; البعث الإسلامي والوهم الكبير | مجلة المجتمع

العنوان البعث الإسلامي والوهم الكبير

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1986

مشاهدات 104

نشر في العدد 752

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 28-يناير-1986

نرى على الساحة الإسلامية بعثًا إسلاميًّا ناميًا فرح به المؤمنون ومحبو الخير للناس وبعث الأمل في نفوسهم، وحاز على ثقتهم وتقديرهم، وقد ظهر دليل ذلك في التأييد الذي يحوزه الإسلاميون في انتخابات المجالس النيابية والنقابات المهنية وفي انتخابات الاتحادات الجامعية والجمعيات التعاونية وغيرها في أقطار مختلفة. 

وفي مقابل هذه الصورة المشرقة نرى أن هذا البعث الإسلامي بما حازه من ثقة وتقدير قد أحزن قومًا آخرين وأفزعهم، وجعلهم يضاعفون جهودهم في تصعيد حملات التشويه والتشكيك والكيد والحرب للإسلام وللدعاة إلى الله والحركات الإسلامية. فبالإضافة إلى ما قامت به بعض الأنظمة وما زالت من بطش وتنكيل وإيذاء وتعذيب بل وقتل للدعاة إلى الله وللشباب المسلم الذي يعمل مخلصًا لدين الله ويطالب بتطبيق شرع الله وتطهير مجتمعاتنا من ألوان الرجس والمنكرات، إذا بنا نرى زيادة على ذلك حملات مكثفة في بعض الصحف والمجلات يقوم بها بعض الكتاب ويلبسونها ثوب النقد والنصح، ولكنها في حقيقتها إساءة وتشويه وتنفير للجماهير من فكرة العودة إلى الإسلام ليحكم حياة الناس بشريعة الله السمحة العادلة.

ويصل الأمر ببعض هؤلاء الكتاب أن يعتبر اعتقاد أن النظام الإسلامي يستطيع أن يحل مشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية لونًا من الوهم والخيال ويسميه «الوهم الكبير». كما يصور أن العودة بالناس إلى الإسلام وحكمه في هذا العصر لن يكون إلا من خلال حكم دكتاتوري بتسلط الأحزاب الدينية وهيمنتهم الحديدية على كل شيء وتصفيتهم الجسدية لمعارضيهم إلى آخر تلك الصور البشعة المنفرة والبعيدة كل البعد عن طبيعة الحكم الإسلامي المتميز بعدله وسماحته وحمايته لحرمات الناس وحرياتهم. فلحساب من هذا التشويه؟

 وضنا منا بأوقاتنا وأوقات القراء فلن نشغل أنفسنا وغيرنا بالرد على أقوال ليست بحاجة إلى التدليل على مخالفتها للواقع والحقيقة. 

ثم إن مثل هذه الحملات ليست جديدة على دعوة الله والدعاة إلى الله، فهي قديمة بقدم دعوة الله وبعثة الرسل، تعرض لها الرسل ومنهم رسولنا صلى الله عليه وسلم، وصبروا عليها حتى أتاهم نصر الله، وسنة الله التي لا نتبدل تؤكد لنا أن هذه الحملات تبوء بالفشل ولا تنال من دعوة الله القائمة على الحق، إذ يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.

نعم يزهق الباطل وتبقى دعوة الله تواصل سيرها غير عابئة، وينتهي من حاربوها ليلقوا الحساب والجزاء من الله. 

وإذا أحسنا الظن ببعض هؤلاء الكتاب فإننا نلتمس لهم بعض العذر لفقدانهم المقاييس الربانية الصحيحة التي يقيسون بها القضايا المتصلة بعقيدة الإسلام، ولكنهم يتعاملون بمقاييس أخرى مغايرة فيخطئون التقدير. 

ومن المفيد أن نورد هنا كلامًا جيدًا للإمام حسن البنا يرد فيه على من يستغربون على العاملين للإسلام سعيهم للعودة بالناس إلى الإسلام وتحكيم شرعه وإقامة دولته. فبعد أن تعرض -رحمه الله- للموجة المادية الطاغية التي غزت بلادنا الإسلامية، وعملت عملها في إفساد حياة شعوبنا وتخريبها إذا به يقول:

«إن مهمتنا نحن الإخوان المسلمين أن نتصدى لهذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات التي جرفت الشعوب الإسلامية، حتى تنحسر عن أرضنا، ويبرأ من بلائها قومنا، ولسنا واقفين عند هذا الحد بل سنلاحقها في أرضها ونغزوها في عقر دارها، حتى يهتف العالم كله باسم النبي صلى الله عليه وسلم، وتوقن الدنيا كلها بتعاليم القرآن، وينتشر ظل الإسلام الوارف على الأرض.. 

ثم يقول: سيقول الذين يسمعون هذا أنه الخيال بعينه، وأنه الوهم، وأنه الغرور، وأنى لهؤلاء الذين لا يملكون إلا الإيمان والجهاد أن يقاوموا هذه القوى المتألبة المجتمعة، والأسلحة المتنوعة المختلفة، وأن يصلوا إلى حقهم وهم بين ذراعي وجبهة الأسد؟

سيقول كثيرون هذا ولعل لهم بعض العذر فهم قد يئسوا من أنفسهم ويئسوا من صلتهم بالقوي القادر. أما نحن فنقول إنها الحقيقة التي نؤمن بها ونعمل لها. ونحن نقرأ قول الله تعالى ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104) وأن الذين فتحوا أقطار الدنيا ومكن الله لهم في الأرض من أسلافنا لم يكونوا أكثر عددًا ولا أعظم عدة ولكنهم مؤمنون مجاهدون. 

سنعتد أيها الناس اليوم بهذه العدة، وسننتصر -بإذن الله- كما انتصر أسلافنا بالأمس القريب ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126). وسيتحقق لنا وعد الله تبارك وتعالى ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: 5-6).

الرابط المختصر :