات والمطولات، ولي منها ما غربلته الأذن وحفظته الذاكرة من كلام مألوف مأنوس تتداوله ألسنة الناس في أفراحهم وأحزانهم ... لكم منها ما قاله سيبويه وأبو الأسود وابن عقيل ومن جاء قبلهم وبعدهم من المضجرين المملين، ولي منها ما تقوله الأم لطفلها والمحب لرفيقته والمتعبد لسكينة ليله ...).

وكثر هؤلاء الساقطون في هذه الدعوات الشعوبية الحاقدة بين أدباء المهجر، وفي ذلك قال الأديب السوري سامي الكيالي في مقال له عنهم وعن أشكال جبران بأنهم يعملون على (صفع اللغة العربية التي يريدونها بلا قواعد ثابتة، وأن يكونوا أحرارًا في أن ينحتوا لها من ملكاتهم قواعد متحركة)، ووصف أدبهم هذا بأنه أدب مخنث (يستمد مادته من فضاء الخيال السخيف الذي يقذف القارئ في أوقيانوس من الهم لا حد له) وسخر من تشبيهاتهم الممجوجة – وقد برع فيها جبران هذا – في مثل قولهم: (الموت البنفسجي وضوء القمر الطري والصخرة المدمدمة والزهرة الفيلسوفة ووعظت على هيكل نفسي ... إلخ).
وهذا هو خليل مطران اللبناني الآخر يسخر بالعربية وأساليبها فيقول:

لنعش معاش زماننا ولننتهز *** فرص النجاح نفز به أو نسلم

لن ترجع العربية الفصحى إلى *** ما كان منها في الزمان الأقدم

ما لم يعد ذاك الزمان وأهله *** والعاد والأخلاق حتى جرهم

وبمثل قوله يقول الماسوني أحمد زكي أبو شادي:

علام نهرتني لوفاء جيلي *** بلفظ أو بمعنى أو دليل

ولست أعيش في قرن تقضى *** ولا غير ذا الوطن الجميل

فلفظي ما يصيغ بيان قومي *** وحسي حسهم أبدًا زميلي

فشعري كل ما يهدي شعوري *** وعرفاني إلى الوطن الظليل

له مصرية النفحات شاقت *** بنفحة (مصر) والحسن الأصيل

وإن لم ينس إحسانًا (لعرب) *** ولا الآيات (للغرب) الكفيل

ولعل المستشرق الإيطالي (نللينو) كان عربيًا أكثر من هؤلاء الخوارج فهو يعارض اقتراح كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وبنى معارضته على أسباب منها:
1- إن الخط العربي موافق لطبيعة اللغة العربية، ولو أردنا استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية لتحتم علينا إيجاد حروف جديدة نضيفها إلى الأبجدية اللاتينية.
2- ومنها أن الخط العربي يمتاز بميزة فريدة (فهو قريب ممَّا يسمى بالاختزال، والخط العربي ليس في حاجة إلى اختزال، لأن طبيعته تغنيه عن ذلك ...).
3- ومنها أن استبدال الخط اللاتيني بالخط العربي يستتبع نتائج خطيرة، منها تضييع الكنوز العظيمة التي خلفتها الآداب الإسلامية في الدين والفقه الفلسفة والعلوم والآداب والفنون وغيرها، وكلها دونة بالخط العربي، ويقول: إن تركيا عندما غيرت حروفها، إنما كان ذلك لسبب سياسي، وهو محاربة العنصر العربي والدين الإسلامي، فهم يريدون أن يزعموا أن المدنية التركية أقدم المدينات، ويقول بأن مصر إذا غيَّرت الحروف العربية ستخسر مركزها الأدبي الممتاز …

وبعد
فماذا كان صدى هذه الدعوات المنحرفة إلى العامية، ونبذ اللغة الفصحى، وقد عرفنا مسالكها ونشأتها ... لقد استمرت هذه الدعوة تخبو وتتكيس أحيانًا عندما لا تلقى أذنًا صاغية، ثم تعود فتظهر وتنشط من جديد في الأجواء المريضة على نموها، ولكن أكبر أثرها هو إخراج كتاب ومدرسين للعربية يجهلونها ويكرهونها، ولذلك سلكوا سبيل العامية والركاكة في اللفظ والمعنى، ثم انتشرت طريقة (سكّن تسلم) أي تسكين أواخر الكلمات، بين أنصاف المثقفين وأرباعهم، ووصل بعضهم إلى مراكز إعلامية وإذاعية مرموقة، فنشر رطانته ونادى بها؛ يؤذي الأسماع والذوق السليم …

ولكن القرآن الكريم باقٍ والعربية الفصحى باقية ... وهذا هو واقع النهضة الإسلامية الحاضرة يكذب مساعيهم، ويقول لهم: اخسؤوا ملعونين أينما كنتم ... فهذه هي تركيا تعيد الأذان والصلوات وقراءة القرآن وطباعته بالعربية، وهذه حلق دروس العربية تملأ المساجد وتلعن قبر الكافر أتاتورك صباح مساء ... وهذه هي حركة التعريب تلف شمال أفريقية، وتبقى غاية تلك الدول لاستكمال استقلالها ونهضتها، وهذه جموع المسلمين في كل أطراف الأرض تحفظ القرآن غيبًا دون لحن أو خطأ ... وهؤلاء طلابنا الصغار يدرسون الفصحى ويتعلمونها ويؤدون بها امتحاناتهم. هذه هي المؤتمرات الدولية تدرس إدخال العربية في لغاتها الرئيسية، وهذه هي معاهد العالم ومدارسه الفنية تستوحي جمال الخط العربي للاستفادة منه، وحتى أجهزة التلكس والطابعات الآلية وغيرها تكتب بالحروف العربية، وليس هنالك صعوبة أو استحالة …

فماذا بقي لثلة صنائع الاستعمار وأذنابه من مشبوهي النسب والدين. إنهم لكراهيتهم للإسلام يكرهون العربية – فلا يستطيعون فصاحة ولا استقامة وعلى طريقتهم بعض بلداء التلامذة والمدرسين والكتاب منا لا يستطيعون أيضًا فصاحة ولا استقامة …

أمثال هؤلاء في قلوبهم مرض ... زادهم الله مرضًا …

الرابط المختصر :