العنوان ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان (الحلقة التاسعة)
الكاتب د. نجيب الرفاعي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1983
مشاهدات 79
نشر في العدد 648
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 06-ديسمبر-1983
الجهاد خير علاج للشيخوخة
● شتان ما بين من يأكل ويشرب كثيرًا ولا يجاهد وبين من يأكل ويشرب قليلًا ويجاهد!
● لم تمنعهم الشيخوخة من حمل السلاح.
في مساء السبت 13/ 8/ 1983م، وفي تمام الساعة الثانية عشرة ليلًا كنا قد وصلنا إلى أحد أكبر المعسكرات لمجاهدي إقليم بكتيا، وكان المعسكر مشيدًا على قمة تلة عالية، وعلى أضواء قنابل الإنارة ومصابيح اليد تحركنا على خطوط المشي التي كانت تضيق أحيانًا، وتتسع أحيانًا أخرى، شاهدت الكثير من المجاهدين يمشون على هذه الخطوط الضيقة، وكأن الشمس بازغة، لقد تعودوا على المشي ليلًا وليس مشيًا بطيئًا فحسب، ولكن كعادة المجاهد يركض ركضًا!! في تلك الليلة وصلنا إلى غرفة مبنية من الطين بعد مسير دام نصف ساعة.. نمت هذه الليلة وأنا أفكر في حال المجاهد.. إذ هذه أول ليلة أقضيها في معسكر للمجاهدين الأفغان... كنت سعيدًا بعد أن وصلنا بالسلام إلى هذا المكان المبارك... وأذكر أن الأخ أبا طارق نبهنا قبل أن ننام أن نأخذ حذرنا من هجوم البراغيث!!... في الصباح أفطرنا على كوب شاي وقطعة خبز، وفي زاوية من المجلس حدثنا أحد الشيوخ المجاهدين بقصة عجيبة، وكما قال المترجم «أبو طارق»، لولا عمره الذي بلغ ستين سنة وجهاده؛ لكان كلامه صعب التصديق!! قال الشيخ المجاهد:
منذ شهرين هجمت على بكتيا قوات حكومية، ودخلنا معهم في معركة، نصرنا الله عليهم، لعلكم شاهدتم آثار ذلك في المصفحات والدبابات المعطلة في الطريق والغنائم... في ذلك اليوم ذهبت قريبًا من أحد معسكرات المجاهدين التي كانت المعركة بجواره، فشاهدت بين الأشجار قطعة لحم مشوية، وكنت في تلك الساعة جائعًا.. قلت: لعل المجاهدين قبل المعركة قد شووا هذا الكتف، ولما بدأت المعركة وهوجموا تركوها، واختبأوا بين هذه الأشجار، أكلت من هذا اللحم الذي كان لذيذًا جدًّا حتى شبعت.
ولما تحركت من مكاني وجدت إلى مسافة قريبة من المكان رأس إنسان ويد إنسان، وبعد مشي قليل وجدت رجل إنسان.. وهنا انتابني الشك هل اللحم الذي أكلته لحم إنسان؟!... وعند هذه ضحكنا جميعًا، وسألناه ثم ماذا فعلت؟ قال: حاولت أكثر من محاولة لإخراج الطعام الذي أكلته، ولكنني ما استطعت، ثم سألناه وكيف كان طعم الروسي؟ قال: كان لذيذًا جدًّا!!
كم كانت سعادة هذا المجاهد وهو يقص علينا هذه القصة، ليس لأنه أكل لحم الروسي، ولكن سعادته بوجود أخوة له في العقيدة من ديار بعيدة، يقص عليهم أخبار انتصارات المجاهدين، وهم على ما هم عليه من قلة المال والعتاد والسلاح!!
طعام المجاهدين
بعد ذلك تجولنا في ساحة المعسكر التي كانت مكونة من خيام متفرقة، وعلى التلة كان هناك مدفع مضاد للطائرات.. سألنا أحد المجاهدين ما هو طعامكم اليومي؟ قال: الإفطار يتكون مما أكلتموه معنا اليوم قطعة خبز وكوب شاي، ووجبة الغداء والعشاء عادة يتكونان من صنف واحد، وأما اللحم ففي الشهر مرة أو مرتين، أحيانًا تذبح ذبيحة مكونة من تيس أو خروف لمعسكر بأكمله.
إن من يرى هذه الأجسام القوية يظنها تأكل يوميًا اللحوم.. فأعرف بعض الأخوة اللذين التحقوا بالتجنيد الإجباري، يخبرونني أكثر من مرة أنهم في وجباتهم يأكلون من الطعام الذي لو أعطي القبيلة لكفاها أيامًا وأشهرًا!! فشتان ما بين من يأكل كثيرًا ويشرب كثيرًا ولا يجاهد وما بين من يأكل قليلًا ويشرب قليلًا ويجاهد!!
مؤتمر جهادي
بعد صلاة العصر من ذلك اليوم الموافق 14/ 8/ 1983م أجتمع القائد حكمتيار مع إخوانه المجاهدين اللذين بلغوا في هذا الإقليم ألف مجاهد، تراهم من بعيد وقد اصطفوا متقاربين جالسين القرفصاء، وبيد كل منهم سلاحه، والغريب في الأمر إنني لاحظت كثيرًا من الوجوه كبيرة في السن، قد أخذ الشيب مأخذه في شعور لحاهم الطويلة، ولكن الأغرب من ذلك أنهم على هذه السن – تقريبًا الخمسين والستين- لا تبدو عليهم علامات الضعف والهزال والمرض.. إن الجهاد بالفعل خير علاج لمرض الشيخوخة.. وبين فينة وأخرى في هذا اللقاء المبارك تقاطع كلمات القائد أبيات حماسية من الشعر يعقبها أصوات التكبير، يردد صداها الجبال وأشجار الصنوبر المحيطة، بهذا الجمع المبارك.. كانت كلمات حكمتيار تتصاعد كأنها طلقات نارية لتثير الحماس في نفوس المجاهدين.. تثير فيهم العزة والكرامة.. كنت لا أفهم من كلامه إلا الآيات القرآنية، ولكن شعورًا بالأنس والهدوء النفسي والراحة الإيمانية شعرت بها في ذلك المكان..
فكرة للجهاد
● تحدث كل يوم سبعون معركة كأُحد وبدر، ولكن تنقصها اليد الأمينة التي تنقلها للتاريخ.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة: 254).
الإنفاق صنو الجهاد وعصب الجهاد... إنها الدعوة بالصفة الحبيبة إلى نفوس المؤمنين، والتي تربطهم بمن يدعوهم واللذين هم به مؤمنون.. وهي الدعوة إلى الإنفاق من رزقه الذي أعطاهم إياه، فهو الذي أعطى، وهو الذي يدعو إلى الإنفاق مما أعطى..
وهي الدعوة إلى الفرصة التي إن أفلتت منهم فلن تعود ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة: 254). فهي الفرصة التي ليس بعدها -لو فوتوها على أنفسهم- بيع تربح فيه الأموال وتنمو، وليس بعده صداقة أو شفاعة ترد عنهم عاقبة النكول والتقصير.. ويشير إلى الموضوع الذي يدعوهم إلى الإنفاق من أجله.. فهو الإنفاق للجهاد.. لدفع الكفر.. ودفع الظلم المتمثل في هذا الكفر «سيد قطب/ في ظلال القرآن».
في إحدى محاضرات الدكتور عبد الله عزام عن أفغانستان ورد السؤال التالي: أن المتابع للأخبار في أفغانستان يلاحظ أن أغلب مصادرها مراسلو الغرب اللذين يذهبون إلى الجبال والقرى، فيعيشون لأيام مع المجاهدين يرافقونهم إلى جبهات القتال.. بينما الأحرى أن يقوم المسلمون بهذا العمل للكتابة عن هؤلاء المسلمين وبطولاتهم، لا أن يكتفوا باستضافة بعض منهم في قاعات المحاضرات والمكاتب، فمن الذي يمنع الحركة الإسلامية في تصوركم من إيفاد مجموعة صغيرة من صحافييها مزودين بأجهزة تسجيل وتصوير بسيطة لشهر أو أكثر، للقيام بهذا الواجب؟ خصوصًا وأن أغلب الشباب مستعد للتضحية بروحه والجهاد هناك، فمن باب أولى أن يقبل في التضحية بشهر من عمره ويضع مئات من الجنيهات خصوصًا وإنكم قد نقلتم قول عبد رب الرسول سياف «يحدث كل يوم سبعين معركة كأُحد وبدر، ولكن تنقصها اليد الأمينة التي تنقلها للتاريخ»..
فأجاب المحاضر قائلًا: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون.. يعني أنتم تتألمون لهذا وهم يتألمون لهذا.. كذلك للأسف نقولها: إن المسلمين حتى في الميدان الإعلامي والميدان الصحي مقصرون.. كم من طبيب يتخرج من أوروبا وأمريكا سنويًا؟ كم من طبيب مسلم من الاتحادات الإسلامية يعمل؟ عشرات الألوف!! أليس من الممكن أن يأتي من عشرات الألوف واحد يخصص عشرة أيام في السنة يقدمها في سبيل الله عز وجل، بدل أن يقضي أجازته السنوية في اليونان وتركيا وسويسرا وفي غيرها!! أليس من الممكن أن يرابط في سبيل الله «ورباط يوم في سبيل الله يعدل صيام شهر وقيامه».. «ورباط شهر في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواء من المنازل»..
والحديثان صحيحان.. من الأولى بهذا الأجر؟ المسلمون أم الصليبيون اللذين يأتون بمستشفيات متنقلة في أرض المعركة؟
فرنسيون وبريطانيون يمكثون بالجبهة سنتين وثلاثة يعيشون ويتعرضون للغارات!!
وبعد أيها المسلم ألم يأن للذين آمنوا أن يتحركوا إعلاميًّا وطبيًّا للحركة الجهادية الأفغانية؟ أسأل الله تعالى أن تكون منهم.