; في ذكرى استشهاد الإمام- التربية الجهادية عند الإمام حسن البنا | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى استشهاد الإمام- التربية الجهادية عند الإمام حسن البنا

الكاتب عدنان الزنكي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1981

مشاهدات 71

نشر في العدد 516

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 17-فبراير-1981

الزمان: الثاني عشر من شهر فبراير سنة ١٩٤٩. 

المكان: في شارع مظلم من شوارع القاهرة، كان الشيخ الوقور يخرج من مقر جمعية الشبان المسلمين متجهًا إلى سيارة التاكسي، والهدوء يخيم على الشارع والأنوار الخافتة المنبعثة من أعمدة النور تلقي ظلالها الرهيبة على الأرض.  

وفجأة، تنطلق سيارة بأقصى سرعتها متجهة إلى ذلك الشيخ، ونفر من الأقزام يصوبون أسلحتهم ويصوبون لهيب الحقد الباطني على ذلك الشيخ، طلقات نارية تمزق سكون الليل، وتردد أصداؤها في جنبات الشارع، وتصطبغ الدنيا بلون الدماء، الدماء الطاهرة الطيبة، ويتوقف الزمن لحظات ليشهد في ملأ من الناس عملية اغتيال قائد الحركة الإسلامية في العصر الحديث.

إن رصاصات الغدر والمكر قد مزقت الجسد الطاهر ولكنها لم تجد فيه مقتلًا، فكان لا بد من مشهد أخير يكتمل فيه نسيج المكر والدهاء..

فراش المستشفى مسطرة آيات الشرف والفخار، وطُويت صفحة منداة بالعرق والدم والدمع، ونشرت صحائف الخير هناك في عليين. 

أبكي على إخوة ساروا على سنن الله خططه في سالف الحقب، فمنذ عشرين ضاق الكفر في «حسن»، وبعد عشرين فاز الكفر في «قطب»، فودعتهم جنود الله في حزن واستقبلتهم جنان الخلد في رغب. في تلك اللحظات صمت اللسان العذب، ونطقت الدماء الزكية، مودعة الأحبة الكرام، والإخوة الأبرار، «لقد دعوتكم، فيشهد الله أني ما كذبتكم، واستنفرتكم فيشهد الله أني حرصت على ألا يسبقني إلى مظان الأذى أحدكم، وها أنا ذا أودعكم وملء أعينكم دمي، وهو غاية وسعي وجهدي، فإن أنتم حملتم الراية واستمسكتم على معالم هذا الطريق، طريق البلاء والبذل والصبر، فذلك عهدكم الذي عاهدتم الله من قبل، وهو هتافكم الذي صرختم به وحملتم دعواه على رؤوس الأشهاد من القلب، ولست أملك بعد ذلك إلا أن ألوذ بكنف الله أن يتقبل مني صالح القصد، أما موعدنا غدًا أو بعد غد فقد قضى الله أن يكون المصير حيث تنتهي بنا عزائم الصدق ودرجات الثبات على هذا الأمر».

تلك كانت كلمات الدماء القانية، نبض بها قلب الإمام وهو يودع أحبة له في الدعوة.  ولعل ليلة الثاني عشر من فبراير كانت الليلة الأولى التي نام فيها الإمام نومة هادئة، وقد تحرر من ثقله الدم والطين ومن أغلال الجسد، وراح يسبح في ملكوت السماوات، ويا له من تحرر.  

إن كنت يا مرشدي فارقتنا جسدًا *** فإن روحك عنا قط لم تغب 

بعثت في الشرق روح العز ثانية *** والعز لم يأت عفوًا دونما سبب

فكنت للشرق حقًّا قطب نهضته *** وهل تدور الرحى إلا على القطب 

ويكون آخر العهد بحسن البنا تلك اللوحة البارقة القانية بين دوي الرصاص ونزف الدماء، فكانت بمثابة اللحظات الأخيرة أضافها الإمام ويتربى عليه -بعد تلك- جنود الحركة الإسلامية الأشاوس وينهمر شلال الدماء، الدماء الطاهرة الزكية. وتسير قوافل الشهداء لترسم صورة الإسلام في إطارها الحديث ومضمونها الأصيل، ويمضي الشهيد يتلوه الشهيد في حقبة من الدهر علا فيها الفاسق، واستعلى فيها المؤمن، وراح يردد مع إخوان له من وراء القضبان:

ضع في يدي القيد ألهب أضلعي *** بالسوط، ضع عنقي على السكين 

لن تستطيع حصار فكري ساعة *** أو نزع إيماني ونور يقيني 

فالنور في قلبي، وقلبي في يدي *** ربي وربي حافظي ومعيني 

سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي *** وأموت مبتسمًا، ليحيا ديني

وانطلق جنود الحركة الإسلامية يسطرون مشاهد الجهاد والتضحية على صفحات التاريخ، فخبرتهم وهاد فلسطين، وعرفتهم شطان القناة، وانتشت بهم سجون حكومات «الشعب» و«الثورة الرائدة» أيام الحكم الناصري العميل!

إن المنهج القويم ينشئ تلامذة أقوياء، وكذلك كان منهج الإمام في التربية الجهادية.

ولعل في تبيان بعض ملامح التربية الجهادية عند الإمام خير إحياء لذكراه العطرة. 

أولًا- بث روح الحماسة في نفوس الأتباع. ونرى هذا واضحًا من خلال خطاباته التي كان يلقيها على جموع الإخوان في المناسبات والاحتفالات، وكذلك من خلال رسائله المطبوعة:

«أيها الإخوان، إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهَب لكم الحياة، واعلموا أن الموت لا بد منه وأنه لا يكون إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة» رسالة الجهاد. ويصف الإمام لاتباعه المجاهد فيقول: «أستطيع أن أتصور المجاهد شخصًا قد أعد عدته، وأخذ أهبته وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه؛ فهو دائم التفكير عظيم الاهتمام، على قدم الاستعداد أبدًا، إن دُعي أجاب أو نودي لبَّى غدوه ورواحه! وحديثه وكلامه وجده ولعبه، لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي أوقف عليها حياته وإرادته، يجاهد في سبيلها. 

تقرأ من فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوْي لاصق وألم دفين. وما تفيض به نفسه من عزمه صادقة، وهمة عالية، وغاية بعيدة».

ويخاطب الإمام البنا -رحمه الله- إخوانه في رسالته «إلى الشباب» قائلًا: «وسنجاهد في سبيل تحقيق فكرتنا، وسنكافح لها ما حيينا وسندعو الناس جميعا إليها، وسنبذل كل شيء في سبيلها؛ فنحيا بها كرامًا أو نموت كرامًا، وسيكون شعارنا الدائم: الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا». 

ثانيًا- توجيه الحماسة وضبط النفس.

فالحماسة الهوجاء تودي بصاحبها إلى المهالك، لهذا كان الإمام البنا يتبع سياسة التعقل وضبط النفس، وتوجيه حماس الإخوان لما فيه خير الدعوة والإسلام.

«أيها الإخوان المسلمون، وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم، اسمعوها مني عالية مدوية من فوق هذا المبنى في مؤتمركم، هذا الجامع -إن طريقكم هذا- مرسومةٌ خطواته موضوعة حدوده، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة». المؤتمر الخامس.

«وفي الوقت الذي يكون فيه منكم -معشر الإخوان المسلمين- ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيًّا وفكريًّا وجسديًّا، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجاج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعلٌ إن شاء الله». المؤتمر الخامس. 

ثالثًا: تهيئة مجال الممارسة العملية، فقد ألزم الإمام البنا -رحمه الله- الإخوان بالكشف الصحي الدوري، والحرص على القيام ببعض التمارين الرياضية، والقيام بالرحلات الجبلية أو الصحراوية أو الحقلية أو القروية أو النهرية.

وأنشأ الإمام فرق الجوالة والرحلات، وأنشأ الجهاز الخاص بهدف إعداد المجاهدين جسديًّا وروحيًّا وعسكريًّا.

وكانت الثمرة الأولى لجهود الأعداد عندما أرسل الإمام البنا كتيبتين من الإخوان المسلمين إلى معركة فلسطين سنة ۱۹٤٨، كتيبة قادها بنفسه إلى غزة عن طريق القنطرة، وكتيبة أخرى تذهب إلى القدس بعد إتمام تدريبها في معسكر قطنا بسوريا.

وقد أُبلِيَ المجاهدون الإخوان بلاءً عظيمًا في معاركهم التي خاضوها، ورووا بدمائهم الطاهرة تراب فلسطين وسيناء؛ والكل قد شهد بذلك حتى الأعداء.

وبعد.. فإن ما لم يُنكر خير مما ذكر، وما خفي أعظم وأجل مما ظهر في شأن ذلك الرجل الرباني، وستظل ذكراه نقطة مضيئة في جبين التاريخ، وحقيقة بارزة رغم أنف المعارضين، وسيردد النشء الصالح في كل مكان:

لنا بيعة باتباع الإمام *** لتطبيق دستور رب الأنام

ونحن الدعاة لنشر السلام *** ومشعل نور بهذا الوجود

الرابط المختصر :