العنوان الشعر الإسلامي- حنين وثورة في الطريق إلى الأرض المحتلة
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الاثنين 01-يناير-1979
مشاهدات 75
نشر في العدد 426
نشر في الصفحة 40
الاثنين 01-يناير-1979
ستظل القدس في قلب الأديب المسلم رمزًا غنيًا متفجرًا بألف لون ولون، وستظل طيوفها تداعب جفنيه وهي تقبض على ما لا يحصى من المشاعر والرغاب، تلك التي تعتصر قلبه... حبًا وحنينًا، ثورة وتفاؤلًا، فداءً ودمًا مسفوحًا على طريق الشهادة.. فالقدس لا يحررها إلا الدم.. القدس لا تحرر برقصة عاهرة مع مومس في أقبية النخاسة القريبة من كامب ديفيد وبليرهاوس.. لا. إن القدس والأقصى ومسجد الصخرة والخليل و...كلها حنين يسترجع يستمطر حنين المسلم وشوقه إلى الشهادة وهو يردد:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا
على أي جنب كان في الله مصرعي
وإذا كانت هذه المشاعر تتشخص في جنبات الأرض المحتلة، فإن نفس الشاعر المسلم وروحه وكيانه، كل ذلك جوع وحنين إلى إطلاق أرض المسلمين من أسرها، فلقد غدا الشاعر جنديًا في ساحة المعركة، ولا غرابة في هذا، فهو أخو العقيدة.. إنه مؤمن بفرضية الجهاد، وها هو ذا مندفع بحنينه إلى رؤية دار المسلمين عروسًا محررة..
ويلتفت الشاعر المسلم بين إخوانه.. مناديًا من يبيع دمه ويشري النصر والحرية والخلاص.. وهنا، تركن نفسه إلى كتاب الله.. إلى سورة «الأنفال».. فينادي بها مستنفرًا صحبه وإخوانه إلى قتال عدو الله الجاثم برعونته فوق صدر المقدسات الإسلامية.. إن جملة هذه المشاعر تنطلق على لسان شاعر الأقصى الأستاذ يوسف العظم في قصيدته «القدس».. فترسم الوجدان الصادق المشوق إلى النصر والشهادة في الأبيات التالية:
يا سورة الأنفال.. من لي بها
قدسية الآيات تستنفر
جندًا يذوق الموت عذب المنى
كالصبح إيمانه يسفر
ومن يبع لله أزکی دم
یمت شهید الحق أو ينصر
أمام هذه الصرخات الصادقة المخلصة، حاولت قوى البغي والطغيان أن تكمم أفواه المجاهدين وتوثق أياديهم وتضع بنادقها في صدورهم، لكن، هل تمكن أولئك من تسريب اليأس إلى النفس المؤمنة.. اللهم لا!! فمهما حاولت قوى الباطل أن تفصل المسلم عن قضيته، فإنها سترتد خاشعة.. فالمسلم الملتزم بعقيدة التوحيد لا يزحزحه عن ثباته شيء.. فهو مع الأمل الرباني حاث الخطى.. تراوده آمال الزحف الإسلامي الكبير.. تتجاذب عواطفه حنينًا ورغبة وإصرارًا على خوض المعركة، فمن يملأ قلبه الحنين لا بد وأن يسكن الأمل بالوصول إلى بغية في إحدى نوافذ قلبه على الرغم من كل الصعاب!.
يا قدس مهما باعدوا بيننا
ففي غد جيش الهدى يزحف
كتائب الإيمان قد بايعت
لا فاسق فيها ولا مترف
وإذا استطاع شاعر الأقصى أن يصور وجدان المسلم في هذه الأبيات، فما رصيد الحروب التي شهدها مسرح السنوات الأخيرة بيننا وبين عدونا اليهودي اللدود؟
وعلى ما يبدو كان الشاعر المسلم يراقب المهزلة اللاإنسانية.. فالقوات التي أعدت كما يقال لخوض المعركة مع العدو، تحولت لتضرب بنادقها في صدور أبناء الأمة الآمنين في بيوتهم ومساجدهم وأسواقهم ثم لتسوق أبناء الحق ودعاة الجهاد إلى أقبية السجن السوداء. تاركة مهمتها الأساسية في التحرير واسترجاع الأرض المحتلة التي عشش فيها البغاء والرجس على أيدي قتلة الأنبياء. أما الفناء الذي دفع المسلمون ثمنه.. فقد غدا أثرًا بعد عين في زمن أقل من أن يقاس بالساعات. وإليك حديث الأستاذ جمال فوزي عن القضية والمتاجرين فيها:
الطائرات تحطمت
قبل المعارك كلها
وسلاحكم أخذته إسرا
ئيل فوق عتادها
أما القادة. فأين هم يا تری يوم الخامس من حزيران؟ وماذا يفعلون؟ لقد لبس الواحد منهم كل ألبسة الوطنية، وترك المعركة فارًا بنصر موهوم، إلى كرسيه الذي يبيع الأمة كلها من أجله، لقد عاد ومعه الوهم والزور والطغيان والتلبيس:
والهاربون من المعارك
يملكون زمامها
وكأنهم قد ارجعوا
القدس الطهور لأهلها
إذًا هكذا تُحرر الأرض في عرف قادة الجيوش. وهنا يجد المسلم نفسه مدعوًا إلى التذكرة وتوضيح الطريق لكل منهزم وتائه، إن طريق النصر لا يمكن سلوكه إلا بالدخول من بوابة الشريعة الإسلامية الغراء، وعندها يمكن لجنود الله الصادقين أن يعيدوا أرض المسلمين إلى عزيز كيانها على حد تعبير الأخ جمال فوزي:
عودوا إلى شرع الإله
وطلقوا إلحـــــــادهــــا
ودعوا جنود الحـــــق
للصحراء يقتحمونها
لتعود أرض المسلمين
إلى عزيز كيانها
وليست هذه بالطريق السهلة. إن مسالكها تحتاج إلى نفس مستعدة مؤمنة صابرة،
دنيا المجاهد كلها
محن لصــهر رجالها
والشوك بين سهولها
والزهر فوق هضابها
لكن، هل يستطيع الزحف المسلم أن يسلك طريق الجهاد لخوض حرب إسلامية مقدسة مع العدو اليهودي اللعين في هذه الظروف؟ إن الطريق واضحة، إلا أنها تحتاج إلى تعبيد أولًا. ففيها من العوائق ما يحتاج إلى إبعاد وإزاحة، ولعل ذلك يتمثل في النظم الجاهلية التي شوهت قضية الأمة وشخصيتها، والأستاذ نجيب الكيلاني يدعو إلى البحث عن الطريق الصحيحة الواضحة التي لا تعثر من مسالكها أدران الجاهلية وأشواك الخيانة، وعناكب التضليل، وعندها يعود يتضح طريق الجهاد ويسهل السلوك فيه، يقول:
ولنبحث يا جيل الفتنة
عن درب الله الأخضر
ولننف عناكبه السوداء
ولنسحق أشواك العوسج
ولنزهق أرواح الحيات
ليصير الدرب كما كان
لا أدران...
نعم إن الوصول إلى الهدف المقدس في قتال العدو اليهودي اللعين يدعو المسلم أن يجاهد الأفاعي التي تقطع السبيل وتحتكر الطريق في أنانية مغرضة مشبوهة، والجهاد كفريضة تدعو كل مسلم إلى مجاهدة من يعترض عليه طريقها.
وعندما نعبد الطريق إلى الجهاد بإزاحة النظم الفاسدة والاحتكام إلى شريعة الله، يبقى العهد بين المسلم والجهاد واحدةً من بغيتين، النصر أو الشهادة في سبيل الله، ولعل الشهيد الأديب الداعية سيد قطب رحمه الله، والذي قدم حياته فداء الفكرة والعقيدة على مذبح الطغيان، يستطيع أن يوضح في حروفه الشعرية فكرته، يقول في قصيدته «فلسطين الدامية»:
عهد على الأيام ألا تهزموا
النصر ينبت حيث يرويه الدم
في حيث تعتبط الدماء فأيقنوا
أن سوف تحيوا بالدماء وتعظموا
نعم. النصر لا يزهر إلا في منابت الدم والشهادة والفداء.
إن وضوح الرؤية عند الشاعر المسلم هو القائد والهادي، وهو الدافع لتكريس الجهد والوقت والمال والبنين. وذلك لمجاهدة كل عدو، وما حنين الشاعر المسلم إلى القدس وبقاع الأرض المحتلة الأخرى إلا عمل وجداني تركز في نفس المسلم وروحه، وحرك أحاسيسه وانفعالاته، معتمدًا على وضوح في الرؤية والفهم، الأمر الذي يجعل المسلم هو المؤهل لتحرير فلسطين وما جاورها من بقاع محتلة وفق ثورة إسلامية تنطلق من مفاهيم الجهاد في الإسلام، ولعل هذا أمر لا مفر منه كما يقول الأستاذ وليد الأعظمي:
لا بد من ثورة يا قدس عاتية
منها نحل على الأعداء بأساء
حتى يفر بنو صهيون ثانية
كما تفر من النبال حرباء
ويرجعون إلى آفاقهم بدءًا
كما إلينا من الآفاق قد جاءوا.
نعم. هذا هو طريق التحرير، وهكذا تعود فلسطين وأراضينا المحتلة، بعيدًا عن ديباجات المدبجين وإدعاءات الخراصين وإفك الأفاكين الذين لا يعرفون إلا الزور من القول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل