العنوان حينما يضل الفهم تضيع القضية (599)
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
مشاهدات 68
نشر في العدد 599
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
تناقلت وسائل الإعلام والصحافة في الأيام القليلة الماضية، عدة تصريحات فلسطينية تلتقي في الدعوة إلى إجراء مفاوضات مع «إسرائيل» أو عناصر يهودية، تؤمن بحق الفلسطينيين في دولة لهم. وكانت بعض هذه التصريحات قد دعت إلى الاعتراف المتبادل بين «إسرائيل» ومنظمة التحرير الفلسطينية والدخول في مفاوضات مباشرة.
وقد أثارت هذه التصريحات ردود أفعال عنيفة في الأوساط الشعبية الفلسطينية والعربية، كما قوبلت بالاستغراب والاستهجان في بعض الأوساط السياسية.
فهل هذه الدعوات غريبة حقًا؟ وما هو مغزاها؟
دعوة للاعتراف والمفاوضات
الدعوة الأولى كانت على لسان رئيس بلدية بيت لحم إلياس فريج، حيث قال في مقابلة له مع صحيفة «هارتس» اليهودية: «إن على منظمة التحرير الفلسطينية، أن تعترف بحق إسرائيل في الوجود، وعلى إسرائيل إجراء مفاوضات مباشرة مع المنظمة».
وأضاف أن هذه المفاوضات ينبغي أن تبدأ «من دون شروط سابقة»، معتبرًا أن هذا الحل هو الوحيد «في مواجهة الأخطار التي تهددنا، خصوصًا خطر فقدان أراضينا»، وما يستند إليه فريج في دعوته هذه، ما نسبته إليه صحيفة «الجيروزالم بوست» اليهودية من أن «الوقت يعمل لمصلحة «إسرائيل»، وكل يوم يمر ستظهر مستوطنات إسرائيلية جديدة في الضفة الغربية، وفي عشر سنين لن يبقى شيء للفلسطينيين، ولن يبقى ما يمكن التفاوض عليه».
أما رئيس بلدية غزة رشاد الشوا، فقد أبلغ الإذاعة اليهودية أنه يعتقد أن على «إسرائيل» أن تقوم بالخطوة الأولى للاعتراف بالفلسطينيين؛ «الاعتراف بحقهم في تقرير المصير والوجود، وينبغي أن يتضمن ذلك منظمة التحرير الفلسطينية».
وهاتان الدعوتان تلتقيان في الاعتراف والمفاوضات وتختلفان فيمن يمثل الفلسطينيين، فإلياس فريج يصر أن المنظمة هي الممثل الوحيد، أما الشوا فيرى أنها ليست كذلك إنما هي جزء من الفلسطينيين.
ودعوة لاستئناف الحوار
أما الدعوة الثالثة فكانت على لسان عصام السرطاوي مهندس الاتصالات الفلسطينية اليهودية التي بدأت عام 1977، وذلك لاستئناف تلك الاتصالات، وفتح الحوار مع ما اسماه بالقوى الديمقراطية اليهودية داخل فلسطين وخارجها، التي لا تؤمن «بالصهيونية» وتعارض سياساتها!
فهل هذه الدعوة غريبة على المسرح السياسي العربي وحتى الفلسطيني؟
من الناحية العربية، لا يخفى أن مسألة الاعتراف بـ«إسرائيل» لم تعد مشكلة بالنسبة للأنظمة الحاكمة، لأن بعض هذه الأنظمة دخل معها في مفاوضات مباشرة خسر فيها خسارة فادحة، كمصر التي راح رئيسها المقتول ضحية لذلك. وهنالك أنظمة عربية أخذت تدعو للاعتراف والمفاوضات، وتقدم مشاريع للحل لم يكن يتصور أحد أن تفعل ذلك، لكن الساحة المهمة هي الساحة الفلسطينية.
فالمتأمل في تصريحات فريج والشوا، يجد أنها تستند إلى نفس المنطق الذي استند إليه السادات وكل أنصار مبدأ «خذ وطالب» أو «الوقت في غير صالحنا»، وما إلى ذلك من مسوغات الخنوع والاستسلام لمخطط التآمر على الأمة الإسلامية، وتصفية القضية الفلسطينية.
ولكن الأخطر من ذلك أن تكون هذه الدعوات غير بعيدة عن منظمة التحرير الفلسطينية أو المسؤولين فيها.
المنظمة غير بعيدة
فالصرطاوي الذي هوجم على الساحة الفلسطينية ومن قبل المجلس الوطني الفلسطيني في أبريل 1981 يعاود تجديد دعوته لاستئناف وتوسيع الاتصالات مع شخصيات يهودية «وصهيونية» للمطالبة بدولة فلسطينية. ولكن منظمة التحرير أو أحدًا منها حتى اللحظة لم يكلف نفسه بالرد على هذه الدعوة أو استنكارها.
وأما الرد المعتدل نوعا ما على تصريحات فريج والشوا فلم ينصب على رفض المبدأ، ولكن على التشكيك بكون المنظمة ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني.
فالبيان الذي أصدرته المنظمة ردًا على فريج والشوا قالت فيه أن ما صدر على لسانيهما ما هو إلا «جزء من حملة ضغط تمارسها الولايات المتحدة للنيل من المنظمة ودورها في تمثيل الشعب الفلسطيني».
أما هاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمستشار السياسي لياسر عرفات والذي بشر بقيام الدولة الفلسطينية آخر العام، فقد عقب على ذلك بقوله إن تصريحات فريج والشوا «تتفق مع خطة أمريكية يجري التحضير لها لخلق زعامة فلسطينية بديلة لمنظمة التحرير».
وإذا كان اعتراض المنظمة منصبًا على معارضة مبدأ تمثيلها الفلسطيني فقط فماذا إذن صدرت هذه التصريحات في هذا الوقت بالذات؟
لماذا الآن؟
إن صدور تصريحات فريج والشوا في نفس الوقت الذي دعا فيه شيمون بيرز زعيم حزب العمل اليهودي المعارض «إسرائيل» لإجراء مفاوضات مباشرة مع منظمة التحرير، وعضو الكنيست بوسي ساريد من حزب العمل ومحمد وقد من حزب مابام وهو يساري.
وبعد اجتماع فريج بوزير الخارجية الأمريكي اليكساندر هيغ جعل بعض
المراقبين يقولون إنه لابد أن تكون «أصابع «إسرائيل» والولايات المتحدة وراء هذه التصريحات».
ويرى آخرون أن هناك ضغطا أجنبيًا شديدًا يمارس على المنظمة في محاولة لإقناع قيادتها بالاعتراف لأن ذلك سيؤدي إلى حصولها على تنازلات إسرائيلية مذهلة! وأن هذه الوعود إنما جاءت على لسان هيغ. وهنالك معلومات ذكرتها صحيفة «اللواء» اللبنانية مفادها أن الرئيس الروماني نيكولاي تشاوتشيسكو كان وراء مبادرة فريج التي ساندها الشوا في وقت لاحق.
ونسبت الصحيفة إلى مصادر فلسطينية لم تعرفها قولها إن فريج كان قد قام منذ حوالي شهرين بزيارة لبوخارست وأقام في قصر تشاوتشسكو في ضواحي العاصمة الرومانية.
وقالت المصادر إن الرئيس الروماني قدم الفريج خلال زيارته مشروعًا يدعو لأن يتولى رؤساء البلديات في الضفة أو القطاع فكرة اعتراف متبادل بين منظمة التحرير و«إسرائيل» وأن المنظمة لا تمثل كل الشعب الفلسطيني.
وأوضحت أن حجة تشاوتشيسكو هي أن المنظمة غير قادرة على الاعتراف بـ«إسرائيل» لأن ذلك يشكل إحراجًا لها وأن هذا الإحراج يمكن أن يخف إذا جاءت المبادرة من رؤساء البلديات.
وقالت إن فريج أجري فور عودته من بوخارست اتصالات مع عدد من رؤساء البلديات وعرض عليهم فكرة الرئيس الروماني غير أنهم رفضوا فقرر المضي بها وحده، وأشارت إلى أن الشوا انضم إلى فريج وسائد الفكرة في وقت لاحق.
ولم تذكر الصحيفة ما إذا كانت دعوة الرئيس الروماني لفريج لاتخاذ مثل هذه المبادرة تأتي بناءً على موافقة منظمة التحرير أم لا.
وهذا الذي قالته صحيفة اللواء ليس بعيدًا لأنه سبق لتشاوتشسكو وزميله كرايسكي أن طالبوا العرب بالاعتراف بـ«إسرائيل» بما في ذلك المنظمة والرجلان معروفان بعلاقاتهما مع «إسرائيل» وخدمتهما للمصالح الغربية بالرغم من المسوح الاشتراكية التي يلبسونها.
رغبة أمريكية
والاعتراف المتبادل بين «إسرائيل» والمنظمة رغبة أمريكية بالرغم من كل ما قيل عن إصرار الولايات المتحدة على عدم الاعتراف بالمنظمة، وهذا ما أكدته مؤخرًا مجلة البيزنس ويك الأمريكية التي قالت «إن واشنطن تقوم بمساع سرية مكثفة مع زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، عبر جهود لإقناع الفلسطينيين المعتدلين للعمل من أجل تحقيق تسوية عربية- إسرائيلية»، وأضافت المجلة «ولكن لكي تأتي المفاوضات بثمار، يتعين على عرفات، في رأي الأميركيين، أن يتخذ له وضع رجل الدولة ويتخلى عن دوره الإداري بين مختلف المنظمات المتشعبة والمتأرجحة الرأي داخل اطار منظمة التحرير».
ولذلك ليس من المستبعد أن تكون تصريحات فريج والشوا عن هذه الرغبة وعن إزالة الحرج عن المنظمة التي لا يمكن لقيادتها بحال أن تقدم على الاعتراف بـ«إسرائيل» قبل الحصول على دولة، أو تكون على الأقل «بالونه اختبار» لمعرفة ردود الفعل ومدى قوتها وتأثيرها على الساحة الفلسطينية.
مؤشر خطير
ومهما كانت الأسباب الكامنة وراء هذه الدعوات، وسواء كانت مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بمخطط تصفية القضية الفلسطينية أو كانت قناعات ذاتية، فإنها بحد ذاتها تشكل مؤشرًا خطيرًا لما وصلت إليه القضية الفلسطينية منذ أن تحولت بالتدريج من قضية إسلامية سياسيًا وفكريًا إلى قضية «عربية قومية».
والمتتبع للقضية الفلسطينية منذ أن حضرت مسؤوليتها بإجماع عربي في الفلسطينيين وبالذات في منظمة التحرير يجد أنها نتيجة لظروف سياسية عربية ودولية قد خرجت عن مسارها الصحيح وهي كونها قضية إسلامية لشعب مسلم أخرج من وطنه وماله وأصبحت قضية «أفراد» يحاولون أن يجدوا لهم كيانا ما بين الكيانات السياسية القائمة. ويسبب من هذه الحقيقة بالإضافة إلى عدم قيام العمل الفلسطيني على أساس عقدي إسلامي فقد اضطرت المنظمة تحت ضغط عسكري عربي وسياسي دولي لتقديم تنازلات كثيرة ابتدأت منذ عام 1969.
عرفات يعترف
هذه التنازلات اعترف بها أخيرًا ياسر عرفات وإن كان قد أسماها حلولًا، وذلك في مقابلة له مع صحيفة الشرق الأوسط يوم 19/1/1982 قال فيها أنه على «استعداد للتفاوض مباشرة مع المسؤولين الأمريكيين بشأن إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية».
وقال إنه مستعد لإيفاد الدكتور حاتم الحسيني أحد الشخصيات الفلسطينية البارزة للالتقاء بالرئيس الأمريكي ريغان.
وقال إن الطغمة الإسرائيلية الحاكمة لا تريد أن تتعلم منطق التاريخ فقد ظللنا نقدم الحلول بينما استمر الحكام الإسرائيليون في رفضها، حيث أعلنا في عام 1969 استعدادنا لإقامة دولة يعيش فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون على قدم المساواة كما أعلنا في عام 1974 استعدادنا لإقامة دولتنا المستقلة على أي جزء تنسحب منه القوات الإسرائيلية إلا أن ذلك رفض من جانب الإسرائيليين.
وأكد عرفات أن الدعم الأمريكي اللامحدود لـ«إسرائيل» هو الذي يشجعها على التمادي في الصلف والعدوان مشيرًا الى أن منظمة التحرير الفلسطينية قدمت الأدلة لأمريكا في أكثر من مناسبة على حسن النوايا لكنها لم تقابل بالمثل من الجانب الأمريكي.
وقال إن المنظمة عملت من منطلق إنساني بحث على حماية الرعايا الأمريكيين في بيروت أثناء حرب لبنان بناءً على طلب الحكومة الأمريكية كما ساعدت المنظمة واشنطن بالنسبة للرهائن الأمريكيين الذين أفرج عنهم بعد الاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران بفترة قصيرة.
وأضاف ياسر عرفات أن المنظمة التحرير الفلسطينية علاقات طيبة مع جماعات كثيرة داخل «إسرائيل» وقال إن أحد مساعديه في معسكر الرشيدية للاجئين الفلسطينيين يهودي من السويد وما زال عمه يعيش في فلسطين المحتلة كما أن كثيرًا من اليهود يعيشون الآن في السجون لأنهم يشاركون في المقاومة الفلسطينية لهذه الطغمة العسكرية الإسرائيلية ومن بين هؤلاء اليهود نجل عضو في حزب العمل الإسرائيلي سجنه الإسرائيليون لمدة 26 عامًا لأنه يعارض العدوان الإسرائيلي.
وأكد أن لدى المنظمة عددًا كبيرًا من اليهود يشاركون في المقاومة بكل الوسائل وقال إن لدينا علاقات مع مجموعات أخرى بعضها علاقات سياسية وبعضها علاقات اجتماعية.
وذكر أيضًا أنه التقى في روما مؤخرًا بعدد من أعضاء الكنيست الإسرائيلي وكذلك مع فاليسيا لانجر وهي المحامية الإسرائيلية التي تدافع عن حقوق الفلسطينيين.
وأشار إلى أنه تلقى دعوات الزيارة الولايات المتحدة الأمريكية أحدها من مؤتمر الزعامة المسيحية في الجنوب في أطلنطا بولاية جورجيا.
والمتأمل في تصريحات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية يجد أنها تلتقي مع تصريحات فريج والشوا والصرطاوي في مبدأ المفاوضات مع «اليهود» لكن الاختلاف يقع على من تفاوض ومن الذي يفاوض؟
وفي ظروف تتكالب فيها القوى الدولية الى جانب «إسرائيل» وقوى عربية لضرب المقاومة الفلسطينية وملاحقتها في كل أماكن تواجدها ستظل القيادة الفلسطينية أسيرة لهذه الضغوط ولما يطرح من حلول سياسية هدفها الأساسي هو تصفية القضية الفلسطينية بأيد فلسطينية. والدعوة التي تكررها بعض الأنظمة العربية من أنه «لا يمكن الموافقة على ما يرفضه الفلسطينيون» لا يمكن فهمه خارج هذا السياق.. الذي تلتقي فيه أيضًا شئنا أم أبينا عبارة السيد ياسر عرفات المشهورة «الرقم الفلسطيني أهم عناصر معادلة الشرق الأوسط».
وهذا الفهم والاستنتاج لا يحتاج الى كبير عناء وذكاء فمعادلة الشرق الأوسط معادلة سياسية رسمتها القوى الدولية المعادية السلامة الإسلامية وتهدف من حلها إلى الحفاظ على «مصالحها الحيوية» في المنطقة.
فإلى متى التيه في دروب الحلول السياسية والهيمان وراء سرابها المخادع...؟ أليس في قصة مصر مع إسرائيل وأميركا من عبرة كافية؟! ذلك ما ستجيب عنه الوقائع والأحداث القادمات.