; تنامي الحضور الصيني في أفريقيا.. والرعب الغربي المفتعل! | مجلة المجتمع

العنوان تنامي الحضور الصيني في أفريقيا.. والرعب الغربي المفتعل!

الكاتب محمد سعيد باه

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2013

مشاهدات 62

نشر في العدد 2040

نشر في الصفحة 36

السبت 16-فبراير-2013

  • المنتدى «الصيني - الأفريقي» أصبح من أهم مناسبات التبادل التجاري والثقافي على المستوى العالمي
  • حجم التبادل التجاري بين الصين والدول الأفريقية بلغ ١٦٠ مليار دولار خلال عام ٢٠١١م
  • تقوم الرؤية الصينية في علاقتها مع أفريقيا على ركيزة الشراكة من خلال مربع: الاستثمار الثقيل والتسويق والوصول إلى مصادر للثروات والحضور البشري والفني
  • الصين قدمت منحة ل ١٠ آلاف أفريقي للدراسة بها في تخصصات محددة
  • عدد الصينيين اليوم في أفريقيا يقدر بحوالي مليون نسمة
  • منظمة «أكسوفام»: المساحات التي قامت المؤسسات الدولية في الدول الغنية بالاستيلاء عليها حتى الآن تقدر بما يساوي مساحة بريطانيا ٨ مرات

رغم الدعاية المكثفة التي تقوم بها الأجهزة الغربية ضد الصين بتسليط الضوء على «الوجه الصيني القبيح» فيما يتعلق بحقوق الإنسان وغيرها من القضايا التي اعتادت الأجهزة الغربية على إثارتها طبقًا لأجندات محددة ومدروسة بدقة متناهية، فإن العلاقات الأفريقية الصينية تشهد نموًا مطردًا، ما أثار الانتباه داخل بعض الدوائر الغربية التي تعنى بالملفات الإستراتيجية، وبالأخص ما يوصف داخل تلك الدوائر بالقضايا الأمنية فيما يتعلق بالمصادر القادرة التي تمد التهم الجشعة بما تحتاج إليه من مستهلكات.

وقبل بروز طفرة أو الظاهرة الصينية، كان الحديث يدور عن الاستعدادات الجارية لقيام الولايات المتحدة الأمريكية بخلافة الدول الغربية التي استعمرت المنطقة، وخصوصًا فرنسا التي ظلت قرونًا تتعامل مع المنطقة وثرواتها على أنها مجرد محمية خاصة، وكانت الولايات المتحدة قد وظفت عاملين مهمين وهما فيالق السلام التي كانت تقوم بالتغلغل في النسيج الاجتماعي باسم التطوع، ومؤتمرات الأفارقة الأمريكيين التي كانت تؤدي الدور السياسي الاقتصادي.

مؤشرات تنامي الدور

ويمكن الوقوف على الاهتمام الذي يحظى به موضوع تنامي العلاقات الصينية الأفريقية لدى صناع القرار في الدول الغربية من خلال تتبع الدراسات العلمية التي تصدر حول الموضوع، والكتب التي تنشر فضلًا عن المؤتمرات والندوات وحلقات البحث التي تعقد وتعالج هذا الملف من كل الجوانب، ومن أهم المؤسسات الفكرية التي تناولت هذه العلاقة بالدرس مراكز البحث الأمريكية مثل (American Enterprise Institute) والتي أصدرت تقارير عديدة عن الموضوع.

في مؤتمر القمة الأخير بين الصين وأفريقيا، اتخذت العلاقات الصينية الأفريقية منعطفًا جديدًا لا شك في أنه سيكون له أثره في تاريخ العلاقات الأفريقية - الصينية من جهة، وفي علاقات أفريقية بالقارة العجوز التي ظلت طيلة القرون الخمسة المنصرمة تفرض حصارًا محكمًا على القارة السمراء ممارسة أبشع أنواع الاستنزاف والاستلاب الحضاري ضمن سياسة غاية في الوحشية.

وتدعيمًا لهذا التوجه انعقد المنتدى الصيني - الأفريقي، الذي أصبح اليوم أحد أهم مواعيد التبادل على المستوى العالمي آخر اجتماع له في العاصمة الصينية بكين يومي ۱۹ - ۲۰ يوليو ۲۰۱۲م، وحضره معظم الرؤساء الأفارقة، وسجل اللقاء كثافة عالية من المشاركة، حيث بلغ عدد الزعماء الذين شاركوا فيه أكثر من ٤٠ رئيس دولة أفريقية، ومن المؤشرات التي تعكس تنامي الدور الصيني في القارة الأفريقية على حساب القوى الاقتصادية الأخرى، ارتفاع قيمة التبادل التجاري التي بلغت سقف ١٦٠ مليار دولار خلال عام ٢٠١١م.

وتكريسًا لهذا التوجه، وعدت الصين بمضاعفة دعمها المالي للدول الأفريقية بتقديم مساعدة، على شكل غلاف مالي، وذلك خلال الاجتماع الأخير للنادي، وتبلغ قيمتها ۲۰ مليار دولار خلال فترة السنوات الثلاث القادمة؛ يحدث هذا التسارع في وتيرة التعاون الأفريقي - الصيني في الوقت الذي يتقلص فيه التعاون الأفريقي – الأمريكي – الأوروبي. 

ومن اللفتات البارزة في هذا المؤتمر؛ قرار الصين المتعلق بتقديم عشرة آلاف منحة دراسية للشباب الأفريقي في مجالات محددة، خلال السنوات الثلاث القادمة في مقابل تراجع توجه الطلاب الأفارقة إلى أوروبا وإلى فرنسا بالتحديد، جراء سياسة سد الأبواب التي ينتهجونها نتيجة لعدم القدرة على التخلص من ثقل الإرث الاستعماري الذي يتحكم في كثير من السلوكيات السياسية والاقتصادية للقوى الغربية، وبالأخص القادة الأوروبيين الذين يبدو أن معظمهم لم يستطيعوا بعد الإفلات من ثقل الإرث الاستعماري من الناحية النفسية على الأقل.

وفي هذا السياق الخاص، قام الرئيس الصيني «هو جن تاو» خلال الفترة من ۱۰ - ۱۷ فبراير ۲۰۰۹م بزيارة إلى القارة الأفريقية شملت كلًا من جمهوريات: مالي، السنغال، تنزانيا، وجزر الموريشيوس، ثم تلت ذلك سلسلة من الزيارات شملت دولًا أفريقية أخرى قام بها مسؤولون صينيون من مختلف المستويات، وفي خط مواز نشط السفراء الصينيون، كما عقدت عدة لقاءات وزارية بين الجانبين في الصين وفي بعض الدول الأفريقية ذات الوزن الثقيل مثل مصر.

 وبالنسبة لزيارة الرئيس الصيني نلاحظ أولًا في خط سير هذه الرحلة التي قام بها رئيس هذه الدولة التي تؤكد كل المؤشرات على أنها القوة الأولى في خلال المرحلة المقبلة، أنها انطلقت من مالي المتاخمة لشمال أفريقيا، ثم اخترقت القارة لتنتهي في الطرف الآخر لتشمل عددًا محدودًا من الدول في رؤية تغاير تمامًا ما اعتاده الزعماء الغربيون حين يروق لهم العالم أن يقصدوا المنطقة في جولات ليست أكثر من تفقد الرعايا كما فعل آخر ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة (كلينتون، وبوش، وأوباما) حيث كان بعضهم يطلب من بعض الرؤساء التجمع في دكار ليتشرفوا بمقابلته. 

ولاحظ المراقبون للشأن الأفريقي، وبالأخص الشق المتعلق بعلاقات القارة مع الغرب عمومًا وبالدولتين الاستعماريتين فرنسا وبريطانيا على وجه الخصوص، أن هذا الحضور الصيني المطرد في ربوع القارة الأفريقية يثير مزيدًا من القلق في الأوساط الاقتصادية في أوروبا، حتى ليبلغ الاهتمام صدور تصريحات متشنجة تكاد تصنف الوجود الصيني وكأنه تطفل أو انتهاك المحمية خاصة (2)، ثم يأخذ الموضوع مسارات أكثر جدية حين تعقد حلقات دراسية لفهم دوافع وآليات نشأة هذا الواقع الجديد، كما تمارس ضغوط هائلة على هذا النظام أو ذاك من أجل عدم التوغل في هذه الشراكة التي لن تكون بحال من الأحوال في صالح أو خدمة المصالح الغربية في هذه الدول.

تاريخ من العلاقات

رغم الزخم الجديد، أو ما يسميه بعض المحللين بالدفء في العلاقات الصينية - الأفريقية، فإن هذه العلاقات ليست وليدة بداية العصر الصيني حيث يعود هذا التعاون النشط بين الجانبين إلى زمن الاستقلال سنة ١٩٦٠م، وإن كان الفارق الجوهري هو أن السند كان أيديولوجيا أكثر منه اقتصاديًا كما هي الحال مع عدد من الدول الأفريقية التي كانت قد تبنت الخط الثوري اليساري التي تميزت في حينه، بأنها كانت تغرد خارج السرب بالنسبة لأغلبية الدول الأفريقية، وضمن هذه الجوقة نجد كلًا من جمهوريتي مالي وغينيا كونا كري في غربي أفريقيا وفي شرقها نلتقي بتنزانيا والصومال وغيرها من الأنظمة التي جربت الوصفة الشيوعية قبل أن تلفظها لمرارة مذاقها.

وبعد فترة من الركود في هذه العلاقة، وهي المدة التي وظفتها الصين لتعميق مكاسب حققتها من وراء ثورتها الثقافية وما تبعت ذلك من تحولات بنيوية في منظوماتها الاجتماعية والعمرانية، عادت إلى المسرح العالمي مجددًا مع إيلاء القطاع الأفريقي قسطًا ضخمًا في أجندتها العالمية، وقد مكن ارتفاع حرارة العلاقة بين الجانبين من فتح عدد من المسارات من أبرزها إنشاء المنتدى الأفريقي الصيني عام ٢٠٠٠م والذي عقد أولى جلساته في الصين، وذلك في الوقت الذي كانت فيه النوادي الأخرى (الفرنسي - الأفريقي، مؤتمرات الأفارقة - الأمريكيين الأفارقة..)، تعيش حالات الاحتضار رغم المظاهر التي توحي بالحيوية.

بهذا انتقلت العلاقة الصينية - الأفريقية من مستوى جيو – سياسية إلى حيز جيو – إستراتيجي، وبخلاف العلاقات الأفريقية الأخرى، تقوم الرؤية الصينية في علاقتها مع الدول الأفريقية على ركيزة الشراكة من خلال مربع: الاستثمار الثقيل، التسويق، الوصول إلى مصادر للثروات الحضور البشري والفني.

 وفي المنتدى الأفريقي الصيني عام ۲۰۰۰م والذي انعقد في الصين، تحدد مسار العلاقات الجديدة التي كانت الصين تسعى إلى تدشينها مع القارة الأفريقية، وفق الرؤية الصينية التي تقوم على الشراكة من خلال مربع: الاستثمار الثقيل، التسويق، الوصول إلى مصادر الثروات وفق نظام المقايضة، الحضور البشري الصيني في كل المناطق الأفريقية تحت غطاء التجارة البسيطة التي تلبي احتياجات المستهلك ذي الدخل البسيط الذي مكنه المنتج الصيني «السريع العطب» من الوصول إلى تجهيزات وأدوات كانت بعدية المنال مثل المروحة والمصباح الكهربائي وجهاز التلفاز الملون ولعب الأطفال والأجهزة الإلكترونية التي يأتي الهاتف الجوال على رأس مبيعاتها.

 بالدعم اللوجستي، استطاعت الصين التغلب على ما عرف في حينه ب «دبلوماسية حافظة النقود» التي كانت تتنافس فيها الحظوة لدى الدول الأفريقية مع تايوان التي كانت قد استطاعت أن تستميل بعض الحكام المشغولين بملء جيوبهم، ولو كان ذلك على حساب مصالح شعوبهم، فضلًا عن السياسة البراجماتية التي مكنتها اليوم من زحزحة كثير من الدول الأوروبية، وقد بلغ حجم ما قدمته الصين ٢٠ مليارًا و٣٣٠ مليونًا في شتى المجالات الطاقة، النقل، تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، الطرق، المؤسسات الرياضية.. وأما قيمة التبادل بين الصين والقارة الأفريقية فتبلغ ١٠٧ مليارات دولار سنوياً.

سلبيات العلاقة

وحين تنقد النظرة الرمادية التي يلقيها الغربيون على العلاقات الصينية - الأفريقية وبقدر كبير من سوء النية، ونثمن بعض جوانب تلك العلاقات المتنامية بين الجانبين، لا يعني ذلك البتة بأننا نغض الطرف عما في تلك العلاقة من سلبيات تسجل في الجانب الأفريقي أكثر مما تسجل لدى الشريك الآخر، حيث يلاحظ وجود كثير من النواقص، كما هي الحال في كل علاقة غير متوازنة، ومن المآخذ الاعتماد الكلي على القدرات الفنية والعمالة الصينية المدربة وغير المدربة في المشاريع التي تنفذها في القارة على حساب العمالة الأفريقية التي تعاني من بطالة مزمنة.

 وهناك أيضًا قيام الصين بتوريد السلاح إلى دول غير ديمقراطية كما يعبر عادة، فضلًا عن مآخذ أخرى تكال مثل استنفاد المصادر، لكن كل ذلك لا يقاس بما اقترفته ولا تزال تقترفه الدول الغربية، في كل أنحاء القارة الأفريقية ومن آخر ما طالعتنا به وسائل الإعلام في هذا الباب ما جاء في تقرير أصدرته منظمة «أكسوفام» البريطانية مؤخرًا بأن المؤسسات الدولية في الدول الغنية تعمل وفق خطط محددة للاستيلاء على الأراضي في الدول الضعيفة، وقدرت المساحات التي تم الاستيلاء عليها حتى الآن بما يساوي مساحة بريطانيا 8 مرات، ثم أضافت بأن هذه المساحة لو وزعت فإنها تستطيع أن توفر الغذاء لما لا يقل عن مليار شخص. 


الرابط المختصر :