; في وداع د. بدر الدين غازي | مجلة المجتمع

العنوان في وداع د. بدر الدين غازي

الكاتب د. يحيى عثمان

تاريخ النشر السبت 08-أغسطس-2009

مشاهدات 64

نشر في العدد 1864

نشر في الصفحة 36

السبت 08-أغسطس-2009

يقول عز من قائل ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ (آل عمران:185 )، هو الموت تلك الحقيقة التي أجمع عليها كل الخلائق، مؤمن وكافر، ولكن شتان بين من تبكيهم السماء وكل موقع وطنته أقدامهم وكانت ترتاح لوجودهم حتى نسمات الهواء التي يستنشقونها، وبين من تلعنهم السموات والأرض وكل حبة تراب وطنتها أقدامهم.

شتان بين من تركوا آثارا طيبة تخلد ذكراهم وتمنحهم صدقات جارية بفضل الله في العديد من مجالات الحياة، ومن تركوا أوزارا تلعنهم.

لقد صحبت أخي الحبيب في رحلته الأخيرة من مسجد صلاح الدين المطل على كوبري جامعة القاهرة، والمقابل لنادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة والذي ترأسه عدة دورات، حيث امتلأت ساحات الجامع بإخوانه وزملائه وطلابه وجيرانه، وأظن أن كل من قابل أخي الحبيب حاول أن يحرص على حضور صلاة الجنازة التي أمها ولده الصالح د. محمد بدر الحافظ لكتاب الله.. فنسأل الله أن يتقبل دعاءنا ودعاء ابنه الصالح وكل من أحبه في الله. 

لقد أقبلت القلوب محبة حريصة على المشاركة والدعاء بأن يجمعها الله بحبيبها مع الحبيب المصطفى، وقد اختلطت مشاعر من يتلقى العزاء بالمعزّين، فالحزن مشترك والمصاب واحد، فإنك تعزي وتتلقى العزاء.

إنك تكاد تسمع القلوب تتذلل لله سبحانه وتعالى سائلة الرحمة لفقيدنا الغالي، وحاولت بعد الصلاة أن أشارك في حمل جثمان أخي الحبيب، ولكن هيهات هيهات، لقد تسابق الكثير من محبيه وسبقوني، فهرعت إلى السيارة ملقيًا نظرة على جثمانه الطاهر وكنت متفقا مع مرافقي أن نصحب موكب الجنازة حتى قرية «طبلوها» بمركز «تلا» بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وفوجئت بأفواج تلو أفواج من السيارات تسير معنا حتى وصلنا القرية.

 أعد أهل القرية سرادقًا يسع عدة آلاف من المعزيين، ولكن ضاقت حواري القرية بالآلاف الذين أتوا من العديد من محافظات مصر، أو حتى الذين عرفوا الدكتور في الكويت وكانوا في إجازاتهم الصيفية، وضاق السرادق وضاقت الطرقات بمحبي الفقيد سلوكه الذي استوعبهم قلبه بحبه الأخوي وأخلاقه ولكن الدمية وتواضعه الجم.

 أعلم قيمة الدكتور والأستاذ العالم الفذ أخي بدر، وكيف كان ذا مكانة عالمية في تخصصه الدقيق، وعادة ما تتميز هذه الفئة من العلماء بالانطواء والعزوف عن المشاركات جنازت الاجتماعية أو حتى العائلية، حتى يستطيعوا أن ينجزوا ويحققوا تلك المكانة العلمية والعالمية الجديرين بها، فالأستاذ الدكتور بدر كان أستاذًا بجامعة القاهرة، وجامعة الكويت، موقع وجامعة »بنسلفانيا»، وشارك في العديد من المؤتمرات التخصصية بأبحاثه الفذة، وحيرني سؤال كبير: كيف استطاع أن يجمع أخي الأستاذ الدكتور بدر كل هذه القلوب ولم سبحًا يكن شيخًا داعيًا، له صيت من خلال القنوات التلفزيونية أو الشرائط السمعية، ولكنه باحث الكوني في مجال الكيمياء الفيزيائية؟ لقد جمع يرحمه الله بين الحسنيين: التفوق العلمي الفذ في أحد المجالات العلمية وتوج هذا بحصوله على شهادة الدكتوراه في العلوم (D.S.C) ، وليست في فلسفة العلو (PHD)، والتفوق الدولي الاجتماعي بحسن خلقه وتواضعه وتواصله مع الناس بدءًا من أهله، ثم في كل مكان يحل به.

لقد دعا أخوه الأستاذ الدكتور صلاح العين سلطان بالخير له: «اللهم اجعل كفنه ثوب سياس زفافه»، وحقًا انتابني شعوران مختلطان، الأول: هو شعور بالغبطة لكل هذا الحب الذي ألمانيا وفقه الله أن ينبعه في قلب هذه الألوف والثاني: شعور بالحزن لفراقه، فأبتهل إلى الله أن يجمعني به في مستقر رحمته. 

كان يحرص على إعطاء الدروس العملية دون حديث من خلال سلوكه، وتأثر كثيرًا بتخصصه في العلوم المادية، وانعكس ذلك على سلوكه الاجتماعي، فكان لا يحب فضول الكلام ولكن كان يؤثر إعطاء النموذج والدرس العملي ويجعل زملاءه أو طلابه كل يرى ويستفيد من الدروس بقدر ما هو مهيئ للاستفادة منه.

 لقد طبق شعار: مقام رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل لرجل.. وإني أرى أن جنازته كانت درسًا عمليًا آخر لكل مسلم، وكأنه برحلته الأخيرة إلى مثواه الأخير أبي إلا أن تستمر مسيرته الدعوية حتى يوارى التراب. 

لقد استغل أخي الأستاذ الدكتور بدر كل موقع شغله منذ أن كان معيدًا بكلية العلوم بجامعة القاهرة حتى أعلى درجات الأستاذية لخدمة دينه وأمته، كما أنه وظف ما وصل إليه من أبحاث في الاستدلال على قدرة الله سبحانه وتعالى بأسلوب سهل ميسر بسيط حتى يتسنى للقارئ العادي أن يفهم الدلالات الكونية للتعرف على قبس من قدرة المولى سبحانه وتعالى.

لقد جمعتني بعض اللقاءات النقاشية للوضع السياسي العربي فكان تحليله السياسي يتميز بالاستدلالات المنطقية، وإبراز بعض العلاقات الدولية والمؤثرات التي قد يغفلها أو يتغافل عنها كثير من المحللين السياسيين المشهورين.

 كان صاحب حجة وإقناع، كأنك تطلع رأي العين على الحقائق وليس رؤى أو تحليلات سياسية.

 كان في رحلته الأخيرة من الكويت إلى ألمانيا قبل وفاته بعشرة أيام يسلم علينا سلام مودع، وعيناه تقولان: »دعونا نلتقي في الجنة«فقد أوصى كما قال أحد إخوانه المقربين بكل شيء، ولم يترك صغيرة أو كبيرة إلا وتضمنتها وصيته، وكأنه كان على يقين من دنو الأجل.

 رحم الله أخي الحبيب الأستاذ الدكتور بدر.

الرابط المختصر :