العنوان وثائق خطيرة.. السياسة الخارجيّة لأثيُوبيا واَلمسألة الأرتيريّة
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1977
مشاهدات 54
نشر في العدد 348
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 03-مايو-1977
نقدم هذه الوثيقة السرية الخطرة التي وقعت بين أيدينا والتي أقرها المجلس العسكري الحاكم في أديس أبابا «الدرق» بتاريخ ٧ يونيو «حزيران» ١٩٧٥م، «۲۹ قنبوت ١٩٦٧ بالتقويم الأثيوبي» ونهدف أن نضعكم على تماس مع السياسة العملية التي يتبناها النظام الحاكم في أثيوبيا حول القضية الأرتيرية، وإلی کشف ما يدور في تفكير العسكريين من خلال وثائقهم، وكشف حقيقة الدبلوماسية الأثيوبية في إدعاءاتها الزائفة بحل القضية الأرتيرية.
إن طرح مسألة الحل السلمي بالنسبة للنظام كانت تخفي محاولاته الرامية إلى عزل الثورة الأرتيرية سياسيّا على المستوى الدولي وتصفيتها داخليّا.. كما أن التحرك الدبلوماسي الأثيوبي كما توضحه هذه الوثيقة السرية استهدف ويستهدف عزل القضية الأرتيرية سياسيّا على المستوى الدولي تمهيدا لطمس المعالم المميزة للشعب الأرتيري تفاديا لما قد يواجهه إذا ما أثيرت القضية من نواحيها القانونية والدستورية في المؤتمرات العالمية مثل منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة والجامعة العربية.
إن الدارس المتأني لهذه الوثيقة سيكشف عقلية النظام الأثيوبي الشوفينية المراوغة بشكل مذهل ونحن نفضل أن نتركك مع الوثيقة.
تتصدر الوثيقة الأهداف العامة للنظام الأثيوبي تجاه القضية الأرتيرية.. «إن موقف أثيوبيا تجاه المسألة الأرتيرية ينطلق من اعتبارها قضية داخلية وهذا يعني بدوره أن أي حل لهذه المسألة لا يمكن أن يتم إلا في إطار وحدة جميع شعوب أثيوبيا» ولترجمة هذا الموقف تقول الوثيقة ترتكز الدبلوماسية الأثيوبية على مبدأ عزل القضية الأرتيرية عن الرأي العام العالمي وحث مختلف دول العالم على تأييد وجهة النظر الأثيوبية تجاه المسألة الأرتيرية، وتجنب عرض هذه القضية أمام الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية الأخرى.
ثم تتطرق الوثيقة إلى تجربة الاتحاد الفيدرالي وأسباب فشلها، مما سيؤدي إلى تدويل القضية الأرتيرية، لذا فإن هذه القضية في إطار المسألة الداخلية لأثيوبيا تحدد الأهداف في النقاط التالية:
۱– إجراء دراسة دقيقة لكل العوامل التي يمكن أن تدفع بالقضية الأرتيرية أمام الأمم المتحدة.
٢- وبما أن العمل على إعاقة أي محاولة لعرض القضية أمام الأمم المتحدة يتطلب المساندة السياسية من الدول الصديقة الأعضاء في المنظمة الدولية فإنه يجب علينا دراسة مصادر هذه المساندة بإمعان.
۳- وضع ميزان دقيق ودراسة عميقة لكل المسائل سواء كانت داخلية أو خارجية والتي بإمكانهاأن تتسبب في عرقلة دعم ومساندة هذه الدول لسياستنا وتقديم الحقائق التي تساعد في استمرار هذه المساندة لوجهة النظر الأثيوبية..
بالنسبة للخرق القانوني الصارخ الذي ارتكبته أثيوبيا بإلغاء الاتحاد الفيدرالي الذي قام بموجب القرار الفيدرالي رقم «٣٩٠- أ- ٥» الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في عام ۱۹٥٠م، تقدم الوثيقة هذه الحجة الطريفة «أن ما تم بين أرتيريا وأثيوبيا من اتحاد فيدرالي كان نتيجة للإرادة الحرة للشعب الأرتيري، واستنادا إلى المبدأ القائل بأن الأمم المتحدة لا تستطيع أن تقرر مصير أي شعب في معزل عن إرادته الحرة وبما أن الشعب الأرتيري يدرك أن ميثاق الأمم المتحدة ينص على أن تقوم المنظمة الدولية بمساعدة الشعوب المستعمرة على تقرير مصيرها وفق إرادتها الحرة، فإن المنظمة الدولية لا تستطيع أن تصدر قرارا تقید به أي شعب نال حريته من الاستعمار، وتمنعه من أن يجري أي تغيير يشاء في مستقبله السياسي وفق إرادته الحرة، وإذا تبنت الأمم المتحدة قرارا بهذا فإنها بذلك تناقض روح ميثاقها» ولهذا تقول الوثيقة «إن الاتحاد الفيدرالي قد قام نتيجة لإرادة الشعب الأرتيري، وبحكم أن الشعب الأرتيري هو الطرف الذي أنشأ الاتحاد الفيدرالي محض إرادته وباعتبار أن أي شعب يمتلك حقّا مشروعا في تغيير مستقبله السياسي متى ما شاء، فإن الشعب الأرتيري عندما اتخذ قرار حل الاتحاد الفيدرالي فإنه كان يمارس هذا الحق،إن قرار إلغاء النظام الفيدرالي كان قرارا جماعيّا للشعب الأرتيري من خلال موافقة برلمانه المنتخب، وقد قبلت الحكومة الأثيوبية هذا القرار لأنها تؤمن بالحق المبدئي للشعب الأرتيري في التغيير الفيدرالي الذي كان قد قبله في الماضي بمحض إرادته.
وتورد الوثيقة التساؤلات الممكن ورودها حول تفسيرها القانوني أعلاه حول إلغاء الفيدرالي.. «إذا قلنا بحق الشعب الأرتيري في تغيير مستقبله السياسي متى أراد، لماذا لم يمنح هذا الشعب فرصة الاستفتاء لتغيير وتحديد مصيره السياسي؟،إن قرار الإلغاء جاء بقرار من البرلمان الأرتيري الذي كان يفترض فيه احترام الدستور الأرتيري الذي كان قائماآنذاك، وكما هو متبع في عديد من الدول أثناء مناقشة مسائل سياسية كبيرة وغير موجودة أو واضحة في الدستور يتم تشكيل لجنة دستورية لإعداد مسودة قرار بالسياسة الجديدة، وبعد ذلك يعرض الموضوع على الجماهير للاستفتاء، إن قيام البرلمان الذي كان منتخبا للعمل في ظل وجود شكل سياسي معين باختراق الصلاحيات الممنوحة لـه وإقراره نظاما سياسيّا جديدا بدلا من الذي كان قائما، هو أمر غير شرعي».
وهنا تعترف الوثيقة بعد إيراد التساؤلات أعلاه، أن الحجة القانونية للإلغاء الفيدرالي توجد فيها ثغرة تفتح مجالات واسعة لتفسيرات قانونية عديدة، وهذه التفسيرات تخلق متاعب أمام السياسة العامة للدولة الأثيوبية، «ولذا فإن من المستحسن أن تبني أثيوبيا سياستها تجاه المسألة الأرتيرية في الإطار السياسي فقط، أي أن محاولة لوضع الموقف السياسي الأثيوبي استنادا إلى القانون قد تثير نزاعا في المسألة ويدفعها إلى مجالات دولية ويؤدي هذا بدوره إلى بروز نقاط قانونية عديدة تناهض الموقف الأثيوبي».
وللخروج من هذا المأزق تطرح الوثيقة، «أن الادعاء الأثيوبي القائل: إن المسألة الأرتيرية من صميم القضايا الداخلية لأثيوبيا يكون مقبولا متى ما كان ذلك قائما على طرح سياسي بعيد عن المجالات القانونية».
ثم تتطرق الوثيقة إلى الطرح السياسي الذي تتبناه أثيوبيا تجاه القضية الأرتيرية.. «إن طرح المسالة الأرتيرية من وجهة النظر السياسية ذو فائدة كبيرة، وهذا يعني العمل على عدم إدراج المسألة الأرتيرية في إطار قانوني؛ لأن ذلك يتسبب في إضعاف الموقف الأثيوبي وللحيلولة دون دفع القضية الأرتيرية إلى آفاق ومجالات عالمية وعلينا أن نعمل بلا كلل لفرض حصار إعلامي على القضية وعزلها عن كل المجالات والمؤتمرات العالمية التي بإمكانها أن تتسبب في إضفاء صيغة شرعية وقانونية على المسألة الأرتيرية» وتعترف الوثيقة «بأن أثيوبيا تعهدت أمام الرأي العام الأثيوبي والدولي باحترام الاتحاد الفيدرالي، ومن جهة أخرى فإن السلطات التي منحت للبرلمان الأرتيري كانت تنص على احترام الاتحاد الفيدرالي وعلى عدم اتخاذ أي قرار يستهدف حله،أن نظرة عابرة على الدستور الأرتيري تمنع البرلمان الأرتيري من القيام بأي تغيير في الوضع الفيدرالي القائم، كما أن الأمم المتحدة لها حق التدخل للحفاظ على الاتحاد الفيدرالي، استناداإلى أن القرار الفيدرالي قد تم بموجب قرار من المنظمة الدولية» ولتواجه أثيوبيا كل هذا عليها.. «الإصرار علىاعتبار المسألة الأرتيرية قضية داخلية فقط!!
لم تتعرض الوثيقة للمنطلقات المختلفة لعرض السياسة الأثيوبية للعالم.
آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية:
نتناول القضية الأرتيرية أمام دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كمسألة تبدأ جذورها منذ عهود الاستعمار أي إنکار تاريخ أرتيريا ما قبل الاستعمار الإيطالي.. كما تطالب الوثيقة بالعمل على نشر أفكار معادية للعرب في هذه الدول.. ومن المهم جدّا أن نشرح لبعض الدول الآسيوية والإفريقية أن المساعدات المادية والعسكرية التي تقدم من الدول العربية هي السبب وراء بروز المسألة الأرتيرية إلى المستوى الذي هو عليه الآن،إن المساعدات العربية كانت في البداية تستهدف إيجاد ضغط قوي على أثيوبيا لكي تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وفي العشرة أعوام الأولى من تاريخ الحركة الانفصالية كانت هذه المساعدات تقدم لها بشكل سري، إلا أن الأمر تغير منذ ثلاثة أعوام مضت، وعلى الرغم من أن أثيوبيا قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، إلا أن السياسة العربية المستمرة في دعم القضية الأرتيرية تهدف إلى تحقيق إستراتيجية عربية في السيطرة وبسط النفوذ العربي على البحر الأحمر من خلال تحويله إلى بحيرة عربية، وبما أن أثيوبيا هي الدولة غير العربية الوحيدة المطلة على البحر الأحمر، فإنه يجب أن نوضح أن المخططات العربية تسعى إلى فصل أرتيريا عن أثيوبيا وتحويلها إلى دولة عربية مستقلة.
أوروبا:
المنطلقات التي تقدم إلى الدول الأوروبية- حسب الوثيقة- هي بما أن هذه الدول مطلعة على الوضع القانوني للقضية الأرتيرية ، وأن إلغاء النظام الفيدرالي قوبل بعدم ارتياح لدى هذه الدول، ولمنع هذه الدول من الاتجاه نحو البحث عن حل للمسألة الأرتيرية يجب على الحكومة الأثيوبية عرض هذه القضية بشكل خاص ومختلف، مثلا القول بعدم قدرة الاقتصاد الأرتيري في تحقيق الاكتفاء الذاتي للاقتصاد الأرتيري . وأن الشعب الأرتيري يتكون من مجموعة قبائل ذات ثقافات مختلفة وأن استقلال أرتيريا يخلق تناقضات دينية.
الدول الاشتراكية:
أما المنطلقات السياسية التي يقدمها النظام الأثيوبي للدول الاشتراكية في عرضه للقضية الأرتيرية كما ورد في الوثيقة.. «أن دول شرق أوروبا وبقية الدول الاشتراكية تنظر للمسألة الأرتيرية وفق الفلسفة الماركسية التي ترى ضرورة منح حرية كاملة لأي مجموعة قومية لكي تعبر عن ثقافتها ولغتها».. ولذا فإن التوضيح الذي يقدم للدول الاشتراكية يرتكز على وجود أكثر من مجموعة قومية وثقافات مختلفة داخل أرتيريا ،إن هذا يعني أن مسألة أرتيريا ليست مسألة قومية.. ولذا هنا يجب عرض الاستعمار الأثيوبي على أساس أنه شرعي!!
الدول العربية:
المنطلقات التي تعرض للدول العربية.. كما هو معروف فإن العالم العربي يقدم كل من جهته وبدرجات مختلفة الدعم والمساعدة «للحركة الانفصالية» والوثيقة هنا تقول علينا أن نوضح للدول العربية، «أن أي توسيع في الأزمة الأرتيرية يمكن أن يتسبب في خلق تباعد بين العالم العربي من جهة والعالم الأفريقي من جهة أخرى» وعلينا أن نستغل الموضوع من خلال تعزيزنا لعلاقاتنا القائمة بالدول الأفريقية ودفعها إلى تكوين جبهة معادية للعرب، كما لا بد أن نشير إلى هذه النقطة بصورة علنية، كما علينا أن نوضح أن دعم العرب للشعب الأرتيري يمنع حدوث أي تفاهم بين أثيوبيا وبين العرب.
وتتطرف الوثيقة السرية إلى الوضع اللاإنساني الذي نشأ من جراء الحرب العدوانية الأثيوبية المستمرة في أرتيريا وأدى إلى إدانات مستمرة للنظام الأثيوبي من المنظمات الإنسانية ومنظمة الصليب الأحمر الدولية، لمنع أثيوبيا وصول المساعدات إلى الأرتيريين الذين يعانون من الجوع: ولإخفاء هذا الواقع عن الرأي العام العالمي والمنظمات الإنسانية يجب «أن نعمل وبصورة عملية على إبراز الجانب الإنساني في السياسة الأثيوبية، ولتحقيق ذلك عمليّا لا بد أن تقوم المنظمات الإنسانية الأثيوبية بتبادل المساعدات مع مثيلاتها من المنظمات الإنسانية العالمية، ويعلن عن مثل هذه الأعمال بصورة موسعة»، وبعد ذلك إلى أين تذهب هذه المساعدات؟ هل تصل إلى المكان الصحيح أم لا؟، ما يهمهم هو ذر الرماد في العيون!! والقيام بتدليل دعائي واسع لإخفاء استمرارهم في العدوان على الشعب الأرتيري .
وفي الأخير.. تضع الوثيقة خطة للإجابة على أسئلة أفريقيا المحرجة حول ما يجري في أرتيريا!! «أثناء الزيارات التي تقوم بها وفود من وزارة الخارجية الأثيوبية للدول الأفريقية يتقدم رؤساء هذه الدول بالسؤال عما إذا كان هناك أي مساعدة تقدمها منظمة الوحدة الأفريقية» وإزاء هذا الاهتمام الناشئ بالقضية الأرتيرية تتساءل الوثيقة، هل من المفيد لنا طرح المسألة الأرتيرية في منظمة الوحدة الأفريقية؟ وما هو الشكل الذي تحبذه لإثارة المسالة؟.. وماذا نعمل حتى نمنع تدويل القضية الأرتيرية ؟.. وهنا تطرح الوثيقة حلا طريفا للخروج من هذا المأزق السياسي وهو «منع إدراج القضية الأرتيرية في الأجندة الرسمية لاجتماعات المنظمة الأفريقية، لأن إدراجها يعني أن أثيوبيا لم تعد تعتبر القضية الأرتيرية مسألة داخلية» وعلى الكواليس خارج الاجتماعات الرسمية في اللقاءات مع رؤساء الدول الأفريقية العمل على إقناع الرؤساء للتعبير عن أمنياتهم في حل المسالة الأرتيرية بطريقة سلمية بصورة تضمن أثيوبيا؛ دون إدراج المسالة في أجندة منظمة الوحدة الأفريقية.
ترجمة الوثيقة من اللغة الأمهرية
ع / ط: مكتب العلاقات الخارجية لجبهة التحرير الأرتيرية .