العنوان لهذه الأسباب فشلت الماركسية
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1990
مشاهدات 69
نشر في العدد 948
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 02-يناير-1990
· الماركسية
تقول إن الإنسان مجرد من كل فضيلة وأنه يسير بصورة طبيعية إلى شهواته وأن الدافع
الاقتصادي هو الدافع الوحيد وراء كل ما يجري في هذا الكون.
· الشيوعية
معناها عودة الإنسان إلى حياته الأولى في المشاركة التامة بين البشر في كل شيء،
أليس هذا يناقض ادعاء التقدمية وهم يريدون أرجاء الإنسانية إلى الوراء.
الواقع
أن الماركسية تحمل أسباب فشلها في طياتها، ويقال إن ماركس حين لبس نظارته معكوسة
رأى العالم كله قد انقلب والحال إنه لم ينقلب، وما كان لها من رواج عند الذين
اعتنقوها يعود إلى أسباب تتعلق بنفسيات أولئك الذين اعتنقوها، إذ غالبهم ممن لهم
ظروف خاصة بهم تحملهم على التمرد على القيم، فهم ليسوا من الأسوياء في سلوكهم
ونفسياتهم، ونزعاتهم ورغباتهم، لذلك تجاوبوا مع هذا المذهب الذي يتفق مع مزاجهم
ويحقق الرغبات الكامنة في نفوسهم، وهي رغبات شخصية بحتة يتمثل معظمها في الرغبة في
الانتقام من المجتمع، ومن يقرأ تاريخ ماركس ولينين يجد صحة هذا القول، أما
الأسوياء الذين ينظرون إلى الأمور بمنظار المصلحة العامة وميزان العقل ولم تسيطر
على تفكيرهم عقد نفسية خاصة فلم يقبلوا على الفكر الماركسي، ورفضوه بمجرد أن عرفوا
ما يحتويه هذا الفكر من تناقضات، وما يتضمنه من مصادمة مع الفطرة الإنسانية، وما
يثيره من أحقاد وفتن في المجتمع، فالماركسية تقول أن الإنسان مجرد من كل فضيلة،
وأنه مسير بصورة طبيعية إلى شهواته، وأن الدافع الاقتصادي هو الدافع الوحيد وراء
كل ما يجري في هذا الكون، وأن الناس من بداية الخليقة كانوا يتقاسمون بينهم
حاجاتهم المعيشية ثم ساد القوي على الضعيف، والغني على الفقير، وأن عليهم أن
يرجعوا إلى الأصل أي ما قبل التاريخ حتى تكون الطبيعة هي التي تنظم الحياة، فعند
ذلك لا يحتاج الناس إلى دولة أو نظام وهذا هو الهدف النهائي للشيوعية كما يقولون،
وهنا يأتي سؤال أن الماركسيين يقولون أنهم يسعون إلى التقدم و يسمون أنفسهم
تقدميين، ويطلقون على غيرهم اسم الرجعيين، فكيف ينسجم ذلك مع دعوة الشيوعية إلى
الرجوع إلى الأصل؟ ويقولون إن الاشتراكية ما هي إلا مرحلة إلى الشيوعية وأن
الشيوعية معناها عودة الإنسان إلى حياته الأولى في المشاركة التامة بين البشر في
كل شيء، أليس هذا يناقض قولهم إنهم تقدميون وهم يريدون إرجاع الإنسانية إلى الوراء
وللإنصاف نقول إننا لم نعد نسمع الآن كلمات الرجعية والتقدمية منهم مع هذه
التغيرات التي تحدث في الدول الشيوعية. يقوم الفكر الماركسي على أصلين الأول
المادية والثاني الديالكتيك، ويعبر عنهما بالمادية الجدلية فالمادية تعنى في الفكر
الماركسي عدم الاعتراف بالروح ولذلك جاء التناقض بين الماركسية والأديان، وجاءت
تفسيرات الماركسيين عن ظهور الأديان مختلفة حسب رؤية كل فريق منهم لأثر الدين في
بيئته وقال بعضهم إن الدين من اختراع الأغنياء ليسيطروا على الضعفاء، ومن هنا جاءت
مقولة لينين «الدين أفيون الشعوب» وقال البعض الآخر بل هو من صنع الفقراء حيث لم
يستطيعوا التغلب على الأغنياء فتسلوا بالدين فهو من صنع الفقراء وبعضهم قال إنه
ظاهرة اقتضته الظروف الاقتصادية فهو ثورة الفقراء على الأغنياء في مرحلة معينة من
التاريخ، فهو من صنع الطبيعة.
ويفسر
الماركسيون ظهور الدين الإسلامي بأن العرب أرادوا أن يقووا مركزهم التجاري بين
الشعوب الأخرى فابتدعوا الإسلام، فتطور المدنية حملهم على ذلك، وأن الضعفاء في مكة
أرادوا الثورة على الأغنياء فاعتنقوا الإسلام وأن الفقراء تسلوا به والأغنياء
تسلطوا بسببه فعامل ظهور الإسلام هو تطور المدنية عندهم، ولكن نقول لهم إنه لو كان
الأمر كما تزعمون فلماذا لم يظهر الإسلام في اليمن لأنه أكثر تحضرًا ومدنية من
الحجاز؟ وإذا كان يحقق مطامع الأغنياء فلماذا عارضوا تلك المعارضة الشديدة؟ وإذا
كان ثورة الفقراء فكيف أبقي على الملكية الفردية؟ وعدم اعتراف الماركسيين بالإله
والأديان أوقعهم في مشاكل مع الشعوب لا حدود لها، لأن ذلك يناقض الفطرة، فقد زعموا
أن العقيدة بالإله نشأت من ضعف البشر، فإذا جهلوا شيئًا نسبوه إلى الله، وإذا
ضعفوا عن مواجهة نكبة توسلوا به، وإذا خافوا لاذوا به لذلك يجب ألا يؤمن أحد برب
في نظرهم، وللرد على هؤلاء- كما يقول الأستاذ عباس العقاد: أليس اليوم يعيش
الكثيرون من البشر أنواعًا من الضعف والجهل والخوف؟ والواقع أن الإيمان بالله هو
الذي يدفع المؤمنين إلى تخطي حواجز الخوف، واقتحام العقبات.
والديالكتيك
الذي هو الأصل الثاني للفكر الماركسي، والذي تبنته الماركسية من منطق هيجل أن كل
شيء يتغير وكل شيء يرتبط ببعضه البعض وكل شيء يحمل نقيضه، ولكل شيء انقلاب مفاجئ،
وهذا إن صح في عالم المادة والمحسوس فلا يصح في عالم المعاني والمجردات كالعلم
والعدالة والحق فإذا علمت بأنك موجود فهل يتغير علمك؟ وإذا علمت أن اثنين زائد
اثنين يساوي أربعة فهل يتغير ذلك في يوم من الأيام؟ وهل تصبح صفات الصدق والعدل
والحق أمورًا قبيحة في يوم من الأيام؟ وأما أن كل شيء يحمل نقيضه فذلك من أوهام
الماركسيين، فهل الوجود والعدم يجتمعان إذا قلنا إن القمر موجود هل نقول إنه مفقود
أيضًا في لحظة واحدة؟ أما الانقلاب المفاجئ فإذا سلمنا به فإنه ليس معقولًا أن
يكون بدون سبب وعدم معرفتنا للسبب لا يعني أن الانقلاب مفاجئ، فاذا رأينا تبخر
الماء عرفنا السبب لهذا التبخر حيث إن زيادة الحرارة تؤثر على زيادة التبخر حتى
يفقد الماء كل برودته فينقلب بخارًا حتى لو جهلنا تلك الحرارة.
القضية
الكبرى التي أصابت الماركسية في مقتل هي قضية الاقتصاد، حيث إن النظرية الماركسية
أرادت أن تقضي على الظلم الواقع على العمال بحجة أن قيمة السلعة السوقية هي بالذات
أجر العامل، كلما كان أجر العامل أقل من القيمة السوقية للسلعة كان الفرق في جيب
صاحب العمل، لذلك فلابد من القضاء على صاحب العمل وجعله واحدًا من العمال، ولأن
العمال لا يمكنهم مباشرة التنظيم والتوجيه فلا بد من قيادة حزب يمثلهم وهو الحزب
الشيوعي، فقام أعضاء الحزب بالنيابة عن العمال وأصبحوا هم صاحب العمل باعتبارهم
يمثلون الدولة، ونتيجة لذلك ألغيت الملكية الفردية وأصبح أعضاء الحزب هم المتعرفون
وهم الذين يستأثرون بالامتيازات، ولأن شخصية الفرد قد سحقت وأذيبت فلم يعد هناك
حماس ضد العمال للعمل، وأصبح كل مسؤول يتقاضى راتبه من أموال الشعب، ولم يعد هناك
صاحب عمل يفكر ويخطط وينظم لرفع مستوى العمل، بل هناك أشخاص عندهم مطامع، وعندهم
نزعة الاستئثار فالدولة عندما تملك كل شيء تتيح الفرصة لأصحاب الضمائر الميتة أن
يسرقوا و يرتشوا ويفسدوا الحياة الاقتصادية، وعندما يقول ماركس أن الثورات في
العالم نتيجة للتناقض الطبقي فإن ذلك يكذبه الواقع.
وها
نحن الآن نشاهد كل الطبقات تنقض على الأنظمة الماركسية التي تسمى حكمها حكم الطبقة
العاملة.
إن
الصراع لا يأتي بين الطبقات إلا إذا كان الحكم مبنيًا على الظلم، وتسلط أناس عن
طريق العسف والجبروت، فيكون هناك صراع بين الظالمين وأعوانهم من المرتزقة
والمنافقين من جهة، وبين المظلومين من جهة أخرى، حتى يسقط الظلم ودولته، فدولة
الظلم ساعة، ودولة العدل إلى قيام الساعة.
وكون
الناس مختلفين في أرزاقهم حسب جدهم وكدهم وكفاءتهم ومواهبهم لا يؤدي ذلك إلى صراع
إذا قام ميزان العدل بينهم فلا يمكن للقوي أن يطغى على الضعيف مستندًا إلى قوته
وسلطانه، ولا يحتكر الأغنياء أرزاق الناس، وأعطى العامل أجره الذي يستحقه، ولم
تتغلب المحسوبيات، ولم تهدر الحقوق والحريات، أما إذا اختل ميزان العدل، فطغى
القوي على الضعيف فإن لكل فعل رد فعل مماثل له في القوة ومضاد له في الاتجاه كما
يقول المنطق العلمي عند علماء الميكانيكا، فأعضاء الحزب الشيوعي تحكموا في رقاب
الناس وأموالهم، واستأثروا بالامتيازات ومن حاول أن يبين لهم خطأ النهج الذي
يسيرون عليه سموه ثورة مضادة، ونكلوا به وعذبوه وأعدموه والسجون والمعتقلات في
البلاد الشيوعية أكثر من المدارس، فمصادرة الحريات وأكل أموال الناس بالباطل
ومصادمة الفطرة، ومحاربة الأديان، كل ذلك كان سببًا في انهيار الأنظمة الشيوعية،
وفشل الماركسية وسقوطها، ولذلك فنحن نرى التغييرات الآن على أشدها في الاتحاد
السوفياتي بعد سبعين سنة من قيام الحكم الشيوعي، وفي أوروبا الشرقية بعد أربعين
سنة، وتراجعت الشيوعية من نصف الطريق بعد أن كانوا يقولون إن ما حققوه من الشيوعية
ما هو إلا خطوات أولى في طريق الشيوعية، وإذا كنا نرى الشيوعيين يتساقطون الآن
كأوراق الخريف فإننا نأسف لموقف الماركسيين العرب الذين لا يريدون أن يعترفوا
بهزيمة الماركسية ويتشبثون بها فهل آن لهم أن يعودوا إلى رشدهم؟