; مناقشة مع د. يوسف إدريس هؤلاء الشباب ولحاهم السمحة | مجلة المجتمع

العنوان مناقشة مع د. يوسف إدريس هؤلاء الشباب ولحاهم السمحة

الكاتب ياسر الإبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1988

مشاهدات 98

نشر في العدد 860

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 29-مارس-1988

تحت العنوان «أعلاه» كتب الدكتور يوسف إدريس، الكاتب والأديب المعروف، خاطرة في صحيفة الأهرام القاهرية في عددها المنشور يوم 8/2/88، روى فيها كيف أخذه صديقه الثري إلى أحد مصانع الأثاث بنية شراء مطبخ لابنته التي ستتزوج. وعن مفاجآته عندما وجد أن هذا المصنع المقام بأحدث الطرق العلمية يملكه شاب مهندس ممن يؤمنون بالتيار الإسلامي الجديد -كما يقول- وكذلك جميع العاملين في هذا المصنع لهم ذقون، وساعة صلاة العصر كان كل منهم يذهب ليصلي ليذهب بعده زميله وهكذا. ويضيف الدكتور إدريس: «وكما علمت فإن آلات النجارة نفسها فيها كمبيوتر يقوم بكل العمل والشباب الذين يعملون فيه نشيطون مؤدبون، صامتون أغلب الوقت وكأنك في مسجد، وكأن العمل عبادة «وهو عبادة فعلًا إذا استقامت النية»، وأدبهم وطريقتهم في المعاملة تفوق الوصف، وانضباطهم يفوق الحد، وثقافتهم ودرايتهم واسعة ودقيقة تمامًا». ثم يقول: «وأحسست بفخر شديد، أدركت لماذا كنت أغضب حين أقرأ وأرى وأسمع الجعجعة الميكروفونية باسم الدين الحنيف، كنت أغضب لأني أعلم أن الإسلام ليس دين التعصب الأعمى، المدجج بالسلاح وبالرصاص لمن يتوهم أنهم معارضوه أو مخالفوه، وإنما هو دين الحجة والمنطق والعلم والموعظة الحسنة». «أحسست بفخر شديد، هؤلاء شبان مؤمنون مسلمون، ذلك الإسلام المفرح الهادف إلى إتقان كل شيء من أول التصرف في الطريق إلى العمل إلى العبادة، الإسلام القائل «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». ثم يقول: «لم أكن أريد أن أغادر هذا المكان الجميل الذي لم أعرف صاحبه ومديره من العامل فيه ولا الرئيس من المرؤوس، فكلٌّ منصرف إلى عمله يجد فيه ويتقنه بوازع من ضمير حي وليس عن خوف من عقاب». ثم يطلق الدكتور إدريس صيحة حري بجماهير المثقفين أن يسمعوها، يقول: «اللهم إذا كان التيار الإسلامي هكذا فأنا أول المنضمين، فإذا شئتم حزبًا يبشر بهذا ويعمل به، يخاطب العقل فينا وينهرنا عن الغوغائية، فخذوني معكم».

بعد هذا العرض لأهم ما جاء في خاطرة الدكتور إدريس، أود أن أثبت بعض ما جال في النفس من أفكار أثارتها هذه الخاطرة.

 

المثقفون والتيار الإسلامي

لقد أظهرت السنوات الأخيرة بشكل واضح عمق الفجوة التي تفصل بين مثقفينا وبين التيار الإسلامي وقبل ذلك، الإسلام. ظهر ذلك من خلال المعالجات الصحفية المتسرعة لكثير من الكتاب لقضايا وطروحات التيار الإسلامي. والنظر إلى هذه الطروحات باعتبارها شرًا مستطيرًا سيؤدي في النتيجة إلى العودة بالأمة إلى عصور التخلف والانحطاط، وأن أفراد هذا التيار هم البرابرة الجدد الذين سيقضون على كل الإنجازات الحضارية التي جلبها لنا هؤلاء من الغرب والشرق. كيف لا وهم يشهرون بنادقهم في وجه معارضيهم! لقد أظهر هذا النفر من المثقفين جهلًا مطبقًا بالإسلام وبالتيار الإسلامي وطروحاته، بل إن بعضهم لينقل لك مقولات أدباء الشرق والغرب وطروحاتهم دون أن يتلعثم، حتى إذا جاء يستشهد بآية كريمة أو حديث شريف رأيت الجهل الواضح بالإسلام وقيمه وطروحاته. هذه الحقائق التي نتحدث عنها، كان الدكتور هشام جعيط المفكر القومي المعروف جريئًا في طرحها عندما أوضح بكل صراحة في مقال له بعنوان «هويتنا الآن تتماهى مع الإسلام» نشرته مجلة اليوم السابع في العدد الصادر في 11/1/88، مدى جهل مثقفينا بالإسلام، وتحدث عن لقاء فكري جمعه مع نخبة من الشباب تكلم فيه عن النهضة والحداثة والإسلام، يقول: «لكنني وجدت فيهم مقاومة شديدة لأفكاري وبالخصوص حول كل ما يمس أصالة التيارات الإسلامية ودورها في تثبيت الهوية. وكان من جملة ما قلت إن الهوية الآن باتت تتماهى مع الإسلام». ويقول: «وذكرت لهم أني لم أعد أؤمن بالتجديد وأن فشل عملية التحديث واضح للعيان، وأنه قام على حساب تغييب الإسلام بصفة رهيبة». ويقول في موضع آخر من نفس المقال: «إنما ظهر لي جليًا مرة أخرى أن كل أصناف النخب في العالم العربي بعيدة كل البعد ليس فقط عن التيارات الإسلامية، بل عن الإسلام ذاته». هؤلاء القوم الذين لا يعرفون من أمر دينهم شيئًا صنفان:

الأول: يقر بالحق إن وصل إليه، وهذا جاهل بالحق، ولكنه لا يتجاهله إن عرفه ولا يتلاعب بالحقائق كيما يحولها إلى باطل. أما الصنف الآخر فهم أناس جريئون على الله وعلى رسوله وعلى حقائق الإسلام لا يتورعون عن إلصاق التهم بالإسلام ودعاته، ويصمون آذانهم عن دعوة الحق ثم يولون مستكبرين كأن لم يسمعوها. هذا الصنف لا يرجى منه خير، فهو يعتبر كل من أطلق لحيته متطرفًا وكل فتاة لبست الحجاب متطرفة. فهؤلاء عندما يقومون بنشر أراجيفهم لا يقصدون في الحقيقة إلا ضرب الإسلام ذاته وإيقاف المد الجماهيري لهذا الدين ودعاته من خلال تشويه وجهه الناصع أمام الجماهير، بل ويذهبون أبعد من ذلك حين يقومون بشن حملاتهم المتتالية لتحريض الحكومات ضد دعاة الإسلام وتصويرهم على أنهم الخطر الداهم على أمن العباد والبلاد. ولذلك يجب التخلص منهم بكل وسيلة حتى لا يتفشى خطرهم في المجتمع.

إن هذه الممارسات التي يرتكبها بعض حملة الأقلام من أدعياء الثقافة ضد الشباب المسلم مع ما يتبعها من ممارسات على المستوى الأمني، هي التي تدفع الشباب دفعًا إلى التطرف، وهنا يحسن إيراد هذه الفقرة من رسالة السيد محمد مزالي رئيس وزراء تونس الأسبق إلى الرئيس المخلوع بورقيبة. هذه الفقرة تتحدث عن محاكمة الاتجاه الإسلامي في تونس وهي شهادة من شخص مطلع تبرئ ساحة التيار الإسلامي من كل التهم التي ألصقها به النظام المخلوع، وتؤكد ما يجب أن يكون عليه الأمر من حيث التمييز بين القلة من المتطرفين والمجموع العام للتيار الإسلامي.

يقول مزالي: «إن هؤلاء الرجال والنساء الذين يلوذون بحمى الإسلام لا يدعون إلى الفوضى ولا ينادون بالعنف ولا يمارسون الإجرام، إنهم يتمنون ويرومون التحاور المفتوح مع كل شرائح الأمة لإيجاد أجوبة على أسئلة فكرية وحضارية تحير أذهانهم وهم لم يتجاوزوا القانون، ولم يرتكبوا أية مخالفة أو جنحة، لماذا إذًا تقرر إلغاؤهم من المجتمع بإلصاق نعت كاذب بهم، وتضطهدهم بدون مبرر؟ ويعلم كل الناس من خلال مأساة شهيرة إلى أي هاوية يقود الاضطهاد الأعمى والتعميم السريع، لقد تصرفت أنا كرجل دولة مسؤول وكوطني غيور وكمسلم صادق الإيمان، حينما ميزت بين قلة من المتطرفين والمجموعة الوطنية الكبرى التي تدين بالإسلام الحنيف ويمارس أفرادها «مواطنتهم» بحرية ويتشبثون بجذورهم الروحية المشروعة، محاولًا جهدي إقرار الحوار الصادق مع مختلف الشرائح الفكرية لجعل الدولة دولة الجميع بحق، لا مكان فيها لقمع هذا أو اضطهاد ذاك» الرأي الأردنية 2/3/88.

 

الشذوذ والقاعدة

هل كان ما شاهده الدكتور يوسف إدريس شذوذًا عن القاعدة أم أن ما شاهده هو القاعدة وغيره هو الشذوذ؟ ونقول إن هذا هو الواضح الطبيعي للشباب المسلم حينما تفتح له الأبواب التي يستطيع من خلالها تفجير طاقاته دون ملاحقة أو تضييق. إن الفرد المسلم يعتبر العمل عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل فهي بذلك في عرفه واجبة الإتقان. والشباب المسلم الداعية حريص كل الحرص على تنقية سلوكه من كل شائبة لأنه يعلم أنه إنما ينشر دينه بالشكل الصحيح حينما يظهر للناس النموذج الحضاري للإنسان المسلم، فالإسلام إنما ينتشر بوجود نماذج حية تحمله عقيدة وسلوكًا ومنهج حياة، لذلك كان التركيز الشديد على الأخلاق في ديننا الحنيف. يقول الشيخ محمد الغزالي: «ولو جمعنا أقوال صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام في التحلي بالأخلاق الزاكية لخرجنا بسفر لا يعرف مثله لعظيم من أئمة الإصلاح «خلق المسلم ص 13». لقد انتشر الإسلام في كثير من البلدان بواسطة النموذج الحي الذي أعطاه التجار المسلمون لشعوب تلك البلاد.

أما أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم التي تحض على حسن الأخلاق فهي أكثر من أن تحصى.

يقول عليه الصلاة والسلام: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، إن الله يكره الفاحش البذيء وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة» (رواه أحمد).

وقال أيضًا فيما يرويه البخاري: «خياركم أحاسنكم أخلاقًا». وسئل عليه الصلاة والسلام: «أي المؤمنين أكمل إيمانًا؟» قال: «أحسنهم خلقًا» رواه الطبراني. وقال أيضًا: «رحم الله امرأ سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى...».

بل إن اللين في القول والمعاملة من الأمور التي ركز عليها الإسلام، ولعله ليس ثمة أبلغ من قوله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك».

نعم إنه اللين والرفق.. لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.

من هنا فإنني أدعو كل داعية مسلم، بل كل إنسان مسلم أن يجعل من نفسه نموذجًا إسلاميًا حيًا نابضًا بروح الإسلام وأخلاق الإسلام، حتى يؤدي ذلك رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون بذلك من البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض. وليعلم كل منا أن «حال رجل في ألف رجل خير من وعظ ألف رجل في رجل». كما يقول الفضيل بن عياش رحمه الله. وأيضًا حتى لا نعطي بممارساتنا ذريعة للبعض للنيل من هذا الإسلام العظيم.

إنها سنة حسنة تلك التي بادر بها الدكتور هشام جعيط والدكتور يوسف إدريس في إظهار الوجه الناصع لشباب التيار الإسلامي بدلًا من وضع العيوب تحت المجهر. اللهم اشرح صدور كتابنا كي يفقهوا حقائق دينك ليكونوا جنودًا مخلصين لحمل مشعل الحق والنور إلى العالم أجمع.

وأخيرًا نكرر مع الدكتور يوسف إدريس الدعاء الذي اختتم به خاطرته: «رب ارزقنا بكثير من أمثال هؤلاء الشباب المسلمين في وقار العاملين، في جدية العارفين ربهم عن ذكاء ووعي وحب وإيمان عميق» اللهم آمين.

ياسر إبراهيم

 

الرابط المختصر :