العنوان الملتقى التربوي- (491)
الكاتب جاسم المسلم
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1980
مشاهدات 90
نشر في العدد 491
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-يوليو-1980
قيمة الوقت
إن تصحيح المفاهيم والالتزام الدقيق بأبعادها وحدودها الموضوعية يأتي في مقدمة الشروط المؤدية إلى قيام مجتمع سليم، يكاد يكون ضرورة حياتية لذلك المجتمع النامي.
ومن الأمور التي يجب على المسلم اعتبارها وفهمها هو أن كل مفقود عسى أن تسترجعه إلا الوقت، فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته أمل، ولذلك كان الوقت أنفس ما يملكه الإنسان، والمرء بين ثلاث لحظات: إما لحظة ماضية ذهبت ومضت بعملها، ولحظة هو فيها يعمل بها، ولحظة قادمة، فليتق الله فيها، وينوِ أن يخلص بها لله.
وعندما يلقي أحدنا نظرة إلى الوراء في أيام مضت ليحصي ما مر به من أعوام وأيام، لن يطول به التأمل؛ لأنه سوف يرى بناية غامضة، وكأن الماضي يوم واحد مائع الطول والعرض، متلاحق الأحداث، متسلسل الذكريات، فلنقف مع قول الله -تبارك وتعالى- في محكم تنزيله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ (يونس: 45)، وقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا﴾ (طه: 103-104)، وبهذه الآيات تتبين حقيقة قول الذين توهموا الخلود في الأرض، وربطوا مصيرهم بترابها، وحقيقة من مرت به الأصباح والأمسيات، وفاتت عليه الشهور والدهور وهو في غفلة عن يومه وغده، حتى إذا أطبقت أجفانه على عينيه، ودخل ظلام الموت تيقظ بعنف وقوة، ولكن هيهات هيهات، لقد فات الأوان.
أخي الداعية، اعلم أن المسلم يحترم الوقت احترامًا شديدًا؛ لأن الوقت هو عمره، فلا يسمح بضياعه، ولا يفرط في ساعة من ساعاته؛ لأن ضياع الوقت شأن الحمقى وأهل الطيش، فلا يفوتك التفكر بآيات الله، والتأمل في سير الحياة، فالليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل مع حركات الأفلاك الدائرة السائرة، واعلم أن رب العرش -جل جلاله- لم يخلق هذا عبثًا، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (الفرقان: 60-61)، وكفى بالناس قبحًا أن يظنوا أن محياهم في هذا الوجود الرتيب عبثًا وسدى، إنما هو الميدان الذي أعد للسباق الطويل، الذي لا يتقدم فيه إلا من يعرف ربه، ويذكر حقه، ويشكر نعمه.
أخي، إن إستغلال الوقت لما هو أصلح للدعوة من صفات وأخلاق الداعية، حيث إن عمله المستمر في سبيل الله، ووضع رضى الله نصب عينيه من أهم أسباب المحافظة على ما دعا إليه الإسلام من إستغلال الوقت بأفضل الأعمال وإن قلت، وكراهيته للكثير المنقطع، ومصداق ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا وإن أحب الاعمال إلى الله مادام وإن قل»([1])(رواه مسلم)، والفراغ نعمة عظيمة لا تعوض إن فاتت، والكثير من الدعاة لا يملكها؛ لأن واجباته تكون عادة أكثر من الأوقات، وليس باستطاعته الحصول عليها، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ»([2])، ولا يتأتى كل من الفراغ والصحة إلا في شباب الإنسان، وهو حين يصل الفرد إلى قمة إمكانية عطائه من نفسه، وليس هذا شيئًا اختياريًّا، ولكنه سنة الله في خلقه، والإنسان محاسب على كل لحظة مر فيها ولم يستغلها في طاعة الله، والبحث عما يرضي الله، وبهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدمًا عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه»([3]).
ومن أقوال الحسن البصري رحمه الله: «ما من يوم ينشق فجره إلا نادى منادٍ من قبل الحق: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد؛ فتزود مني بعمل صالح، فإني لا أعود إلى يوم القيام »([4]).
أخي الداعية، إن ملء الأوقات بالواجبات، والانتقال من عمل إلى آخر هو الذي يحمينا من علل التبطل وأوقات الفراغ، وشغل الوقت كله بالجهاد والدعوة في سبيل الله أمر معروف في سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فما استراح أبدًا وهناك باطل في أي فج من فجاج الجزيرة، ثم كانوا على نهجه من بعده الخلفاء الراشدون، وأنت أخي ما دمت تجاهد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، فالأجدر بك اتباع هذا الهدي في استغلال الوقت بما يرضي الله، فما فرغ المسلمون واستسلموا للدعة إلا وشاعت بينهم الفتن، وقامت بينهم الحروب، حيث إن الزمن لا يقف محايدًا، فهو إما صديق إن استغل في طاعة، أو عدو لدود إذا استغل لغير ذلك، وإن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وجاء في سير أحد السلف وهو الإمام الشيخ أبو الوفا ابن عقيل أنه قال: «إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة»([5])، كما أنه كان دائم الاشتغال بالعلم، وله الخاطر العاطر والبحث في الغوامض والدقائق، وقد أثمر استغلاله للوقت -رحمه الله- نحو العشرين مؤلفًا، وبعضها في عشر مجلدات.
كل هذا لتعرف قيمة الوقت، فإنه أرخص ما يكون عند الجهال، وأغلى ما يكون عند العقلاء والعلماء، فهو قوام علمهم وعماد حياتهم، لذا يجب على الإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر حياته ووقته، فلا يضيع منه لحظة واحدة في غير قربة إلى الله، ويقدم الأفضل ثم الأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور مما لا يعجز عنه البدن من العمل.
وفي هذا قال ابن الجوزي رحمه الله([6]): «لقد شاهدت خلقًا كثيرًا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر نهاره ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر، ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والبناء إلى غير ذلك، فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات الخير والعافية إلا من همه وفقهه اغتنام ذلك»، ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت:35).
نسأل الله -عز وجل- أن يعرفنا شرف أوقات العمر كما عرفها لهم، وأن يوفقنا لاغتنامها كما وفقهم.
وحقيقة الوقت عرفها الإمام حسن البنا فعاش حياة الداعية الذي استغل كل دقيقة في حياته في سبيل الله ورفع رايه الإسلام، وهذا ما دفعه لينطق بهذه الكلمات ناصحًا للشباب فقال: «وقتك أغلى من أن تضيعه في غير ثمرة تستفيدها، أو خير تفعله؛ فالوقت هو الحياة، فاحرص على أوقاتك، ولا تصرفها إلا في الجد، وروح نفسك بالحلال من المروحات، وإن في السماء لمروحًا، وفي الأرض لجمالًا، وإن في الحدائق لنظرة، وإن في البحر لعظمة، وإن في نفسك لآية، وإن في الهواء لغذاء، فخذ من ذلك كله راحة لك، واستجمامًا لخاطرك، ولا تكثر من اللهو والغفلة؛ فإنها حجاب عن الخير، ومدعاة إلى السوء».
أخي الداعية، إن رأس مالنا هو الوقت، فاحرص عليه، وإن اللغو يحبط العمل، وكثرة الضحك تميت القلب، ورأس الأمر الخشوع، ودقائق الليل غالية فلا ترخصها ولا تتهاون فيها، واعلم أن الإمام حسن البنا كان من الدعاة الذي لم يعرفوا الراحة في دعوة الحق، كان لا ينام إلا بضع ساعات، وينفق وقته كله ساعة ساعة، ولحظة لحظة في العمل المتصل، حيث كان عقله مثالًا رائعًا للإعداد والإبتكار والإنشاء، لا يقف ولا ينقطع عن العطاء للدعوة، فهو إذا أصبح الصباح تراه يعد قائمة بالإخوان الذين يهمه الاتصال بهم، ويحضر الندوات واللقاءات حيث اللقاء تلو اللقاء، ينتقل بين المركز والديوان والمسجد والبيت، وفي كل مرحلة يؤدي عملًا، والأهل والضيوف يلاحقونه، وهو يتحدث إلى الناس، ويستمع إليهم، ويقرأ في الصحف، وتعرض عليه عشرات الأوراق التي تطلب رأيه، وكان هذا العمل المجهد يزيده قوة لقيام بعض من الثلث الأخير من الليل، وبالطبع كان أتباعه من الإخوان يزدادون عزمًا وحرصًا على وقتهم وحفاظًا عليه.
- تعال نؤمن ساعة
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الحبيب، لن ينفك الداعية المؤمن بين جذبين: جذب إيمانه، ونيته، وهمته، ووعيه، وشعوره بمسؤوليته، فهو من ذلك في عمل صالح، أو عزمة خير، وجذب الشيطان من جهة أخرى، وتزيينه الفتور، وحب الدنيا، فهو من ذلك في غفلة، وكسل، وطول أمل، وتراخٍ عن تعلم ما يجهل.
وهذا التردد بين جذبين أزلي قديم لا ينقطع، وبسببه أوجب المؤمنون على أنفسهم جلسات تفكر وتأمل وتناصح، يتفقدون فيها النفس أن يطرأ عليها كبر أو بطر، والقلب أن يعتوره ميل، والعلم والإيمان أن يتلبسا بإفراط يزيد بدعة، أو تفريط يهمل أمرًا وإرشادًا.
وقد ترجم معاذ بن جبل رضي الله عنه هذا الإحساس بكلمة غدت مادة في دستور أجيال المؤمنين، فقال لصاحبه وهو يذكره: «اجلس بنا نؤمن ساعة»([7])، فأخذها ابن رواحة فقال لأبي الدرداء رضي الله عنهما، وهو آخذ بيده: «تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا»([8]).
ونحن اليوم نأخذها عنهما، ونحن نعايش هذا المجتمع بما فيه من تناقضات وتسلط البعض على البعض الآخر، نعيش بهم وحزن، ويعيشه البعض بتوقع واستعداد وثقة بالله، وإن طريق الدعوة ماض كما رسم الله ونبيه رسوله، وهو طريق الدعاة، وإن مشيئته –سبحانه- وقدره فوق كل شيء....
- «وصايا من داعية»
إن من الأمور التي يجب علينا مراعاتها - أيها الأخوة - في هذه الظروف العصبية التي تمر بها دعوتنا وأمتنا هي أن نتحسس بالمسؤلية الكبرى الملقاه على عواتقنا، فنحن قد انتدينا لمهمة شاقة هي عين مهمات الرسل والأنبياء، لذا يتعين علينا -والتبعة ثقيلة- ألا نفرط بالأمانة، ثم نظن أننا أحسنا صنعًا.
وأن نعي ظواهر عصرنا، وأن نعيش زماننا، فرحم الله امرءًا عرف زمانه، واستقامت طريقته، ونترجم ذلك بإيجاد مرتكزات حركية تشكل منطلقًا لوثبة إسلامية جديدة رائدة... وأن تربط بين ما يدور حولنا، وأن نعي الصورة التي تتحرك فيها الأحداث، وأن لا نعيش في الهوامش والجزئيات، وأن نحسن تربية وتكوين من يكونون معنا، وأن نتبسط معهم، ونحنو عليهم، ونعلمهم بالقدوة، وأن نسهر على مراقبة تطورهم ونموهم، وأن نكون لهم مرآة.
أيها الدعاة، أنتم مربون ومصلحون وقادة، وأنتم أصحاب شهادة، وأنتم معقد الأمل ومحط الرجاء، فسددوا وقاربوا، فلأن يهدي الله بكل منكم رجلًا واحدًا خير له من الدنيا وما فيها، فكيف إذا اهتدت على أيديكم الأمة... فأعدتموها مجددًا إلى الله؟ ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (سورة الذاريات: 50).
الهوامش
([1] ) (782).
([2] ) (صحيح البخاري: 6049).
([3] ) (صحيح الترغيب والترهيب: 3592).
([4] ) (مفتاح الأفكر للتأهب لدار القرار) (1/85) بلفظ: (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود).
([5] ) (ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب) (1/145).
([6] ) (صيد الخاطر) (241).
([7] ) (الإيمان لأبي عبيد، 20).
([8] ) (الزهد والرقائق لابن المبارك، 1395).