; ملف تونس .. القضية الإسلامية في تونس (الحلقة الأولى) .. الخلفية التاريخية لتونس المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان ملف تونس .. القضية الإسلامية في تونس (الحلقة الأولى) .. الخلفية التاريخية لتونس المعاصرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

مشاهدات 80

نشر في العدد 504

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

سئل بورقيبة عن أهم منجزاته فقال: أهم إنجاز في حياتي هو إلغائي لبعض الأحكام التي وردت في القرآن.

* عدم الصيام في رمضان أمر عسكري من رئيس الوزراء التونسي وعلى الصائم أن يفطر في النهار أمام الباهي الأدغم!

القضية الإسلامية في تونس

المقدمة:

الحرب على الإسلام تتخذ أشكالًا متعددة، بعضها ظاهر وبعضها مستتر، بعضها سطحي يعكس النفسيات القابعة خلف المخطط، وبعضها عميق يعكس المثابرة والدأب الكامن وراءه، في معظم الأقطار في العالم الإسلامي هناك حرب على الإسلام، كل قطر من تلك الأقطار يستعمل أعداء الإسلام فيه الأشكال والوسائل المؤثرة والمناسبة لمحاربة الإسلام. الشيء الذي يميز نظام بورقيبة في حربه على الإسلام هو أنه يستعمل كل الوسائل في كل الأوقات دفعة واحدة. سئل بورقيبة يومًا عن أهم المنجزات «وكانت مناسبة السؤال عيد ميلاده» فقال: أهم إنجاز في حياتي هو إلغائي لبعض الأحكام التي وردت في القرآن.

بورقيبة الحاكم الوحيد في العالم الإسلامي الذي أوفد رئيس وزرائه «1974» الباهي الأدغم خلال رمضان إلى ثكنات الجيش التونسي ومعه شاحنة مليئة بالحلوى والسجائر ليشرف شخصيًا على أن يدع الجنود الصيام صيامهم واحدًا إثر آخر. فمن يحتج منهم بعدم التدخين يُعطَى قطعة حلوى يقضمها في حضور رئيس الوزراء. هذا شكل استفزازي متوتر في الحرب على الإسلام. شكل يعكس سطحية وكره النظام للإسلام ولشعائره يشرف على تنفيذه بورقيبة وزبانيته. في نفس الوقت يتبنى النظام التونسي شكلًا آخر من الحرب على الإسلام ألا وهو عرقلة برنامج التعريب وتكريس السيطرة الفرنسية الثقافية على الجامعات والمدارس هناك بشتى المراحل الدراسية. بعض الرسميين في تونس وأحيانًا كثيرة بورقيبة نفسه لا يخطب بالعربية بل بالفرنسية. هذا وبالرغم من كل المؤامرات الصليبية والماسونية واليهودية على الإسلام في تونس لا تزال انعطافة الجماهير في تونس تجاه الإسلام والتي يسميها الرسميون الحكوميون هناك بـ«الظاهرة الخوانجية»، لا تزال الشغل الشاغل للسلطة البورقيبية المترهلة ومحور الاهتمامات الرسمية والشعبية رغم القمع الشديد الذي يتعرض له أصحابها، أصحاب الاتجاه الإسلامي هناك، و«المجتمع» إذ يسعدها أن تفتح ملفًا لتونس في مسعاها لفضح أعداء الإسلام والذي منهم بورقيبة وحزبه العميل للغرب الأوروبي، تتناول في هذه الحلقة الأولى من الملف: الخلفية التاريخية لتونس المعاصرة.

* دام العهد الروماني في تونس لمدة 587 أي «من سنة 146 قبل الميلاد إلى سنة 439 بعد الميلاد»، ولقد كان استعمارًا صريحًا تغلبت فيه روما على قرطاجنة فغزت أرضها واعتبرتها ولاية يحكمها حاكم روماني مباشر، ولم تر في تونس إلا «مطمورًا» يزود روما بالقموح الجيدة وأنواع الفواكه والغلال، ولم تعترف للأهالي بأي حق فوق أراضيهم بل إنها عمدت إلى انتزاع الأراضي -بمن عليها- لتسخيرهم لخدمتها. وقد اهتم الرومان ببناء المسارح والملاعب والمباني الشاهقة، لكن كل ذلك لفائدتهم وحدهم ولجلب الرومان من بلادهم ليستوطنوا البلد ويجدوا فيه ما يغريهم بالبعد عن روما. وانعكست كل انقسامات روما السياسية على تونس مما دعا آخر حاكم روماني إلى الاستنجاد بالفندال -القوة الضاربة الصاعدة- لقمع الثورات الوطنية وبعض الفتن التي أجج نارها بعض زعماء الجالية الرومانية وكانت النتيجة أن انتصب الفندال بتونس من سنة 439 إلى سنة 534 فعاش الشعب التونسي خمسًا وتسعين سنة يقاسي الأهوال والفظائع ويتجرع الظلم والاضطهاد على يد قوات الفندال، بعد هذا العهد يأتي العهد الإسلامي وقد اتفق المؤرخون العرب على وصف هذا العهد الذي عقب انتصاب الدين الإسلامي بتونس بأنه عصر الولاة، ولا شك أن وصول الدين الإسلامي إلى تونس في ذلك العهد كان نعمة كبيرة لكن مؤسسة الحكم كانت مؤسسة تبعية أكثر منها مؤسسة تخدم صالح عموم المسلمين في تونس واستمرت هذه التبعية من سنة 647 إلى سنة 800 ميلادية كان عهد التبعية للدولة الأموية المنتصبة بدمشق ثم الدولة العباسية المنتصبة ببغداد، يأتي بعد ذلك عهد الأغالبة الذي بدأ سنة 800 وانتهى سنة 909 ولقد كان عهدًا انفصلت فيه التبعية المباشرة للدولة العباسية ولكن الدولة أصبحت بأيدي وال عينه الخليفة هارون الرشيد أقطعه ولاية أفريقيا وجعل الولاية وراثية في أبنائه وهو إبراهيم بن الأغلب التميمي مقابل هدية مالية قدرها 400 ألف دينار «تؤخذ طبعًا من أرزاق الناس» تضاف إلى التنازل عن مائة ألف دينار سنويًا كانت تؤديها مصر لتونس ومع المحافظة على اسم الخليفة العباسي في دعاء الصلاة في الجمع.

في سنة 909 إلى سنة 973 ارتفع في سماء تونس علم جديد وهو علم الدولة الشيعية العبيدية والذي هيأ لزحف المعز لدين الله الفاطمي على مصر وتأسيس الدولة الفاطمية، وبدأ العهد الصنهاجي في تونس من سنة 973 إلى سنة 1160 لكنه لم يجرؤ على قطع التبعية للدولة الفاطمية ثم الدولة العباسية الثانية ببغداد.

ولما أراد الصنهاجيون الانفصال عن الفاطميين بعثوا لهم بأجلاف الصعيد وأعراب البادية جحافل تزرع الخراب والدمار حيث حطت تملأ البلاد رعبًا وبلاء عقابًا، وفي نهاية المطاف انتصبت الفوضى في كامل البلاد التونسية واستعمل كل زعيم قبيلة قوية بمنطقته منصبًا نفسه أميرًا ينافس الأمير المجاور له. وبينما كانت الدولة الصنهاجية مقسمة شيعًا وطوائف، جاء النرمان الزاحفون من الدانمارك والنرويج في مد عنيف من الغزو والبطش. لكن الثورات الشعبية المتعاقبة لم تسمح للنرمان بتركيز أقدامهم على أرض تونس فارتحلوا عنها بعد 12 سنة. ولجأ آخر أمير صنهاجي إلى الاستنجاد بالمغاربة لإنقاذ عرشه الهزيل المتداعي الأركان فجاء عبد المؤمن بن علي بن علي من المغرب غازيًا لمناصرة الأمير المستنجد به، لكنه لما دخل البلاد استطاب له ضمها إلى مملكته وجعلها ولاية تابعة له. بعد ذلك يأتي العهد الحفصي وينبغي القول إن العائلة الحفصية واردة من أقصى المغرب من أرض قبائل المصاميد البربرية، ولقد دامت الدولة الحفصية في تونس 346 سنة وعندما غزت الدولة العثمانية تونس بادر الأمير الحفصي بالارتماء في أحضان شارل الخامس ملك إسبانيا المسيحي المتعصب الذي رفع صليبًا كبيرًا فوق أرض تونس فور دخوله لها. ولم يكتف شارل الخامس بذلك بل «عرض» على الأمير الحسن بن أبي عبد الله الحفصي «معاهدة حماية» يقاسمه من خلالها الحكم فتنازل الأمير الحفصي عن مناطق: حلق الواد وبنزرة وعنابة وقد كان ذلك سنة 1573. وفي السنة التي تلت استطاعت الدولة العثمانية دحر الإسبان عن تونس، لينقسم العهد العثماني إلى قسمين: القسم الأول يمتد في تونس من سنة 1574 إلى سنة 1612 ويتسم بتبعية تونس الكاملة للدولة العثمانية إذ كان الباب العالي هو الذي يعين -الباشا- الحاكم مباشرة ولا يكون باشا إلا من كان من أصل تركي.

أما القسم الثاني للعهد العثماني في تونس فاستمر ما بين 1612- 1705 بتبعية مخففة للدولة العثمانية وكانت عائلة المراديين هي العائلة الحاكمة وآخر باشا منهم هو مراد الثالث. وجاء بعد ذلك العهد الحسيني الذي تواصل من سنة 1705 إلى سنة 1881 متأرجحًا بين التبعية المطلقة والتبعية المخففة للباب العالي في تركيا ومن سنة 1881 إلى سنة 1955 عاش خاضعًا مستكينًا للاستعمار الفرنسي مقابل البقاء على «الكرسي» وهكذا نجد أن تونس من العهد الروماني إلى عهد الاستعمار الفرنسي الذي انتهى 1955 لم يتسن لها حكم نفسها بنفسها أو على الأقل لم يتسن لها حكم يحقق مصالح العباد في المعاش والمعاد وأن «الأجانب» بشتى المبررات جاؤوا من الشرق والغرب لاستنزاف الأراضي والخيرات التي كانت تزخر بها البلاد. على ضوء ما ذكر سابقًا ينبغي أن نفهم عطش الشعب التونسي لكي يحكم نفسه بنفسه ولقد استطاع بورقيبة أن يجير كل هذه الأحاسيس الشعبية لصالحه مؤكدًا في كل مناسبة أن تونس للتونسيين ضاربًا على الحس التاريخي الذي تحركه هذه الشعارات.

الرابط المختصر :